اخر الاخبار

إرم نيوز

كشف مصدر سياسي عراقي لـ"إرم نيوز"، أن التحقيقات الجارية في إطار حملة "صولة الفجر" التي أطلقها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، تشمل شبهات تمويل جماعات مسلحة وتهريب الدولار وملف النفط الإيراني، وأن المرحلة المقبلة قد تطال قيادات فصائل وشخصيات صف أول.

وقال المصدر المطلع على تفاصيل الحملة لـ"إرم نيوز" إن الزيدي دخل منذ إطلاق "صولة الفجر"، مواجهة تتجاوز ملف الفساد نفسه، لتلامس شبكة النفوذ التي تشكلت منذ عام 2003، والتي تداخلت فيها الأحزاب والفصائل المسلحة والمصالح الاقتصادية، وجعلت من الفساد جزءًا من البنية السياسية للدولة.

وأشار إلى أن الحملة استهدفت حتى الآن شخصيات من الصفين الثاني والثالث في شبكات الفساد، ولم تصل بعد إلى ما وصفها بـ"رؤوس المنظومة" التي تمتلك الغطاء السياسي والمالي والأمني داخل الدولة العراقية، والتي تصل امتداداتها إلى طهران. 

وقال المصدر إن الوصول إلى "حيتان الصف الأول" لن يكون سهلًا، وربما لن يكون ممكنًا في ظل التوازنات السياسية التي حكمت العراق منذ عام 2003، مشيرًا إلى أن الزيدي، رغم الدعم الأمريكي الذي يحظى به للمضي في ملف مكافحة الفساد، يضع نفسه أمام مخاطر سياسية كبيرة قد تهدد حكومته التي ما زالت في بداياتها، وقد تدفع قوى نافذة، وخاصة تلك المرتبطة بإيران، إلى الانقلاب عليه إذا شعرت بأن التحقيقات تتجه نحو الحلقة الأولى من منظومة الفساد.

وتأتي هذه المعطيات بينما تتواصل حملة الاعتقالات التي طالت عشرات النواب والمسؤولين ورجال الأعمال، وسط تأكيدات حكومية بأن ما جرى لا يمثل سوى المرحلة الأولى من عملية أوسع تستهدف استعادة الأموال المنهوبة وإعادة فتح ملفات ظلت مجمدة لسنوات.

 

الحلقة الأقرب إلى الحيتان

حتى الآن، طالت الحملة أكثر من 40 شخصية بين نواب ومسؤولين ومديرين ورجال أعمال، فيما يشير المصدر إلى أن معظم المعتقلين يمثلون الحلقة التنفيذية أو الوسطى داخل شبكات الفساد، أي الجهات التي أدارت العقود والتحويلات المالية وأشرفت على تنفيذ الصفقات، لكنها لم تكن صاحبة القرار السياسي النهائي.

ويقول المصدر السياسي العراقي إن هذه الحلقة قد تتحول إلى المدخل الأهم للوصول إلى شخصيات أكثر نفوذًا، إذا ما قررت السلطات البناء على الاعترافات والوثائق التي يتم جمعها خلال التحقيقات.

لكن مراقبين يرون أن أي انتقال نحو ملاحقة شخصيات من الصف الأول سيعني عمليًا فتح مواجهة مع قوى شكلت العمود الفقري للنظام السياسي طوال العقدين الماضيين، سواء داخل الإطار التنسيقي أم في قوى سنية وكردية نافذة، وهو ما يفسر الحذر الذي يحيط بالمرحلة الحالية.

 

شبكات الحماية.. المعركة الأصعب

ويقول الباحث السياسي العراقي، مهند الجنابي إن "الفساد في العراق لم يعد مجرد تجاوزات مالية أو إدارية، بل تحول إلى منظومة متكاملة نسجت علاقات وثيقة بين السياسة والاقتصاد والنفوذ الأمني، ما جعل أي محاولة لتفكيكها تتجاوز حدود العمل القضائي"، مشيرًا إلى أن ما يجري يمثل أول اختبار حقيقي لقدرة الدولة العراقية على مواجهة منظومة فساد تشكلت بعد عام 2003. 

ويؤكد الجنابي في حديث لـ" إرم نيوز" أن الفساد لم يعد سلوكًا فرديًا، بل أصبح جزءًا من بنية النظام السياسي وشبكات الحماية التي توفرها قوى نافذة، بينها فصائل مسلحة موالية لإيران تمتلك نفوذًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.

ويضيف أن نجاح الحملة لن يقاس بعدد المعتقلين، وإنما بقدرتها على الوصول إلى الجهات التي وفرت الغطاء السياسي والمالي لتلك الشبكات، معتبرًا أن المرحلة المقبلة ستكون الأصعب لأنها قد تنقل المواجهة من ملاحقة المنفذين إلى الاصطدام المباشر بمراكز القوة التي استفادت من منظومة الفساد لعقود.

 

الدعم الأمريكي وحدود المغامرة

ويكتسب مسار الحملة أهمية إضافية مع اقتراب زيارة الزيدي المرتقبة إلى واشنطن، حيث يسعى إلى تقديم مكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة باعتبارهما الركيزتين الأساسيتين لبرنامجه الحكومي، في ظل اهتمام أمريكي بإظهار تقدم ملموس في هذين الملفين.

ويرى المصدر السياسي أن هذا الدعم يمنح الحكومة هامشًا للتحرك، لكنه لا يبدد المخاطر الداخلية، لأن القوى التي تشعر بأن مصالحها أصبحت مهددة تمتلك أدوات ضغط واسعة داخل البرلمان ومؤسسات الدولة، فضلًا عن نفوذ سياسي وأمني قد يستخدم لإبطاء الحملة أو إعادة توجيهها.

ويحذر المصدر السياسي الذي تحدث لـ"إرم نيوز" من أن اللحظة الفاصلة لم تأت بعد، لأن التحدي الحقيقي سيبدأ عندما تقترب التحقيقات من الأسماء التي شكلت طوال السنوات الماضية مراكز القرار الفعلية في ملفات العقود والمال العام والنفوذ السياسي، مؤكدًا أن تلك المرحلة ستحدد ما إذا كانت "صولة الفجر" ستتحول إلى نقطة تحول تاريخية في العراق، أم أنها ستبقى عند حدود الحلقة الأضعف، تاركة "الحيتان" وخاصة "رجال إيران"، خارج دائرة المساءلة.