لو كنتُ شجرة،
لو كنتُ شجرة،
لكانت لي أفراحٌ صامتة.
لأتتني تلك السعادةُ من أماكن بعيدة.
لو أنني فقط أفسحتُ لها السبيل.
لتسكنني الطيورُ وتبني فيَّ أعشاشها،
وأقفُ على جانب الطريق؛
فيقصدني أبناءُ البشر المُرهَقون،
ويلتمسون السكينةَ في ظلي؛
وكان كلُّ شيءٍ سيأتي إليَّ.
ريحٌ كانت تهدرُ فيَّ،
ونحلٌ يحملُ لقاحي،
تمضي الأيامُ من حولي،
وتسكبُ الليالي نداها فوق أوراقي.
فوق هذه الأرض تمضي الفصول،
تخترقني جميعًا في مسيرها،
تُثقلني الثمارُ بفيضها،
وتتساقطُ أوراقي،
ثم يعودُ الربيعُ فيبعثُ فيَّ الحياةَ من جديد.
تحتَ النجومِ الصامتة،
كنتُ أرقدَ رقدتي في الثلج،
لو كنتُ شجرةً!
"لو كنتُ شجرة": فلسفة الصمود في زمن الاضطراب
في تاريخ الأدب النرويجي، تبرز قصيدة "لو كنتُ شجرة" كعلامة فارقة، ليس فقط لجمالها الغنائي، بل لكونها "مانيفستو" صامتاً للسكينة في عصر كان يضج بالتحولات الكبرى، وتمثل ذروة مرحلة "الغنائية التأملية" في مسيرة شاعر سيتحول لاحقاً إلى صوت المقاومة الأول في بلاده.
لم يكن اختيار أوفرلاند لرمزية "الشجرة" محض صدفة جمالية. فقد كان المجتمع النرويجي آنذاك يغلي فوق صفيح ساخن من الاضطرابات العمالية والصراعات الطبقية الحادة. وسط هذا الضجيج السياسي والفوضى الاجتماعية، لجأ الشاعر إلى الطبيعة، لا هروباً منها، بل بحثاً عن "نموذج للصمود". الشجرة في قصيدته ليست مجرد نبات ساكن، بل هي كائن أخلاقي، ثابت في مكانه، يقف على قارعة الطريق ليمنح ظله وأمانه للجميع من دون تمييز؛ إنها تجسيد لليوتوبيا (المدينة الفاضلة) التي عجزت الأيديولوجيات عن تحقيقها.
وعلى الرغم من انخراط أوفرلاند في حركة باتجاه الفجر "Mot Dag" اليسارية، إلا أن قصيدة "لو كنت شجرة" كشفت عن جانب إنساني شفيف بعيد عن النبرة الثورية الصاخبة. القصيدة تنتمي إلى تيار "الواقعية الروحية" الذي ساد في أوروبا بعد أهوال الحرب العالمية الأولى؛ وهو تيار حاول استعادة التوازن النفسي للإنسان من خلال إعادة الارتباط بالطبيعة. لقد قدم أوفرلاند الشجرة كـ"ملجأ داخلي"، وصورة مثالية للإنسان الذي يطمح أن يكونه: كائناً يتحمل ثقل الحياة (الثمار) وقسوة الزمن (الفصول) بكرامة صامتة، بعيداً عن ضجيج "بني البشر" وقلقهم الوجودي وخوفهم من الغيبيات.
بهذه القصيدة، ثبّت أرنولف أوفرلاند مكانته كشاعر للروح والواقع معاً. لقد علّمنا أن الأمان والعدالة لا يحتاجان دائماً إلى صراخ، بل يحتاجان أحياناً إلى "رسوخ الأشجار". "لو كنتُ شجرة" ليست مجرد أمنية طفولية بالراحة، بل هي دعوة ناضجة للتحلي بصلابة الطبيعة ونقائها، وهي تذكير دائم بأن أسمى أشكال النضال قد تكمن في القدرة على البقاء صامداً، مثمراً، ومانحاً للطمأنينة وسط عواصف الحياة.
ـــــــــــــــــــــــ
* من مجموعته الشهيرة "الجبل الأزرق" 1927