أكدت مصادر سياسية عراقية في بغداد، لـ"العربي الجديد"، اليوم الخميس، تجدد الخلافات داخل الائتلاف الحاكم في العراق، "الإطار التنسيقي"، بشأن استكمال التصويت على الكابينة الحكومية، التي ما زالت تواجه نقصاً في 9 وزارات، بينها الدفاع والداخلية، وذلك بعد انتهاء مهلة الأسبوع التي حددها الائتلاف سابقاً لاستكمال حكومة علي الزيدي. وكان "الإطار التنسيقي" قد تعهد، الثلاثاء من الأسبوع الماضي، في بيان رسمي، بإكمال الكابينة الوزارية خلال أسبوع، وذلك بعد أكثر من 100 يوم على منح حكومة الزيدي الثقة بتشكيلة غير مكتملة.
ومنح مجلس النواب العراقي الثقة لحكومة الزيدي منتصف مايو/ أيار الماضي، بعد التصويت على 14 وزيراً من أصل 23، فيما أرجئ التصويت على 9 وزارات بسبب الخلافات السياسية بشأن المرشحين، وسط حديث عن اعتراضات أميركية على إسناد بعض المناصب إلى جهات سياسية مرتبطة بفصائل مسلحة. وتشمل الوزارات التي لم يحسم أمرها حتى الآن الدفاع، والداخلية، والتخطيط، والتعليم العالي والبحث العلمي، والهجرة والمهجرين، والإعمار والإسكان، والشباب والرياضة، والعمل والشؤون الاجتماعية، والثقافة، بينما استمرت إدارة عدد منها بالوكالة خلال الأشهر الماضية.
خلافات جديدة داخل "الإطار التنسيقي"
وقال مصدر مسؤول في "الإطار التنسيقي"، لـ"العربي الجديد"، إن "قوى الإطار التنسيقي كانت قد اتفقت الأسبوع الماضي على استكمال التصويت على الكابينة الوزارية خلال الأسبوع الحالي، إلا أن خلافاً جديداً اندلع بين عدد من القوى، خصوصاً ائتلاف دولة القانون وحركة عصائب أهل الحق، بشأن مناصب نواب رئيس الوزراء، إلى جانب منصب وزير الداخلية". وأوضح المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أن "ائتلاف دولة القانون رفض استحداث منصب نائب رئيس الوزراء ضمن التشكيلة المتفق عليها، والتي كان من المفترض أن تشمل ليث الخزعلي، شقيق زعيم حركة عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، الأمر الذي دفع الحركة إلى المطالبة بإعادة توزيع الوزارات وفقاً للاستحقاق الانتخابي والثقل السياسي للقوى المشاركة".
منح مجلس النواب العراقي الثقة لحكومة الزيدي منتصف مايو/ أيار الماضي، بعد التصويت على 14 وزيراً من أصل 23، في حين أرجئ التصويت على 9 وزارات بسبب الخلافات السياسية بشأن المرشحين
وأضاف أن "من بين المطالب المطروحة حالياً الحصول على وزارة الداخلية، التي كانت قد أدرجت ضمن حصة ائتلاف دولة القانون بموجب الاتفاق السياسي السابق، مقابل التنازل عن وزارة العمل لصالح دولة القانون"، مبيناً أن هذه الخلافات أدت إلى تأجيل حسم ملف الكابينة الوزارية، بالتزامن مع تصاعد حدة الانقسامات داخل الإطار التنسيقي.
وأشار المصدر إلى وجود مطالبات داخل الإطار بإعادة النظر بصورة فعلية في توزيع الوزارات المخصصة للقوى السياسية العربية الشيعية، باعتبار أن التقسيم السابق جرى وفق تفاهمات سياسية استندت، من بين أمور أخرى، إلى وجود مناصب نواب رئيس الوزراء. وأكد أن "استكمال التصويت على الكابينة الوزارية أجل إلى إشعار آخر، لحين التوصل إلى اتفاق نهائي بين القوى السياسية"، لافتاً إلى عدم وجود بوادر حالياً بشأن إجراء تصويت قريب على الموازنة، في ظل استمرار الخلافات السياسية داخل الإطار التنسيقي. وكشف المصدر أن الخلافات وصلت إلى "حد شبه القطيعة السياسية" بين زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي وزعيم حركة عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، معتبراً أن ذلك يعقد مساعي التوصل إلى تسوية بشأن توزيع المناصب واستكمال الاستحقاقات الحكومية.
تأجيل قد يمتد إلى ما بعد منتصف سبتمبر
من جانبه، قال عضو تحالف الفتح محمود الحياني، لـ"العربي الجديد"، إن "الخلافات داخل قوى الإطار التنسيقي بشأن استحداث مناصب نواب رئيس الوزراء أدت إلى تأجيل استكمال التصويت على الكابينة الوزارية، بعدما كان من المقرر حسم الملف خلال الأسبوع الحالي". وبين الحياني أن "الخلافات ما زالت قيد النقاش والحوار بين القوى السياسية، ولا سيما أن هناك رغبة في الوصول إلى اتفاق سياسي يضمن حسم جميع الملفات العالقة قبل المضي في استكمال الكابينة الوزارية".
وأضاف أن "التأجيل قد يستمر إلى ما بعد منتصف الشهر الحالي، في حال عدم التوصل إلى اتفاق نهائي خلال الأيام المقبلة"، مشيراً، في الوقت ذاته، إلى استمرار الحوارات والاتصالات بين قوى الإطار التنسيقي بهدف إنهاء الخلافات والوصول إلى تفاهم سياسي بشأن التشكيلة الحكومية. وأكد أن "الأولوية حالياً هي حسم نقاط الخلاف عبر الحوار والتوافق السياسي، بما يسمح بالمضي في استكمال الكابينة الوزارية وإنهاء هذا الملف".
صراع على النفوذ يتجاوز تشكيل الحكومة
في المقابل، يرى أستاذ العلوم السياسية خالد العرداوي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الخلافات داخل الإطار التنسيقي تتجاوز مسألة استكمال الكابينة الوزارية أو توزيع المناصب، وتكشف عن "صراع أوسع على النفوذ ومراكز القرار داخل الدولة"، محذراً من أن تداعيات هذا الصراع ستبقى قائمة حتى في حال التوصل إلى تسوية سياسية مؤقتة. وقال العرداوي إن "ما يشهده الإطار التنسيقي من خلافات يمثل، في جوهره، صراعاً على المناصب والنفوذ داخل مؤسسات الدولة، وليس مجرد تباين في وجهات النظر بشأن استكمال الكابينة الوزارية، فكل طرف يحاول تثبيت نفوذه السياسي والحصول على مواقع مؤثرة تتيح له حضوراً أكبر في إدارة مفاصل الدولة". وأضاف أن "الخلافات الحالية مرتبطة بتوازنات داخلية ومصالح سياسية متشابكة، ولذلك فإن حسمها عبر اتفاق مؤقت قد يؤدي إلى تمرير الاستحقاق الحكومي، لكنه لن ينهي أصل المشكلة، لأن الصراع على النفوذ سيبقى قائماً بين الأطراف ذاتها".
قال العرداوي إن "ما يشهده الإطار التنسيقي من خلافات يمثل، في جوهره، صراعاً على المناصب والنفوذ داخل مؤسسات الدولة، وليس مجرد تباين في وجهات النظر بشأن استكمال الكابينة الوزارية
وحذر من أن "المشكلة الأخطر تتمثل في احتمال انتقال هذه الخلافات من مرحلة تشكيل الحكومة وتوزيع المناصب إلى مرحلة عمل الحكومة نفسها، بحيث تتحول التباينات السياسية إلى عائق أمام اتخاذ القرارات وتنفيذ البرنامج الحكومي". وأشار إلى أن "استمرار التنافس على مواقع النفوذ داخل الدولة قد يؤدي إلى تعطيل بعض الملفات الحكومية المهمة، خصوصاً إذا أصبحت القرارات مرتبطة بحسابات القوى السياسية ومصالحها، بدلاً من أن تستند إلى رؤية حكومية موحدة".
وختم العرداوي بالقول إن "استقرار الحكومة لا يرتبط فقط بإكمال الكابينة الوزارية، وإنما بقدرة القوى السياسية على إدارة خلافاتها بعيداً عن مؤسسات الدولة، ومنع تحول الصراع على النفوذ والمناصب إلى عامل يعرقل عمل الحكومة ويضعف قدرتها على تنفيذ برنامجها والاستجابة للاستحقاقات المقبلة".