أ ف ب
أظهرت نتائج أولية للانتخابات البلدية الفرنسية الأحد عدم تمكن حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف من السيطرة على مدينتي مرسيليا وتولون الجنوبيتين، مما منح أملا للأحزاب الرئيسية التي كانت تواجه صعوبات.
وفي غضون ذلك، فاز مرشح الحزب الاشتراكي إيمانويل غريغوار بسهولة على الوزيرة السابقة المنتمية للتيار المحافظ رشيدة داتي في انتخابات رئاسة بلدية باريس.
غالبا ما تركز الانتخابات البلدية على قضايا محلية للغاية، ولا تُنبئ نتائجها بمن سيفوز في الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل /نيسان 2027 لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون المنتمي لتيار الوسط، لكنها تُظهر اتجاهات الشعبية ونوع التحالفات التي يُمكن تشكيلها في ظل المشهد السياسي المتزايد التشرذم. وسارع كبار السياسيين من جميع الأحزاب إلى اعتبار نتائج الأحد بشرى سارة لهم.
التجمع الوطني حقق "أكبر إنجاز في تاريخه"
مسؤولون كبار في حزب التجمع الوطني عبروا عن رفضهم للتلميحات بأن هزيمة الحزب في تولون تُشير إلى وصوله إلى "سقف زجاجي" يحول دون وصول منتسبيه إلى درجات أعلى من السلطة قبل الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل، مؤكدين فوزه بعشرات الدوائر الانتخابية المحلية التي لم يكن له فيها أي وجود سابقا.
وقال رئيس الحزب جوردان بارديلا "لقد حقق حزب التجمع الوطني ومرشحوه الليلة، في هذه الانتخابات البلدية، أكبر إنجاز في تاريخه".
بصيص أمل
في المقابل، وبعد فوزه بأكبر مدينتين في فرنسا، باريس ومرسيليا، أدرك الحزب الاشتراكي، الذي يعاني من تراجع شعبيته على المستوى الوطني، بصيص أمل.
وقال أوليفيه فور رئيس الحزب "اليسار وحده قادر على منع فرنسا من هذا التراجع".
من جانبهم، أكد سياسيون كبار من اليمين المعتدل أن الانتخابات البلدية أظهرت ضرورة توحيد صفوفهم لتحقيق الفوز، لا سيما في الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل.
رئيس الوزراء السابق إدوار فيليب حقق أداء أفضل من المتوقع وأعيد انتخابه رئيسا لبلدية مدينة لوهافر الشمالية، مما يعزز آماله في الترشح للرئاسة عام 2027.
السياسي المنتمي ليمين الوسط والذي شغل منصب رئيس الوزراء في عهد الرئيس ماكرون، ألقى خطابا ذا رسالة وطنية، قائلا إن فوزه يُظهر "وجود أسباب للتفاؤل" بقيم فرنسا، وأن بالإمكان دحر التطرف.
بحسب المحامي والباحث في الشأن الفرنسي محمد آدم المقراني، فإن نتائج الجولة الثانية من الانتخابات "متعددة الأبعاد وتحمل دلالات سياسية واضحة. أولا، لأنها تظهر أن حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف فشل في كسب البلديات الكبرى أو المدن الفرنسية الكبرى، بما في ذلك مدينة مرسيليا التي كانت المنافسة فيها قريبة، ومدينة تولون حيث حقق الحزب نتائج ضعيفة جدا، وباريس التي لم تتجاوز فيها نسبة أصواته 1%، حيث انسحب منذ الجولة الأولى. هذا يوضح أن الحزب لا يزال بعيدا عن المشهد المحلي الفرنسي، ولا يبدو قريبا من تحقيق اختراق على مستوى مجلس الشيوخ في المدى القريب أو المتوسط".
وفقا للمتحدث فإن الانتخابات برهنت أيضا على أن "أجندة الأمن والهجرة للحزب لم تستطع إقناع الناخب الفرنسي على المستوى المحلي، خاصة أن هذه الاستحقاقات تُعتبر ذات أهمية قصوى، وربما أهم من الانتخابات التشريعية بالنسبة للناخب الفرنسي".
"إعادة تشكيل الساحة السياسية الفرنسية"
من جهة أخرى، يرى المقراني أن هذه الانتخابات "أسفرت عن إعادة تشكيل الساحة السياسية الفرنسية بإضعاف الطيف الوسطي الماكروني، وإعادة الثنائية القطبية بين اليمين الجمهوري واليسار الوسطي الممثل في الحزب الاشتراكي. فقد سيطر الحزب الاشتراكي على أهم البلديات الكبرى مثل باريس ومرسيليا وليون، في حين واصل حزب "الجمهوريون" سيطرته على المدن الوسطى، مما يعزز فرصه في تشكيل أغلبية على مستوى مجلس الشيوخ".
هذه النتائج تعكس أيضا بحسب المحلل "نجاح حزب الجمهوريون في إعادة تموضعه السياسي بين اليمين التقليدي واليمين المتطرف، والقدرة على استقطاب بعض ناخبي الوسط. كما تظهر الانتخابات أيضا أن حزب فرنسا الأبية يشق طريقه رويدا رويدا نحو تعزيز تموضعه السياسي، خاصة في المدن العمالية والشعبية والأوساط التي تعبر عن الحذر من الهجرة".
على مستوى بلدية باريس، بينت الانتخابات أن رشيدة داتي "خسرت جزءا كبيرا من شعبيتها بسبب انضمامها إلى حكومة إيمانويل ماكرون خلال العامين الأخيرين" وفقا للمتحدث الذي يمضي مفسرا أن هذا الأمر "انعكس على قدرتها على استقطاب الناخب المحلي. فالمواطن الفرنسي في المدن الكبرى يبدو أكثر حساسية للخطاب اليساري والاشتراكي، خاصة فيما يتعلق بالقضايا البيئية والمناخية، وارتفع مستوى الوعي السياسي لدى الشباب والفئات الناخبة في المدن الكبرى".
أخيرا، يرى المقراني أن هذه الانتخابات بينت أن فرنسا "تحمل وجهين سياسيين: وجه المدن الكبرى، الذي يميل أكثر للتيار اليساري، ووجه الوسط الريفي والمدن الصغرى، التي تميل أكثر نحو اليمين المحافظ، وهو ما يعكس التباين في الالتزام السياسي بين المناطق الحضرية الكبرى وفرنسا العميقة".