تتجلّى معالم الخطاب القصصي في مجموعة (كافي) للقاص والروائي زهير الجزائري على شكل انفتاح وتداعيات لرصد صور الانكسار والخراب، وعلى وفق زوايا ومنظورات متعدّدة ومختلفة فيها الكثير من التعمّق والاقتراب من هموم الإنسان إزاء تراجيديا الواقع الملتبس وتراكماته السياسية والاجتماعية والسايكولوجية، وأيّة مقاربة لتحليل بنية العنوان الذي وسمت به المجموعة يحيل إلى نسق من الاحتجاج والرفض وتجسيد حالة الخراب وهي مفردة متداولة على مستوى القاموس اليومي وتشير إلى وصول الإنسان لمرحلة الرفض والاحتجاج على الواقع برمّته، وما يحمله من تناقضات وعتمة وخراب متناسل على الرغم من أنّه اسم لشخصية في القصّة الأولى وهو سارد بضمير المتكلم (مشارك) والاسم أيضاً فيه دلالة وبُعد سياسي واجتماعي. وقبل ان نتناول نماذج من هذه المجموعة القصصيّة المهمّة في نسقها ودلالتها يتوجّب علينا أن نشيد بجماليات السرد القصصي لدى الكاتب وحيازة خصائصه وتقنياته، فقد أرسى نمطاً من اللّغة القصصيّة الجاذبة والدالّة، واتسّم السرد بالاختزال وتناول الموضوعية بشكل جميل وقصدي من دون أيّة فائضيّة في الوصف أو الترهّل غير المبرّر فنيّا.
وهناك ملمح آخر يرتبط بطبيعة السرد الذي آثر الكاتب أن يكون سرداً ذاتياً قائماً على ضمير المتكلم، وهذه الخاصّية مكنت القصص من استبطان الشخصيّات وتقديم الرؤية على شكل نسق من الأحاسيس والمشاعر ممّا جعل السرد يمزج بين التحليل السايكولوجي والوصف السردي والرصد لما هو خارجي وداخلي، ممّا أضفى جمالية واقناعاً على مستوى الخطاب السردي.
وتتجلى جمالية وموضوعية القصص أنها لم تتمركز على تكرار ضمني بل سعى الكاتب إلى تنوّع في الشخصيات والأحداث والبيئات المتباينة لرصد صراع الإنسان مع القوى المهيمنة والمتسلّطة على واقعه وأحلامه وتطلّعاته، ومن يقترب من القصص يشعر بانتمائها للواقع ومألوفية الشخصيات والأحداث، لكونها تعكس ملامح الواقع الذي يعاني الكثير من الانكسار والتناقضات والخراب بكلّ أبعاده وأشكاله وتداعياته، وبغية الاستدلال على جمالية الاستهلال ما نجده في قصّة (كافي) من براعة للكشف المبكر عن الحدث وتقديمه بشكل جاذب، وظل كشفا بلا تفاصيل كاملة لكي يبقى على استقطاب وتشويق المتلقيّ، وقد بدأ بجعل اسم (كافي) علامة متصدرة ممّا عمّق في دلالة هذه المفردة وقصديتها وجعلها تكتسب طابع الشفرة السردية، يقول:
"(كافي)!.. هكذا سمّاني أبي حين ولدت على حافة شط الديوانيّة المتفرع من الفرات، لم تكن عائلتنا كبيرة قياساً لبقية العشيرة، والدان وابنان فقط من عشيرة لا تقل عوائلها عن العشر، الكلّ ينجبون بلا توقّف اعتمادا على أنّ الرزق مضمون من الله، على عكسهم أشار والدي إلى جسدي الملّطخ بخثرات الدم:
- هذا كافي !! (المجموعة:7).
وتتواصل أحداث القصّة حين يقرّر الأب الهجرة ومغادرة المكان، وذلك ملمح من ملامح الرفض، ومحاولة للنجاة من واقع لا يحتمل، وهناك إشارة لسوداوية وهيمنة النظام القائم على تمجيد القائد الأوحد والاستبداد الأتوقراطي، وقد عرف الأب بنبؤاته السوداء "وحتى محبّوه سمّوه (عباس الأسود) تعريضا بنبوءاته السود، حين نشرت الرواية الأولى للقائد الرمز قرأها من الغلاف الى الغلاف وهمس لزملائه:
- ستصبح حياتنا تجسيداً لروايته.. حرباً تلد أخرى، وحين سقط الصنم رآه في منامه يشمت بنا!!
- ستذبحون بعضكم بعدي بلا رحمة" (المجموعة:7).
ويأتي الحدث المأساوي بغرق العائلة في بحار الهجرة والضياع والمصائر المجهولة، ولم ينجُ غير بطل القصّة (كافي) أو السارد المركزي الذي يواصل هجرته لليونان ثمّ لندن، مما جعل القصّة تحقق انتقالة لتجسيد التناقض بين بيئتين، ونلحظ فيها الصراع القيمي بين الشرق والغرب.
وتتجلىّ براعة القاص في تجسيد أشكال القمع السايكولوجي المتمثّل بوجود المخبر أو رجل الأمن الذي أصبح كالظلّ الملتصق بصاحبه يسير معه ويراقبه أنىّ ذهب، ويحسب أنفاسه حتى تحوّل إلى كابوس يومي، يقول في قصته (الظل): "أمشي طويلاً بلا اتجاه محدد علّه يتعب أو يملّ، لكنّه كان أكثر صبراً ودأباً، لم يكن متهوراً كما اعتقدت إنما يؤدّي واجبه بهدوء موظّف متمرّس، في الطريق يتوقف عن متابعتي ويتوقف أمام الواجهات" (المجموعة: 43).
تكشف القصة عن حالة الرصد والهيمنة التي تمارسها السلطة، في مراقبة الأفراد وإقلاقهم وشعورهم بالخوف ويرصد الكاتب حالة من حالات الموت اختياراً في قصّة موسومة بـ(محاولة انتحار) وإقدام لشخصية (منير) على إنهاء حياته إشارة دالّة على عدم تحمّل الواقع السوداوي وضغوطه، أي أنّ الانتحار علامة على عتمة الواقع وصراعاته وانكساراته، مما جعل الإنسان المواطن يعلن رفضه للحياة واختيار الموت كحلّ وجودي ويمكن ملاحظة التناقض بين اسم الشخصية (منير) واختياره الموت المظلم: " تأتي الوجوه والمشاهد والأحاديث مشوشة ومبتورة، ينشّها بيده، وهو ذاهب نحو عاطفة بدائية ليس فيها أيّة صورة ولا صوت، أقرب لموسيقى صامتة.." (المجموعة: 57).
وعلى الرغم من محاولة الانقاذ لكن دلالة القصّة تبقى قائمة لكونها إدانة للواقع وللخراب الذي يدفع الإنسان لرفض الحياة. وتتعدّد مستويات السرد وتنوّع مضامين المجموعة إذ تتجلّىُ ملامح السرد الفائتازي المقترن بكابوسيّة كافكوية حين نجد الشخصية الرئيسة في قصة (التيس) يعاني من كائن ممسوخ على شكل (تيس) يلاحقه أينما حل ويجثم على صدره من دون هوادة، ويتحوّل الى كابوس يومي: "للمرة الرابعة يداهمني الكابوس نفسه: تيس بقامة إنسان طويل واقف على قدميه الخلفيتين قريبا من رأسي لدرجة أنني أشمّ رائحة الجحيم في أنفاسه، ماداً يديه فاردا أصابعه ليخنقني، مرّة يأتي على شكل جسد بقرنين ملتصقتين، وثانية بقناع مهرّج.." (المجموعة:135)
وتمزج قصّة (التيس) بين الكابوسّية والرمزيّة والمفارقة الفانتازيّه لكنها تحمل مضمونا لإدانة الواقع الذي يتحول إلى كابوس حقيقي، وممّا زاد من فاعلية السرد أنّه ارتكز على نوع من البوح والتوتّر والهلع الذي يشعر به بطل القصّة، وهو يعاني من مطاردة هذا المسخ الذي يرمز إلى القوى المسيطرة والمهيمنة التي تحاول قمع الإنسان ومطاردته في كلّ زمان ومكان، وتقدّم القصة نهاية دالّة بعد أن عجز البطل من الخلاص الحقيقي، اذ كان يشكو الأمر إلى جدّه، فوجود الجدّ اشارة إلى المرجعيات الاجتماعية والقيمية، ووجود الكابوس على امتداد الأجيال، قال متحّدثا عن جدّه: "مال عليّ من دون أن ينظر إلى وجهي: هذا هو الشيطان بعينه..!" (المجموعة: 137).
مجموعة (كافي) الصادرة عن اتحاد الادباء والكتاب في العراق 2026، تقدّم رؤية بانورامية لمستويات الانكسار والخراب وتكشف عن مكابدات الانسان في واقع قائم وتراجيدي.