اخر الاخبار

العربي الجديد

تتوجس الفصائل العراقية المسلحة، الرافضة تسليم سلاحها وتمتنع عن تطبيق "حصر السلاح بيد الدولة" ضمن برنامج عمل الحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي، إزاء زيارة الأخير لواشنطن ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فقد استبقت هذه الفصائل الزيارة بإعلان رفضها ورفض مخرجاتها، معتبرة أنها بداية لـ"احتلال اقتصادي"، ولا سيما أن قادة هذه الفصائل تابعوا كما غيرهم من العراقيين انسيابية الزيارة وتحديداً اللقاء الذي جمع الزيدي وترامب.

لكن هذا اللقاء فجّر موجة غضب فصائلي كانت تتحيّنه الفصائل أصلاً، مرتبط بسؤال ترامب المتفاخر عن مقتل قائد فيلق القدس السابق في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني والقيادي في الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، إثر غارة أميركية في يناير/ كانون الثاني 2020 قرب مطار بغداد الدولي. لكن الزيدي امتنع عن الإجابة، وتحدث عن المستقبل بدل الحديث عن الماضي، قائلاً: "لم أكن سياسياً في ذلك الوقت، وجئت إلى هنا لأتحدث عن المستقبل".

إجابة الزيدي، رغم أنها وُصفت بـ"الدبلوماسية والذكية"، إلا أنها فتحت النار عليه من جهة الفصائل العراقية، التي رأت أنه كان مُطالباً بالدفاع عن سليماني والمهندس. وارتفعت حدة الاستياء الفصائلي من الزيارة بعد اللقاءات التي جمعت الوفد الحكومي العراقي المرافق للزيدي بشركات ورجال أعمال أميركيين، والتي تركزت على رسم أفق التعاون المستقبلي بين البلدين، إلى جانب "فتح أبواب العراق" للاستثمار الأميركي. كذلك فتحت الزيارة المجال للتساؤل عن احتمالات أن تعرقل هذه الجهات، أي الفصائل، عمل الزيدي أو تختلق المشكلات الداخلية لمنعه من مواصلة مشاريعه وخططه بعد عودته إلى بغداد. فمن المفترض، بحسب مصدر مقرب من الحكومة العراقية تحدث لـ"العربي الجديد"، البدء عملياً بالتحضير لهذه الخطط عبر خلق الأجواء العامة للشروع بها، وتحديداً في ما يتعلق بوفود الشركات الأميركية التي من المفترض أن تتناوب على زيارة العراق خلال الأسابيع المقبلة.

وكانت الفصائل المتشددة، وأبرزها "كتائب حزب الله" و"حركة النجباء" التي تنضوي تحت مسمى "المقاومة الإسلامية في العراق"، قد أعلنت تمسكها بسلاحها وعدم التخلي عنه، بالتزامن مع زيارة الزيدي لواشنطن. أعقب ذلك بيان لزعيم "حركة النجباء" أكرم الكعبي، أعلن فيه رفضه لمخرجات لقاء الزيدي مع ترامب، معتبراً أن "المقاومة ستبقى بالمرصاد"، داعياً إلى "طرد" الشركات الأميركية التي وصفها بأنها "مشبوهة". وأضيف إلى حماسة المنصات الإعلامية في مهاجمة الزيدي وفريقه في واشنطن، الموقف المستغرب الذي صدر عن مستشار المرشد الإيراني علي‌ أكبر ولايتي. فقد قال في مقال نشرته وسائل إعلام إيرانية، الجمعة الماضي، إن "زيارة الزيدي للولايات المتحدة كانت رحلة مؤسفة، وغير مناسبة في توقيتها، ومُهينة لنضالات الشعب العراقي عبر تاريخه الممتد لآلاف السنين". واعتبر ولايتي أن رئيس الوزراء العراقي شخص "شاب وقليل الخبرة".

تعهدات واتفاقات

وأنهى الزيدي، ليل أمس السبت، زيارته لواشنطن التي استمرت ستة أيام، وأفضت إلى تعهدات أمنية وسياسية، فضلاً عن اتفاقات اقتصادية. وقد جدد رئيس الوزراء العراقي في ختام الزيارة عزم حكومته على "المضيّ بتجسيد الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية بين البلدين، وتعزيز الثقة المتبادلة والرؤية المشتركة للمستقبل". وقال في منشور على منصة إكس: "استناداً إلى ما عقدنا من اتفاقات ومذكرات تفاهم وتعاون ستفضي إلى بناء مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية القائمة على المصالح المشتركة في مختلف المجالات، والتنسيق المشترك لتثبيت الاستقرار ومسار الازدهار في العراق وعموم المنطقة". من جهته، أكد مستشار رئيس الوزراء العراقي مظهر محمد صالح، أن توقيع 48 اتفاقاً مع واشنطن خلال زيارة الزيدي، خطوة لتعزيز الانفتاح الاقتصادي، مبيّناً أن مذكرات التفاهم مع الولايات المتحدة تعكس توجه العراق لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية.

وقال صالح لوكالة الأنباء العراقية الرسمية (واع)، أمس السبت، إن "هذه المذكرات تعكس من الناحية الاقتصادية رغبة العراق في توسيع قاعدة التعاون الدولي واستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية، ما يبعث برسائل إيجابية إلى المستثمرين والأسواق العالمية بأن البيئة الاستثمارية العراقية تشهد حراكاً نحو مزيد من الاستقرار والانفتاح". وأوضح أن "دخول شركات دولية إلى السوق العراقية من شأنه أن يسهم في نقل التكنولوجيا والخبرات الإدارية والفنية، ورفع كفاءة القطاعات الإنتاجية، وخلق فرص عمل، فضلاً عن دعم جهود تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على العائدات النفطية من خلال الاستثمار في قطاعات الطاقة والصناعة والبنية التحتية والاتصالات والخدمات".

 

استياء إيراني

في هذا الصدد، قال مستشار سابق لدى الحكومة العراقية إن "زيارة الزيدي لواشنطن ولقاءه الناجح مع ترامب، أثار استياء كثير من المسؤولين الإيرانيين". وعزا ذلك في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أنهم "يشعرون أنه قد يعود (إلى بغداد) مدفوعاً أكثر باتجاه محاصرة الفصائل وقادتها والضغط القوي باتجاه حصر سلاحها بيد الدولة". وبحسب المستشار الذي فضل عدم ذكر اسمه لحساسية الموضوع وارتباطه بالفصائل المسلحة، فإن "الاتفاقات التي أبرمها الزيدي مع الجانب الأميركي من جهات رسمية وشركات، ستؤدي بالضرورة إلى التخلي عن التحالف الاقتصادي المتين بين العراق وإيران". وأضاف أن "تحرك واشنطن لتمكين بغداد من قيادة شبكة إقليمية كبرى تربط الخليج العربي والعراق وسورية بتركيا ومصر في مجالات الطاقة والكهرباء والنقل والتجارة، سيؤدي إلى نهاية وشيكة للاعتماد على طهران".

خط كركوك ــ بانياس النفطي (الذي أعيد إحياؤه أخيراً بين حكومتي دمشق وبغداد) فُهم، وفق المستشار السابق، أنه "موجه ضد إيران أيضاً، خصوصاً أنه برعاية وإشراف أميركي مباشر، وجاء لإعادة تأهيل خط أنابيب النفط الخام بطاقة أولية تصل إلى مليوني برميل يومياً". وأشار إلى أن "هذه الخطوة تحقق أهدافاً استراتيجية بالغة الخطورة، وأولها تجريد إيران من سلاحها الأقوى حالياً، وهو مضيق هرمز". وأوضح أنه "بالتالي فإن نقل العراق والكويت نفطهما عبر سورية، والسعودية عبر البحر الأحمر، والإمارات عبر خليج عُمان، سيفقد مضيق هرمز قيمته الاستراتيجية".

وشدد على أن "العراق ماضٍ بتحالف قوي مع شركات أميركية مثل شيفرون التي ستتولى التنفيذ الفني والمالي لهذا المشروع الملياري والمتوقع إنجازه خلال سنتين إلى ثلاث سنوات". لكن المستشار السابق بيَّن أن "الفصائل والجماعات الموالية لإيران في العراق، غير قادرة على مواجهة أو عرقلة خطط الحكومة العراقية الحالية، لأن هذه الحكومة مدعومة من غالبية الأحزاب، بما فيها الأحزاب الشيعية التي ترى أن التخلي عن إيران بات ضرورة وجودية".