اخر الاخبار

ما كنت أعرف أن القلب محبرة     والحبر شريانه المقطوع ان طعنا

نفتقد الملح الذي يجعل مذاق الطعام طيبا...

لذا نستبدله بملح الدموع...

نقي ونظيف ملح الدموع..

احتفوا جيدا بأخيكم ياسر .. احتفوا به

لن نتأخر عليكم كثيرا....

هكذا اهدى الوالد ابنه بهذه الكلمات... كلمات تعجز عن ادراكها القلوب والعيون والحواس كلها... مشاعر لا يمكن وصفها.. فلم يكن ياسر الياسري هو ابن عيسى حسب بل هو ابن كل من عرفه من الرعيل الاول والمثقفين العراقيين الذين زاملوا والده الشاعر عيسى الياسري وزاملوه خير خلف لمسافر بعيد.  ياسر ايها المثقل بحب من عرفوك والمفعم محبة وجمالا بابتسامتك المعهودة حتى في زمن الحقد والغدر... اتذكر اخر لقاء معك وأنت تجلس في عرفتك بقسمك الحبيب تشع محبة وطيبة معهودة على الرغم من انكسارات الحياة والمرض وفقدان رؤيتك وحنينك لطفليك الحبيبين.. وأنت تحدثني والحلوى امامك لتنتقل من تلك الالام الى المزحة والضحكة المعهودة... حبيب القلب ياسر الغالي عرفتك لأكثر من ثلاثين عاما صديقا وأخا رائعا.  لم اجد منك إلا الحب والتقدير والسماح... هكذا كان ياسر الياسري واحدا من عائلتي الشخصية.  لم نفترق ابدا منذ ان كنا طلبة في كلية الفنون الجميلة نهاية الثمانينيات من القرن الماضي فقد كان ياسر قسم السمعية والمرئية وأنا في قسم التصميم يسبقني بثلاثة أعوام حتى وجدته من جديد استاذا مرموقا ومتمكنا في فن السيناريو في قسمه الحالي، وحوله يلتف الطلبة والأصدقاء، أسس منتدى ثقافي في القسم نفسه فضلا عن تأسيس منتدى بغدادي ثقافي باسم استاذه الخالد جعفر علي.

اجاد الاستاذ الفاضل د. سعد التميمي بوفاء منقطع النظير للخالد ياسر الياسري في نشر كتاب "الاتحاد بروح المكان"، الذي يجمع الانطباع العام والعاطفة من جهة والإبداع الشعري لياسر الياسري من جهة اخرى. فقد قدم الدكتور صفاء صنكور هذا الكتاب والتقط اشارة تشعرنا بألم الفراق والوداع والإحساس بالحنين الى المكان، الأصول، الجذور، الحب الحقيقي ورائحة هوية المكان... اذ يقول صنكور ((دمعت عيناي، وأنا ارى صورتك يارائحة اهلي... مستوحش انا... ووحيد الكل رحل، الاهل والأصدقاء والأحبة)). تضمن القسم الاول من هذا الكتاب مقالات نقدية عن تجربة ياسر الياسري الفنية والشعرية والثقافية وقد اشترك فيها مجموعة مرموقة كان اولهم  الناقد د. حاتم الصكر الذي شخص في تحليله الدقيق لنصوص الياسري مستعرضا تلك النصوص منذ صدور مجموعته الاولى عام 1998م، والتي وصفها (اوديسة العذاب العراقي) ومعاناة الشاعر في تلك الظروف العصيبة من حروب وحصار وفراق وموت وانكسارات شتى، اذ يقول الصكر ((الحزن مشغل دائم يتجسد في قطع القصائد، وهي تتناثر في مقاطع كأنها ظل لغياب يتدرج ولا يكتمل، كقصيدة لم تكتب بعد فظلت برقا يلتمع مع كل قراءة، وبين كلمة وأخرى وسطر شعري وما يليه)). وتأتي الدراسة الثانية والمهمة للأستاذ الدكتور سعد التميمي في قراءته لنصوص ياسر الياسري و قصائد منتقاة من ديوانه (اقدام لا تصلح للهرب) التي وصفها بأنها شهادة شعرية مؤلمة لجيل عاش تحت وطأة الحروب الفاشلة والحصار، ففي تحليله لأحد تلك القصائد التي يقول فيها الشاعر:

انكرت فراشي...

وساعة الجدار..

التي تشير الى اخر النهار...

لكن الغبار...

ما يزال عالقا بأنفي...

اتنفسه عميقا..

اتنفسه ببطء واختنق...

الناقد التميمي يشير الى مكان يتشظى، فالشاعر ينكر الفراش والساعة وهي رموز الاستقرار والزمن، بما يوحي بخلل عميق في الادراك الزمكاني للذات، والغبار ليس طيفا مرئيا فقط بل حسيا، يدخل الانف يملأ الرئتين، ويخلق اختناقا، وهنا يدخلنا في مفهوم الجسد المتألم حيث يدون الجسد الفقد والقلق بدل ان يطمئن. كما اشار الناقد الدكتور سعد التميمي في دراسته المعمقة هذه الى معاناة الشاعر في لحظات الخراب ومشاعر الجوع والدمار وضياع المعنى، اذ صور للقارئ صورا شعرية تنعكس الى خطاب بصري واضح المعالم لحجم المعاناة والألم وصراع الذات. كما كتبت الدكتورة رائدة مهدي العامري دراسة علمية وأكاديمية مهمة حول القصيدة القصيرة وآليات التكيف الشعري دراسة في شعر ياسر عيسى الياسري. وسوف اتطرق الى محطة مهمة من هذه الدراسة القيمة، في تحليل صور لقصيدة الياسري وتمثلاتها التشكيلية اذ يقول فيها:

الليالي التي زاحم فيها اللهب...

مواقع النجوم..

الليالي التي ايقظت سواحل الخليج...

التي تحركت...

بعد سبات طويل حفرت عميقا...

في ذاكرة الاطفال...

تشير العامري الى ان الصورة البيئية لدى الياسري تتشكل من خلال مجموعة من الدوال ذات الجذور الطبيعية المتعلقة بالزمان او المكان، ((الليالي، اللهب، مواقع النجوم، سواحل الخليج، الرمال، سبات طويل))، وتحتشد كلها في هذا السياق لتكثف البناء الشعري، من اجل الكشف عن الصراع الدرامي ونتاجات تلك المعاناة. اما الكاتب والشاعر الكبير الدكتور خزعل الماجدي فقد كتب مقالا مهما تحت عنوان (زمن التلاشي) متطرقا الى ديوان ياسر الياسري (اقدام لا تصلح للهرب)، ومن اشاراته المهمة في هذه القراءة يقول الماجدي (ان الحزن الذي يوشح مجموعته واضح، مرة بهدوء ومرة بصراخ، وكانت اوجاعه خافتة الصوت، يسربها بسخرية وعذاب)). اما الكاتبة العربية اللبنانية د. دورين نصر سعد فقد كتبت مقالا بعنوان (قراءة نقدية في ديوان اقدام لا تصلح للهرب للشاعر ياسر الياسري) تخلص فيه الى ان الياسري قد قدم شعرا حداثيا وجوديا، يتخلى عن الغنائية التقليدية لصالح لغة حادة ومكثفة ترصد تفكك الانسان والعالم. اما د.عبد الهادي سعدون فقد كتب تحت عنوان (اقدام لا تصلح للهرب مرثية عن غبار الحياة المتطاولة) اذ يقول ان الشاعر ياسر الياسري لا يتعاطى مع الشعر كحلية لفظية، بل كضرورة نفسية وبوح اخير. وهنا تخرج القصائد من فم الواقع كأنها نفس مضغوط، محاصر بالشظايا، والركام والذاكرة. اما الكاتبة اللبنانية فاطمة خليفة فقد كتبت تحت عنوان (عصا سحرية قراءة في البعد العاطفي والزمني في شعر ياسر عيسى الياسري)، وتقول (تظهر قصائد الياسري ان العلاقة بين الشاعر وأسرته لا تروى بطريقة مباشرة بل تستعاد من خلال خطاب رمزي وعاطفي مكثف يعيد تشكيل مفاهيم الأبوة، الطفولة، والحماية، ضمن سياقات الحرب والغياب والبحث عن الامان). اما الكاتب ماجد الحسن فقد كتب نصه تحت عنوان (حضور الذات وجدل التفاصيل اليومية قراءة في مجموعة ياسر عيسى الياسري الشعرية اقدام لا تصلح للهرب)، اذ يؤكد الحسن بان نصوص الياسري لاسيما في هذه المجموعة الشعرية قد تميزت بمواقفها تجاه احداث واقعية، وما يتأسس من دلالات ورموز لهذه التجربة وهي تتمركز جماليا في مسار الواقع، انها تأثير وتأثر. اما الشاعر نصير الشيخ فقد كتب دراسة لمجموعة الياسري (اقدام لا تصلح للهرب) بعنوان مهيمنات الواقع وصدمة الشاعر، اذ استعمل الشاعر الرموز واستعاراتها في ابياته الشعرية كالغراب مخاطبا الفنان علاء بشير وسوريالية الغراب في لوحاته الفنية، رابطا ذلك بحادثة قابيل وهابيل. وكانت اخر مقالات هذا الفصل للأستاذ الدكتور رعد عبد الجبار الذي تطرق الى عرض لكتاب ياسر الياسري والموسوم مائة سؤال في الدراما، اذ عد هذا الكتاب مرجعا مهما في دراسة الدراما وتاريخها وأهميتها في الميدان الاكاديمي والجمالي. اما القسم الثاني من هذا الكتاب فقد تضمن مجموعة من قصائد الشاعر ياسر الياسري ومجموعته الموسومة (اقدام لا تصلح للهرب). اما القسم الثالث فقد اشترك فيه شعراء عدة في نعي الراحل الدكتور ياسر الياسري وهم كل من الشعراء جمال الحلاق، وعبد الرزاق الربيعي ومهدي مصطفى، والدكتور سعيد الزبيدي ورضوان مضر الالوسي، والدكتور مسار الناصري والدكتور حنا جرجيس وكان آخرها نعي الوالد لابنه الشاعر عيسى حسن الياسري اذ يقول:

يا ياسر القلب مكسور.... ومنفطر         ناعيك قبل نداء الصبح.... صبحنا

ما كنت اعرف ان القلب محبرة           والحبر شريانه المقطوع ان طعنا

يا ياسر القلب قل لي انني جدث       أنت من دفنوا ام كنت من دفنا

اما القسم الرابع فقد تضمن مراثي الاصدقاء ومنهم د. خزعل الماجدي، و د. عبد الهادي سعدون، و د. دورين نصر سعد وكريم النجار وبشرى الهلالي، و د. علي الياسري و د. علي شمخي وكريم رشيد وكاظم غيلان وعبد الحميد الصائح والفنان عزيز خيون والشاعر حميد قاسم، ويونس ناصر عبود، وعيسى العبادي، وقحطان جاسم جواد و د. صفاء صنكور، وعباس الياسري. اما القسم الخامس من هذا الكتاب فقد كانت رثاء طلبة د. ياسر الياسري الذين كانت تربطهم به علاقة الاب باولاده وهم كل من محمد الدلفي، ومرتضى القيصر وبراق العزاوي وحيدر الذهبي، ومحمد الخالدي وعبد الرزاق الجواري وجلال احمد وياسر عبيد واحمد كامل التميمي واحمد طاهر، وماجد العراقي وايمن مزهر الهاشمي. وكان القسم السادس والأخير من هذا الكتاب فقد تضمن صورا شخصية للراحل الخالد الذكر والراسخ في ذاكرة محبيه وطلبته.

ــــــــــــــــــــــــ

*الاتحاد بروح المكان/ د. سعد التميمي، اصدار: المؤسسة العربية للدراسات- بيروت 2026.