اخر الاخبار

دخلت حملة مكافحة الفساد في العراق مرحلة أكثر حساسية مع اتساع عمليات مراجعة الثروات والعقارات لتشمل ملفات مرتبطة بنواب ووزراء ومسؤولين كبار حاليين وسابقين، في وقت تكشف التحقيقات محاولات لنقل ملكية أصول إلى أقارب وشركاء ووكلاء لإبعادها عن دائرة الحجز والاسترداد.

وكشفت مصادر عراقية مطلعة على مسار التحقيقات لـ"إرم نيوز"، أن التحقيقات الجارية ضمن حملة "صولة الفجر"، التي أطلقتها حكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، توسعت لتشمل مراجعة عقارية ومالية لمئات الملفات المرتبطة بشخصيات سياسية وإدارية، بعدما قادت التحقيقات واعترافات متهمين إلى فتح دوائر جديدة لتتبع الثروات.

وبحسب المصادر، رصدت الأجهزة الرقابية نمطًا متسارعًا لنقل ملكية عقارات وأصول مرتبطة ببعض المشمولين بالتحقيق، عبر بيعها بأسعار صورية أو تسجيلها بأسماء أقارب ووكلاء وشركاء، خصوصًا بعد إدراك أصحابها أن التحقيقات تقترب من ملفاتهم.

تأتي هذه التطورات بينما بدأت ملفات الحملة تنتقل من مرحلة الاعتقالات والتحقيق إلى الأحكام القضائية، مع صدور أحكام بحق شخصيات سياسية في قضايا كسب غير مشروع، فيما تتجه السلطات أيضًا إلى ملاحقة سياسيين ومسؤولين غادروا العراق بعد فتح ملفات بحقهم. 

 

من السياسي إلى عائلته

وتقول المصادر إن آلية العمل الجديدة لا تكتفي بمراجعة الأموال والعقارات المسجلة مباشرة باسم المسؤول أو الشخص المشمول بالتحقيق، وإنما تحاول تحديد المستفيد الحقيقي من الثروة عندما تكون الملكية مسجلة باسم شخص آخر.

ولهذا امتدت دائرة الفحص من الزوجات والأبناء والأشقاء إلى الشركاء التجاريين والوكلاء والمستشارين، وفي بعض الملفات إلى أصدقاء مقربين، بعدما أظهرت التحقيقات استخدام واجهات وعقود صورية لإخفاء الملكية الفعلية.

وتركز التحقيقات على مصدر الأموال وتوقيت شراء العقار أو انتقال ملكيته، ومدى تناسب الثروة مع الدخل المعلن، وطبيعة العلاقة المالية بين المالك المسجل والشخص الخاضع للتحقيق.

وامتدت المراجعات، بحسب المصادر، من بغداد إلى نينوى وبابل والبصرة ومحافظات أخرى، بالتوازي مع إصدار قرارات حجز ومنع تصرف عندما تتوافر أسباب قضائية للاشتباه بمحاولات نقل الأصول.

 

170 عقارًا تكشف النموذج

وظهر نموذج علني لهذا المسار هذا الأسبوع، عندما أعلنت هيئة النزاهة الاتحادية كشف شبكة تضم تسعة متهمين أخفت الملكية الحقيقية لأكثر من 170 عقارًا في بغداد وبابل، تقدر قيمتها بعشرات المليارات من الدنانير.

وكشفت الهيئة أن العقارات سجلت بأسماء آخرين، بينهم أقارب وأصدقاء للمتهمين، بهدف إبعادها عن التدقيق المالي وإخفاء حجم الأموال ومصادرها.

واكتسبت القضية بعدًا لافتًا بعدما حاول أفراد الشبكة التخلص من الوثائق، فعُثر على جزء منها داخل حقيبة بين الحشائش، فيما جرى انتشال وثائق أخرى من مياه شط الحلة بعد محاولة إتلافها.

وفي ملف آخر، أعلن القضاء مطلع سبتمبر/ أيلول ضبط سبعة مليارات دينار و5.5 مليون دولار و35 عقارًا جديدًا ضمن التحقيقات المتعلقة بوكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي، ما يعكس اتساع دور الممتلكات العقارية في عمليات تعقب الثروة.

 

ثغرة العقارات

في هذا السياق، يحذر خبير مكافحة الفساد العراقي سعيد ياسين موسى من أن ما تكشفه التحقيقات يرتبط بمشكلة أوسع في قطاع التسجيل العقاري، في ظل ضعف تحديث وأتمتة السجلات وغياب قاعدة بيانات متكاملة للعقارات الخاصة وعقارات الدولة.

ويربط موسى بين التضييق على التحويلات وغسل وتهريب الأموال وبين تزايد أهمية إغلاق الثغرات في القطاع العقاري، مشيرًا إلى أن عمليات التزوير التي تكشفها هيئة النزاهة تظهر حجم المخاطر التي يمكن أن تنتج عن ضعف الرقابة على الملكيات.

بدوره، يرى الخبير المالي العراقي مصطفى أكرم حنتوش أن مراقبة الحسابات المصرفية وحدها لا تكفي لتعقب الثروات، لأن جزءًا كبيرًا من التعاملات يجري نقدًا، فيما يمكن تحويل الأموال إلى عقارات وشركات أو تسجيل الأصول بأسماء أطراف أخرى.

ويعتبر حنتوش أن المطلوب هو الانتقال من معرفة صاحب الحساب إلى تحديد مصدر الثروة والمستفيد الحقيقي منها، عبر ربط البيانات المصرفية بالممتلكات والدخل والنشاط الاقتصادي.

 

سباق قبل الحجز

وتقول المصادر إن اكتشاف محاولات نقل الملكية دفع الجهات المختصة إلى تسريع إجراءات الحجز ومنع التصرف، ومراجعة عمليات بيع ونقل عقارات تمت أخيرًا، خصوصًا في الملفات التي أظهرت التحقيقات محاولة أصحابها إعادة ترتيب ثرواتهم بعد بدء الحملة.

وتنفي المصادر، في المقابل، وجود صيغة رسمية تسمح للمتهم بإعادة الأموال مقابل إغلاق ملفه، مؤكدة أن استرداد الأصل لا يعني تلقائيًا انتهاء المسؤولية الجنائية. 

وبذلك تنتقل "صولة الفجر" من اعتقال مسؤولين وملاحقة الأموال النقدية إلى اختبار أكثر تعقيدًا وحساسية سياسيًا، من خلال الوصول إلى ثروات مسؤولين وسياسيين عندما لا تكون العقارات والشركات مسجلة بأسمائهم، وإنما موزعة خلف شبكة من الأقارب والشركاء والواجهات.