تتجه رئاسة الحكومة العراقية قريباً لإرسال مسودة مشروع قانون "هيئة الحشد الشعبي" إلى مجلس النواب، بعد أن جرى تجميده العام الماضي داخل البرلمان، بسبب رفض أميركي وامتناع العرب السنّة والأكراد عن التصويت عليه. وبحسب مصادر "العربي الجديد"، فإن المشروع خضع لتعديلات كثيرة خلال الفترة الماضية من قبل مسؤولين اختارهم رئيس الحكومة علي الزيدي، لحذف البنود التي "أغضبت واشنطن"، بالإضافة إلى الفقرات التي تجعل الهيئة متضخمة، تمهيداً لإعادة طرحه مجدداً في البرلمان وعرضه على القراءة ثم التصويت عليه.
أبرز تعديلات قانون "الحشد الشعبي"
وعلم "العربي الجديد"، من مصادر مسؤولة، أن أبرز التعديلات التي طُرحت على هيكل القانون، هي
وأفادت المصادر بأن هذه الخطوات دعمها رئيس الحكومة علي الزيدي، بالإضافة إلى أغلبية قادة تحالف "الإطار التنسيقي" الحاكم في البلاد. ويتلخص مشروع القانون في منح الحشد استقلالاً كاملاً، بمعنى أن يكون مؤسسة أمنية بمعزل عن وزارتَي الدفاع أو الداخلية، ولا يرتبط بهما، وله رئاسة أركان وقيادة عمليات خاصة ترتبط مباشرة برئيس الوزراء الذي يحمل دستورياً صفة "القائد العام للقوات المسلحة". ويُلغي مشروع القانون الجديد القانون السابق الذي صوّت عليه البرلمان عام 2016 خلال فترة الحرب على تنظيم "داعش".
والأسبوع الماضي، صوّت مجلس الوزراء العراقي على مشروع قانون "الحشد الشعبي"، وأقرّ إحالته على البرلمان، "في إطار حرص الحكومة على تنظيم الإطار الإداري للمؤسسات الأمنية، وتقديراً للتضحيات التي بذلها منتسبو هيئة الحشد الشعبي"، وفق بيان رسمي صدر عن المكتب الاعلامي لرئيس مجلس الوزراء. وأكد الزيدي، أنّ "هيئة الحشد الشعبي تحظى باهتمام ورعاية الحكومة التي ستمضي في تقديم قانون الحشد لإقراره، بوصفها جزءاً من تشكيلات وصنوف القوات المسلحة"، مبيناً أن "الحكومة ستعمل على نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة غير العراقية الموجودة على الأراضي العراقية، بما يحافظ على أمن البلاد واستقرارها ويسهم في ضبط الحدود".
كما شدد على التزام الحكومة بمنع استخدام الأراضي والأجواء العراقية منطلقاً أو ممراً لأي أعمال تهدد أمن دول الجوار، مؤكداً في الوقت نفسه رفض استخدام أراضي أو أجواء أي دولة لتنفيذ اعتداءات على العراق.
ويتألف مشروع قانون "الحشد الشعبي" من 18 مادة، ويتألف من نحو 70 فصيلاً مسلحاً، وكان مجلس الوزراء العراقي قد وافق عليه في فبراير/ شباط العام الماضي، وأجرى مجلس النواب قراءتين أولى وثانية له، لكن لم يتحقق التصويت لصالحه، بسبب اعتراض الولايات المتحدة على تشريع القانون، وذلك في عهد رئيس الحكومة السابق محمد شياع السوداني، الذي كان يحاول أن يؤكد للطرف الأميركي أنّ القانون يأتي جزءاً من "إصلاح المؤسسات الأمنية"، إلا أنّ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو كان قد أفصح رسمياً عن مخاوف أميركية بشأن مشروع قانون "هيئة الحشد الشعبي"، مشدداً على أن أي "تشريع هذا النوع من القوانين سيؤدي إلى ترسيخ النفوذ الإيراني والجماعات المسلحة التي تقوض سيادة العراق".
في السياق، يقول عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي أحمد الخزعلي، إنّ مشروع قانون "الحشد الشعبي" بات في مراحله الأخيرة، لكنه لم يصل إلى البرلمان لغاية الآن، لكنه سيصل قريباً، مبيناً لـ"العربي الجديد"، أن "التعديلات التي جرت على المشروع تكاد تكون بسيطة ومحدودة ولا تمس مصالح المقاتلين، وأن مجلس النواب عازم على تمريره خلال الفترة القريبة وذلك بعد مراجعته من قبل اللجنة القانونية". وبخصوص انتفاخ المشروع وتحوّل الهيئة إلى وزارة رديفة، يشير الخزعلي إلى أن "القانون يهدف إلى وضع إطار تشريعي واضح ينظم شؤون منتسبي هيئة الحشد الشعبي، وليس أكثر من ذلك".
"حماية للمقاتلين"
من جانبه، يرى الخبير العسكري سرمد البياتي، أن "إقرار قانون الحشد الشعبي، هو حماية للمقاتلين ووضع حدود واضحة للقادة، خصوصاً أن بعضهم لديه طموحات اقتصادية وسياسية عالية، كما أنه يفصل بشكلٍ واضح بين أولية الحشد والفصائل المسلحة التي تتعامل وفق مبدأ المقاومة الإسلامية"، مستكملاً حديثه مع "العربي الجديد"، أن "الحكومة الحالية تدرك أهمية الحشد الشعبي كقوة قتالية لحماية العراق والعراقيين، وإمكانياته في الانتشار وتنفيذ المهمات الصعبة، وبإقرار القانون تكون الهيئة جزءاً من الدولة ويمكن محاسبتها وعدم الخروج عن القانون".
وأول أمس الاثنين، أكد المستشار الأمني لرئيس مجلس الوزراء، قاسم الأعرجي، أن "الحشد الشعبي مؤسسة أمنية رسمية قدمت التضحيات دفاعاً عن العراق وشعبه". وجاء هذا التعليق عقب استقباله آمر اللواء السابع عشر في الحشد الشعبي، جبار الحيدري، "لبحث تطورات الأوضاع الأمنية، وأهمية تعزيز التنسيق والتكامل بين التشكيلات الأمنية، بما يسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار وحماية المصالح الوطنية العليا".
وعبارة المؤسسة الرسمية تعني أن مشروع القانون جاهز، كما تعني بلوغه حالة الشرعية بما لا يثير مخاوف واشنطن أو القوى السنية والكردية التي لم تقبل بالنسخة السابقة منه، وفق تفسيرات بعض المراقبين، خصوصاً أن المسودة السابقة تضمنت بنوداً وعبارات أثارت قوى سياسية عدة، من ضمنها عبارة "حماية النظام"، كما أنها منحت أفراد "الحشد الشعبي" امتيازات مالية توازي تلك التي يتمتع بها أفراد الجيش العراقي، كما جرى تضمين تخصيصات موازنة سنوية لتطويرها وتسليحها أسوة بوزارة الدفاع، فضلاً عن مفردة "مجاهد" التي كانت بعض القوى تريد منحها للمقاتلين في الحشد، وهي مفردة لا تنسجم مع الدستور العراقي.
والمسودة السابقة، منحت رئيس هيئة "الحشد الشعبي"، درجة وزير، وأن يكون عضواً في اللجنة الوزارية للأمن القومي، وبإمكانه تخويل بعض صلاحياته إلى رئيس الأركان أو الأمين العام للهيئة، وممارسة صلاحيات وزير الدفاع لتطبيق القوانين العسكرية على منتسبي الهيئة، كما ربطت "الحشد الشعبي" بـ16 إدارة ومديرية عامة، منها رئاسة الأركان، والأمانة العامة، والدائرة الإدارية والمالية، وشركة المهندس العامة للمقاولات، فضلاً عن أكاديمية عسكرية تُسمّى "أكاديمية الحشد الشعبي" على غرار أكاديميات وزارتَي الدفاع والداخلية، تمنح شهادة بكالوريوس في العلوم العسكرية لخريجي الأكاديمية.
وتأسست "هيئة الحشد الشعبي" رسمياً عام 2016، بعد تصويت مجلس النواب على قانون تشكيلها الذي حمل الرقم 40، بينما أعلنت رئاسة الوزراء في العام نفسه ضم قوات "الحشد الشعبي" إلى القوات المسلحة. وفي عام 2020، جرت معادلة راتب عنصر "الحشد الشعبي" براتب الجندي في الجيش العراقي البالغ مليوناً و250 ألف دينار، أي ما يعادل قرابة ألف دولار شهرياً، إلى جانب منح عناصر الحشد المخصصات نفسها المتعلقة بالسكن وغيرها، مع تأكيد توزيعهم وفقاً لنظام الألوية العسكرية. لكن عملياً، ما زال كل فصيل مسلح (في الحشد) يحافظ على اسمه وعناصره وارتباطاته السياسية والعقائدية، فضلاً عن تقاسم مناطق النفوذ والوجود بين مختلف المحافظات التي ينتشر فيها.