تميزت الاروقة الجامعية منذ نهايات ثمانينيات القرن الماضي، وتحديدا بعد انتهاء الحرب العراقية الايرانية التي استمرت ثماني سنوات دفع فيها العراقيون ثمنا باهظا في رحيل العديد من الكفاءات العلمية والثقافية اما في الحرب او هربا خارج الوطن. وعندما دخلت كلية الفنون الجميلة في عام 1989م في قسم التصميم، وجدت العديد من القامات العلمية والفنية ممن كان لهم الدور الكبير في تقدم هذا الفن وتعزيز قدراته الطلابية الشابة التي كانت تواقة للعلم والمعرفة والتقنية. لقد كانت د. سؤدد عبد القادر القادري احدى هذه القامات العلمية التي كانت تدرس في القسم آنذاك. كنت اراقبها باستمرار مراقبة المعجب والمتأثر بما تقدمه بأسلوب تربوي صادق تجاه طلبتها فهم ابناؤها كما كانت تقول دائما. وشاءت الاقدار ان اكون طالبا في صفها وتدرسني مادة تصميم المطبوعات بجانبيها النظري والتطبيقي، اذ لم تكن هذه المادة معروفة لدينا إلا بأنها عملية تقوم على ترتيب المواد الكتابية والصور في اسلوب متوازن وجميل.
لقد كشفت لنا الاستاذة الفاضلة والأم سؤدد القادري بان تصميم المطبوعات هو علم وفن غزير في المعلومات والمران والعمل والإنتاج والثقافة، التي تربط المصمم الجرافيكي مع الصحافة والنشر، والخبر وتنوعاته، وأنواعه وتحريره فضلا عن اساليب الاخراج الصحفي التي لابد للمصمم ان يتمكن منها في عمله الصحفي ولاسيما في تصميم الصحافة والنشر. فقد تعلمنا في تلك المرحلة الاساسية من الحياة العلمية والمهنية ان نصمم الصحيفة على وفق تلك المذاهب الاخراجية التي درستنا اياها ولأول مرة اطلعتنا على المذاهب الاخراجية التي عرفنا ولأول مرة في ان الفنان والرسام الهولندي (بيت موندريان) هو من قام بتصميمها، والتي اطلق عليها بالمذاهب الاخراجية الجديدة، وهي النسبة المئوية، والأرجوحة المقلوبة، والهرم المقلوب، لقد وصلتنا هذه المعلومات القيمة والتي اشتغل عليها فنان تشكيلي ومعماري كموندريان لتكون منهجا تطبيقيا حداثويا في التصميم الصحفي الجديد. كما استطاعت ان تحفز الطلبة آنذاك للتعلم الجيد عن فن الاخراج الصحفي وذلك من خلال تدريس النظريات والأدبيات النظرية المرتبطة بالتخصص الدقيق من جهة، والتنفيذ العملي والتطبيقي من جهة اخرى.
كان لكتاب (الفنون الصحفية) الذي اشتركت في تأليفه مع د. قيس الياسري والاستاذ يونس الشكرجي، والصادر عام 1991، ليكون كتابا منهجيا مهما لطلبة قسم الاعلام ولاسيما قسم الصحافة حيث كانت الدكتورة القادري تقوم بتدريسه هناك في كلية الاداب بجامعة بغداد قسم الإعلام، وأيضا درسته كمنهج علمي اكاديمي متخصص في فرع التصميم الطباعي ،قسم التصميم بكلية الفنون الجميلة جامعة بغداد. وعد هذا الكتاب منهجا مهما في عمل المصمم الجرافيكي الذي يدرس التصميم الصحفي وإخراج المطبوعات الصحفية. ومن الجدير بالذكر فان مسيرة الدكتورة سؤدد القادري كانت مسيرة علمية طويلة حافلة بالانجازات والإبداع، فقد عملت في ميدان الصحافة والإذاعة والتلفزيون، لسنوات طوال، وأجرت العديد من المقابلات الصحفية مع ابرز مثقفي وأعلام العراق، وكانت قد حصلت على شهادتي الماجستير والدكتوراه في جامعة لايبزك في ألمانيا. وعندما عادت الى العراق اصبحت استاذة الاخراج الصحفي في كلية الاداب بقسم الاعلام. وبعد ان اشتدت وطأة الحصار الاقتصادي على العراق ولاسيما عام 1995م، اضطرت هي وعائلتها ان تهاجر من العراق بحثا عن مكان افضل للعمل ومساعدة عائلتها، وتوجهت الى العاصمة الليبية طرابلس، وعملت في جامعة الفاتح وكانت سيرتها متميزة هناك بين اوساط الاساتذة والطلبة الذين كانوا حولها دائما يكنون لها كل الحب والاحترام والتقدير. ثم اختارت في غربتها الابدية المانيا التي تعني لها تاريخ دراستها وشبابها المندفع حول الهدف العلمي والثقافي بتفوق وتميز. ولكن المرض لم يمهلها فتوفيت يوم الثامن من نيسان عام 2015م. وبذلك طويت صفحة مهمة من الصفحات الاكاديمية العراقية الاصيلة التي لا تعوض وستبقى د. سؤدد القادري دائمة الحضور.