بِـــمَ التعلّــُلُ لا أهـلٌ ولا وطنُ... ولا نَـديـــــمٌ ولا كـــــأسٌ ولا سَــــكَــنُ
أنشأَ أبو الطّيّبِ ( 303 هــ - 354 هــ ) هذه القصيدةَ في جُمادَى الأُولى من سنةِ 348 هــ؛ وهو في مصر، بالفُسطاط، عندَ كافور؛ إذ كان قد وردَ عليها قبلَ سنتينِ، مُغاضِبًا سيفَ الدولةِ، يدفعُه أملٌ ورجاء. وكان قد أنشدَ كافورًا، عند لقائهِ الأوّلِ به، قصيدتَه الأولى، في جُمادَى الآخرةِ من سنة 346 هــ، التي مَطْلِعُها:
كَفَى بكَ داءً أنْ تَرى الموتَ شافيا... وحَسْبُ المنايا أنْ يَكُنَّ أَمانيا
تـمـنَّيـْتَـــها لــمّـــا تــمــنَّيْــــتَ أن تـرى... صديقًا فأعْيا أوْ عَدُوًّا مُداجيا
يُريدُ بها المدحَ، وحسنَ الثناءِ؛ ولكنّ الذي في نفسِه من سيفِ الدولة، وممّا كانَ له في حلب؛ قد ملأَ عليه قلبَه، وأخذ يطفو على لسانِه، ويواثِبُ ألفاظَه؛ وهو، من بعدُ، رجلٌ لا يُحسنُ كتمانَ ما عنده؛ يظلُّ يتلَجْلَجُ في حَنيّاتِ صدرهِ حتّى يجهَرَ به بنحوٍ ما؛ دون أن يراعي شيئًا من عواقبه؛ وإلّا فإنّ هذا المطلعَ الذي جَبَهَ به كافورًا ليس من قَرِي المديحِ المحضِ الذي كان يَلقَى به الشعراءُ أصحابَ الدولةِ، وإنّما هو ألمٌ وشكاةٌ ممّا كان، وانقباضٌ ممّا هو مُقدمٌ عليه؛ ولم يكُ ذلك بالخفي على كافور؛ فاسترابَ منه، وأوجسَ، ولم يطمئنْ إليه، وعرف أنّه ما يزال يَنزِعُ إلى سيفِ الدولة، وأنّه في قيامِه بين يديه يحمِلُ نفسَه على ما لا تُريدُ. وظلّ أبو الطَّيِّب كلّما قال قصيدةً في مدحِه تفلّتَتْ منه أشياءُ ممّا في نفسه تزيدُه ريبةً به، وتُحقّقُ ما يساوره منه؛ فاضطربَ الأملُ، واختلجَ الرجاءُ؛ حتّى صارَ الذي بينهما، مدّةَ بقاءِ أبي الطّيّب في الفُسطاط، صُحْبةً على دَخَنٍ ! لا الأميرُ يثِقُ بالشاعرِ، ولا الشاعرُ يطمَئنُ إلى الأميرِ؛ ثمّ أخذ كافور يُرسل عليه العيونَ؛ يَرقُبونَه، ويأتونَ بأخباره؛ فأدرك أبو الطَّيِّب، عند ذلك، أنّه في قَيْد، وأنّ الأرضَ مأخوذةٌ عليه، وأنّ الخيبةَ محيطةٌ به؛ فشرَع في ضربٍ من التفَكّرِ، والتأمّل، في الحياة وما يكتنفها من شقاءٍ قديم؛ فقال، في شهر ربيعِ الآخرِ من سنةِ 348 هــ، نونيّةً فاخرةً، هي من شَجِي الغناءِ الخالص:
بِـــمَ التعلّــُلُ لا أهـلٌ ولا وطنُ... ولا نَـديـــــمٌ ولا كـــــأسٌ ولا سَــــكَــنُ
أُريدُ مِنْ زَمَنِي ذا أنْ يُبلِّغَنـي... مــا ليسَ يَبْلُغُه مِــنْ نفسِه الزمـنُ
لا تَلْقَ دهرَكَ إلّا غَيرَ مُكْتَرِثٍ... ما دامَ يَصْحَبُ فيهِ روحَكَ البدنُ
فما يُديمُ سرورٌ ما سُرِرْتَ بهِ... ولا يــردُّ عـليــكَ الفـــائـتَ الحَــزَنُ
كان من أشجانِها المُنْشِئةِ؛ أنّه نُعي في مجلسِ سيفِ الدولةِ فلم يأسَ له أحدٌ:
يا مَنْ نُعيتُ عَلَى بُعْدٍ بمَجْلِسِهِ... كلٌّ بمــا زَعَــمَ الناعُـونَ مُرْتَهَنُ
واندفعَ بها؛ حتّى إذا استوفى غناءَه الشجي؛ طوى القصيدةَ، وجَعل يُديرُ في نفسِه جملةَ معانٍ أُخَر، مُشتقّةٍ من غنائه نفسِه، وراجعةٍ إليه؛ ولكنْ بمنحًى أوغلَ في التأمّل، وأوسعَ في المدى، وأدخلَ في الحكمة؛ كأنّه يُريدُ أن يقفَ به على خُلاصةِ ما فكّر فيه، وانتهى إليه؛ فأنشأَ، بعد شهرين من إنشائه: " بمَ التعلُّلُ "، " صَحِبَ النّاسُ قبلَنا ذا الزَّمانا "، وأقامَها على لونٍ من الحكْمةِ والتأسّي، ثمّ عاد إليه الغناءُ الشجي في ذي الحجّة من سنة 348 هــ، أي بعد سبعةِ أشهر، وحالُه هي حالُه مِنْ الضيقِ والاستيحاشِ، فأنشأ: " مَلُومُكُما يَجِلُّ عَنِ المَلامِ "، وفيها موردُ الحمّى الزائرةِ. وهُنَّ، من بعدُ، ثلاثُ قصائدَ من سِنْخٍ واحد، في البيانِ الصافي عن النفسِ المخذولة، في تقلُّبِ حالاتِها، واشتباكِ الحوادثِ عليها؛ لا يُريدُ بأيٍّ منهُنَّ مدحًا أو هجاءً، أو ما أشبه من أغراضِ الشّعر؛ وإنّما هي خطراتُ نفسٍ، وأَحْوالُ قلبٍ، ومرامي فكرٍ؛ فصِرْنَ، بذلك وبغيرِه، من خوالد الشعرِ العربيّ في زمنِه المتراحبِ كلِّه.
كان أبو الطَّيِّب، في صدرِ حياته، يَنشدُ القوّةَ والغَلَبةَ، ويرى أن مُرادَه؛ لا يَتِمُّ إلّا بحدِّ السّيف، وضربِ الرِّقاب، وله في ذلك أشعار مشهورة. غيرَ أنّ مبدأَ القوّة هذا ردّتْه الحوادثُ والأيّامُ إلى شيء من القصدِ، فأخذ يختفي من شعره شيئًا فشيئًا حتّى انبسط له، وهو عند كافور، لونٌ من التأمّلِ الحزينِ؛ فيه حكمةٌ هادئةٌ، وتأسٍّ مخذول، ولمٌّ لشَعَثِ النفسِ وإبقاءٌ عليها؛ كلُّ ذلك في قصيدتِه، ذاتِ الأبياتِ العَشَرةِ: " صَحِبَ النَّاسُ... "؛ إذ تبدأ:
صَحِبَ النَّاسُ قَبلَنا ذا الزَّمانا... وعَناهُمْ مِنْ شأنِه مـــا عَنانا
وتولَّــوا بِغُصّـــةٍ كلُّـــــهـُــمْ مِنـــــ... ـــــهُ وإنْ سـَرَّ بعضَـــهُمْ أَحْيانا
ربَّما تُحسِـــنُ الصَّنيعَ لياليــــ...ــــهِ ولكــــنْ تُكَـــدِّرُ الإحْســـــــــانا
أراد أبو الطَّيِّب أن يتعزّى، وأن يأتسي؛ وأن يحفظَ على نفسه شيئًا ممّا تبدّدَ؛ فلَئِن وقعَ عليه ما وقع، ولئن حَبِط مسعاه، ورُدَّ إلى ما يَغَصُّ به؛ فلقد جرى الزمانُ عليه بسُنّته التي لا يسلَم منها أحد، وأنّ ما أصابه أصابَ الناسَ جميعًا قبلَه، وأحكم عليهم الأسى، وأنّ المسرّةَ فيه ظلٌّ زائل، وأنّ التكْديرَ شيءٌ من نسيجه ! ولكنّ الزمانَ، على ذلك، لا يفتأ يجدُ من يعينُه، ويزيدُ في شِرّته:
وكأنّا لمْ يَرضَ فينا بريبِ الدْ... دَهْرِ حتّى أَعـانَه مَـنْ أَعانا
كُــلّــمــــا أَنْبَتَ الزّمـــانُ قَنـــــاةً... رَكّبَ المرءُ فــي القنـاةِ سِــنانا
وبعدَ أن يُتمَّ وصفَ حالِ الزَّمانِ، وحالِ من يُعينُه على أذاه؛ يَجهرُ بما جدَّ عنده، ممّا هو على خلافِ ما كان عليه في صدرِ حياته؛ فيقول:
ومُـــرادُ النفـــوسِ أَصــــغرُ مِـــنْ أَنْ... تَتَعـــادَى فيــــه وأَنْ تَتَفـــانَـى
غيرَ أَنَّه لم يكد يُمضي قولَه؛ أنَّ مرادَ النفوسِ أصغرُ من أَنْ يكونَ مجلبةَ عداوةٍ وتفانٍ؛ حتّى أَلَمَّ به شيءٌ من نهجه القديمِ في الإباء والغَلَبَة فقال:
غيــــرَ أنَّ الفتــــى يُــلاقـــي الـمنــايا... كالِحـــاتٍ ولا يُلاقــي الهَوانا
ثمّ يأتي بالحُجّة على مدّعاه فيقول:
ولَـــــوْ أَنَّ الـــحيـــــاةَ تبـــقَـــى لِحَــــيٍّ... لَعَدَدْنــا أَضَــلّنـــا الشُّـجْــعـانــا
وإذا لـــــم يَكُــــنْ مِــــنَ الــمــــوتِ بُــدٌّ... فمِنَ العَجْزِ أنْ تكونَ جَبـانا
وهو بذلك يتّجه بالقول إلى نفسه، ويُقيمُ الحُجّةَ على جانبٍ منها دبَّ إليه شيءٌ مِن الاستكانة، والرضا بما هو فيه، والركونِ إلى الدعةِ المُذلّة عند كافور.
ثمّ يَختمُ تفكّرَه، في ما هو فيه، بخلاصةِ الأمرِ كلِّه؛ أَنَّ المرءَ يستصعبُ ما لم يقع، ويخشاه، فإذا وقع صار سهلًا هيّنًا، وذهبت الخشيةُ منه، وكأنّه، بذلك وبما قبله، يريدُ أنْ يهيئ نفسَه لأمر يرومه؛ فيقول:
كلُّ ما لم يَكُنْ من الصَّعْبِ في الأَنْـــ... ــــفسِ سهلٌ فيها إذا هُوَ كانا
أدار أبو الطَّيِّب فكرَه في " صَحِبَ الناسُ..." على أربعة شؤون؛ بعضُها يُفضي إلى بعضِ؛ جعلَ الشأنَ الأوّلَ على حال الزّمان، وما فيه من كَدَرٍ، وعلى من يُعينه في الأذاةِ من البشر، وأتَمّه في خمسةِ أبيات، وجعلَ للشأنِ الثاني بيتًا واحدًا؛ أراد به استصغارَ ما يتعادَى من أجلِه الناسُ، ثمّ استردّ شيئًا من قوّتِه ومضاءِ عزيمته في ثلاثةِ أبياتٍ؛ هي مدارُ الشأنِ الثالث، وجعل للشأنِ الرابع بيتًا واحدًا، ختمَ به القصيدةَ؛ يريدُ به أنْ يَطردَ من نفسِه الخشيةَ والتهيّبَ، وأنْ يتقوّى على ما عزم عليه. وإذا بدا أَنَّ القصيدةَ تجري في مُضمارِ الحكمةِ، وأَنَّ معانيها تعلو على الوقائعِ؛ فإنَّ نُسغًا من حوادثِ حياةِ صاحبها هو الذي أَنشأها، وسار بها مسارَها من التأمّل والحكمة، وإنَّ أَبا الطَّيِّب، لقوّةِ ذهنِه وخِصبِ خياله، قادرٌ على أَنْ يُلبسَ الوقائعَ الخاصّةَ رداءً عامًّا، ويُخفيها تحته.
ولقد كان أبو الطَّيِّبِ، منذُ إدراكه أنّه في قَيدِ كافورٍ، مأخوذةً عليه الأرضُ؛ يُديرُ في نفسِه خُطَطَ الفِرارِ من مصر كلِّها، ويشدُّ عزيمتَه؛ أَلّا بقاءَ له بالفُسطاط، ويقلّبُ الأمرَ على وجوههِ كلِّها، ويتّخذُ من القصيدِ عونًا على التوضّحِ والتثبّتِ والإقدام؛ ولقد قال في: " مَلُومُكُما يَجِلّ..." وقد دنت خُطّةُ الفِرارِ من يومها الموعود:
فَرُبَّتَمــا شَفَيتُ غَـلِيــلَ صَـدري... بــسَـــــيرٍ أَوْ قَـــنــــاةٍ أو حُـســـامِ
وضاقتْ خُطّةٌ فخَلَصْتُ منها... خَلاصَ الخَمرِ مِنْ نَسجِ الفِدامِ
كلُّ ذلك كان من أجلِ تهيئةِ النفس، ومدِّها بأسبابِ القوّة؛ لتحتملَ المخاطَرةَ، وتعقدَ العزمَ على الخروج من مصر دونَ إذنِ السلطان؛ حتّى إذا تمَّ له ذلك، من بعدُ، صوّره أقوى تصويرٍ بالمقصورة: " ألا كلُّ ماشيةِ الخَيزَلَى "، والدّاليّةِ:" عيدٌ بأيّة حالٍ...".
على أَنَّ " صَحِبَ الناسُ..."، بينَ شعرِه، فريدةٌ في بابها؛ لصفائها، وهدوئها، وتأمّلِها الحزين، ولهذا الإيقاع المتباطئ الذي يصوّر، بنحوٍ ما، تحدُّرَ المعاني في ذهنِ أبي الطَّيِّب بيُسرٍ وسلاسةٍ؛ وقد كانتْ المعاني، من قبلُ، تصطخبُ بذهنه اصطخابًا.
جاءت القصيدةُ على البحر الخفيف: فاعلاتن مستفع لن فاعلاتن... فاعلاتن مستفع لن فاعلاتن، وهو بحر هادئ رزين، فيه عِرْقٌ من النثر، يمتدُّ إيقاعُه مع التفكّرِ وإعمالِ الذهن، وينبسطُ لهما. وهو، أيضًا، من أقدرِ البحورِ على استيعابِ رتابةِ الحزن، وفتورِ النفسِ، ومعالجةِ الأفكار؛ فلاءمَ إيقاعُه ما كان عليه أبو الطَّيِّب من أسى، وفتور، وتفَكّر؛ وانسجمتِ القافيةُ، أتَمَّ انسجام، مع جوِّ القصيدة ومعانيها، وإيقاعِها؛ فكان حرفُ الرّوي، النونُ، يعيدُ رنّةَ الأسى في كلِّ بيتٍ، وكان حرفا الردفِ، والوصلِ، وكلاهما ألفٌ ممدودة، يتيحانِ للنَفَسِ الكَظيمِ أن ينطلقَ معهما.
ثُمَّ إنَّ " صَحِبَ الناسُ..." قصيدةٌ محكمةٌ، متدانيةُ الأطرافِ، لم ينشعب فيها الفكرُ، ولم تنتشرْ عليها المعاني، انتظمها جوٌّ من التأمّل الأسيان. كان أبو الطَّيِّب فيها مُصغيًا إلى وَجِيبِ قلبِه، وخَفَقاتِ روحه؛ قد اطّرح الزّهوَ والكِبْر، وجنح بنحوٍ ما إلى الموادعةِ والأُلفة؛ فجاءتْ من الفرائد في المعنى والمبنى...