العربي الجديد
مع تصاعد حملة ملاحقة المتهمين بقضايا الفساد في العراق خلال الأيام الأخيرة، عاد ملف الأموال المنهوبة إلى واجهة النقاش، بعدما كشف المركز الإعلامي لمجلس القضاء الأعلى عن ارتفاع حصيلة الأموال المضبوطة في قضية وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي. وذكر مجلس القضاء ارتفاع الحصيلة إلى أكثر من 98 مليار دينار (نحو 74 مليون دولار)، إضافة إلى 11 مليون دولار، بعد ضبط أكثر من 67 مليار دينار ومليون دولار خلال عمليات التفتيش الأخيرة، وأن جزءاً من الأموال كان مخبأ في منازل عدد من الأشخاص، فيما عُثر على الجزء الآخر مدفوناً تحت الأرض بعمق أربعة أمتار.
ويأتي ذلك في وقت يبلغ فيه العجز المخطط في الموازنة العراقية نحو 64 تريليون دينار (نحو 48.5 مليار دولار)، فيما تجاوز الدين الداخلي 95 تريليون دينار (نحو 72 مليار دولار)، وسط ضغوط مالية متزايدة.
وبينما تؤكد الحكومة أن استرداد الأموال المنهوبة يمكن أن يخفف الضغوط على الموازنة، ويوفر موارد إضافية لدعم مشاريع التنمية، يطرح خبراء تساؤلات بشأن حجم تأثيرها الحقيقي مقارنة بالخسائر التي تكبدها المال العام خلال السنوات الماضية، ومدى قدرة هذه الجهود على إحداث أثر اقتصادي ملموس، بالتوازي مع ضمان محاسبة المتورطين، واسترداد الأموال، ومنع الإفلات من العقاب.
وفي موازاة حملة ملاحقة المتهمين بقضايا الفساد، أعلنت هيئة النزاهة الاتحادية نجاحها في حجز كميات كبيرة من الأموال العراقية المهربة إلى الخارج، مؤكدة مباشرتها، بالتنسيق مع وزارة العدل، إقامة دعاوى مدنية لاستردادها وإعادتها إلى خزينة الدولة. كما كشفت عن قرب عرض مشروع قانون خاص باسترداد الأموال على مجلس النواب لمعالجة النقص التشريعي الذي يواجه هذا الملف.
أهمية الأموال للمالية العراقية
أكد المستشار المالي لرئيس مجلس الوزراء، مظهر محمد صالح، أن استرداد الأموال المنهوبة يمثل أحد المسارات المهمة لدعم الاستقرار المالي وتعزيز الثقة بالاقتصاد العراقي، مشيراً إلى أن أهمية هذه الأموال لا تقتصر على قيمتها المالية، بل تمتد إلى ترسيخ الثقة بسيادة القانون، وإرادة الدولة في حماية المال العام، وملاحقة المتجاوزين بحقه. وقال صالح إن الأموال المستردة يمكن أن تساهم في تخفيف الضغوط على الموازنة العامة، وتقليص الحاجة إلى الاقتراض، فضلاً عن توفير موارد إضافية لدعم الإنفاق الاستثماري، وتمويل مشاريع البنية التحتية وقطاعات الصحة والتعليم والإسكان والخدمات الأساسية.
وأضاف أن إعادة هذه الأموال إلى الدورة الاقتصادية الرسمية من شأنها أن تنشّط الحركة الاقتصادية إذا ما جرى توظيفها في مشاريع إنتاجية وتنموية قادرة على خلق فرص عمل وتحفيز النمو المستدام، مؤكداً أن تعظيم الاستفادة منها يتطلب إدماجها ضمن الخطط التنموية للدولة.
وأشار صالح إلى أن الإجراءات الأخيرة في ملاحقة المتهمين بقضايا الفساد واسترداد الأموال تبعث رسائل إيجابية إلى مجتمع الأعمال المحلي والدولي، وترسّخ مناخ الشفافية والثقة بالمؤسسات الوطنية، وتساند مسار الإصلاح الاقتصادي والتنمية المستدامة، لافتاً إلى أن استرداد المال العام يمثل ركيزة أساسية في تعزيز الاستقرار المالي وتحسين كفاءة إدارة الموارد العامة.
مسارات استرداد الأموال
من جانبه، قال عضو اللجنة المالية في مجلس النواب، جمال كوجر، إن استرداد الأموال المنهوبة يمثل أحد المسارات المهمة لتعزيز موارد الدولة واستعادة حقوقها المالية، إلا أن نجاح هذا الملف يعتمد على قدرة الجهات المختصة على الوصول إلى الأموال المهربة داخل العراق وخارجه، واستكمال الإجراءات القانونية الخاصة بها.
وأوضح كوجر، لـ"العربي الجديد"، أن استرداد الأموال يجري عبر عدة مسارات، تشمل الإجراءات القضائية، والتعاون مع الجهات الدولية، والتعاقد مع شركات متخصصة في تعقب الأموال والأصول، فضلاً عن الاستفادة من المعلومات التي تقود إلى كشف الأموال المنهوبة، مؤكداً أن هذه الآليات تمثل أدوات أساسية لتعزيز فرص استعادة المال العام.
وأضاف أن إعادة الأموال إلى خزينة الدولة تساهم في دعم المالية العامة، وتوفير موارد إضافية يمكن توظيفها في خدمة الاقتصاد، لافتاً إلى أن الأهم من الإعلان عن ضبط الأموال هو استمرار ملاحقة شبكات الفساد وتوسيع عمليات الاسترداد، ولا سيما للأموال المهربة إلى الخارج، بما يضمن استعادة حقوق الدولة وتعظيم مواردها، في إطار إجراءات قانونية ومؤسسية تحقق نتائج مستدامة.
رسالة ردع للمتورطين
من جانب آخر، قال الباحث الاقتصادي أحمد صباح، إن الأموال التي ضُبطت خلال الحملة الأخيرة، تمثل خطوة مهمة في مسار استرداد المال العام، إلا أنها تظل محدودة عند مقارنتها بحجم الاحتياجات المالية التي يواجهها العراق.
وأوضح صباح لـ"العربي الجديد" أن ارتفاع إجمالي المضبوطات الأخيرة لدى سارقي المال العام إلى أكثر من 85 مليون دولار، قد لا يغطي جزءاً كبيراً من العجز المخطط في الموازنة، بقدر ما يمهّد الطريق لاستعادة السيطرة على الأموال وحمايتها من الهدر، ويوفر الإدارة السليمة لها.
وأضاف أن أهمية هذه الأموال لا تكمن في قدرتها على سد العجز أو تغيير المؤشرات المالية بصورة مباشرة، وإنما في ترسيخ مبدأ استرداد المال العام، وإرسال رسالة ردع إلى شبكات الفساد، مشيراً إلى أن تحقيق أثر اقتصادي ملموس يتطلب توسيع نطاق استرداد الأموال المهربة إلى الخارج، والتي يُعتقد أن قيمتها تفوق بكثير ما جرى ضبطه حتى الآن ومنع الإفلات من العقاب.
وأشار صباح إلى أنّ أي موارد مالية أو عقارية تُستعاد وتُعاد إلى الخزينة العامة يمكن أن تساهم في تخفيف الضغوط على المالية العامة، وتقليص الحاجة إلى الاقتراض، أو إعادة توجيهها نحو تمويل مشاريع البنية التحتية والخدمات. وقال إن نجاح خطوات الحكومة سيكون رهناً باستمرار عمليات الاسترداد وعدم اقتصارها على قضايا فردية، فضلاً عن ضمان محاسبة المتورطين، وعدم الإفلات من العقاب، بما يعزز الثقة بالاقتصاد العراقي، ويشجع بيئة الاستثمار على المدى الطويل.