اخر الاخبار

بات ضروريا الحديث عن الثقافة عبر علاقتها بمفهوم التنمية والسياقات التي يمكن أن تعمل داخلها، لأن الثقافة ليس فعلا عشوائيا، ولا خارج التاريخ، ولا حتى خارج الضرورات الاجتماعية والسياسية، وهذا ما يجعل الحديث عنها مكشوفا على اجراءات أخرى، تتطلب تفعيل ادواتها، وخطاباتها، والتعرّف على فاعلية برامجها، لا سيما ما يتعلق بحقيقة تمثيلها صور المثقف العضوي، والمثقف النقدي، والمثقف الملتزم، إذ تؤدي هذه الصور/ البراديغمات ادورا فاعلة في قيادة الجمهور، وفي تحريك الاهداف، وفي الكشف عن مدى العلاقة بينها وبين المشروع الوطني للتنمية، على مستوى بناء الدولة والمؤسسة والسياق، وعلى مستوى توسيع مديات الفاعليات الاجتماعية والسياسية في الاوساط التي تمثل قوى الاجتماع الوطني..

السجال والجدل حول مفهوم التنمية الثقافية ظل مثار تقاطع وتقاطع، لاسيما في سياق تعقيدات سياسية وصراعات اجتماعية، وفي سياق اقتصادات ريعية ورثة، وهذا ما يجعل من الاحتدام بينها قرينا بضرورة اثارة اسئلة فاعلة، وتمثيل رأي عام ضاغط، وبالاتجاه الذي يجعل من مسؤوليات الثقافة رهينة بفاعلية دورها في هذه التنمية، حيث تبني السياسات والبرامج الناجعة، وحيث دعم التحول الاجتماعي، والعناية بنظم التعليم والبحث العلمي، وبسياسات العمل، في تمثيله القطاعي المتعدد، وكذلك في تمثيله لسياسات الاستثمار الوطني وليس العشوائي، فضلا عن الاهتمام بضرورات التلازم بين مفهومي التنمية والامن الثقافي، وعلاقتها بسياسات بناء الدولة، عبر صياغة اسس تنميتها، وتقدمها ودعم نظم اقتصادياتها، وعلى وفق خطط وبرامج ومشاريع تجعل من "التنمية الثقافية" عنصرا فاعلا في ترصين اسس "الاقتصاد الثقافي" بوصفه مجالا مهما من مجالات السياسة الاقتصادية، وبكل ما يتعلّق بمسؤولياتها في مجال التعليم والدعم الاجتماعي والصحي، والاهتمام القانوني والاخلاقي بالأحوال الشخصية وحقوق الطفل والمرأة، فضلا عن الاهتمام بالشأن الثقافي التخصصي، على مستوى تنمية "الصناعات الثقافية، وتشريع القوانين التي تكفل الحماية الثقافية، للهوية الوطنية ولقطاعات الثقافة المتعددة في الفنون والآداب والاعلام والبحث العلمي، لأن الاقتصاد الثقافي بات من أكثر العناصر اهمية في سياق بناء الدولة الحديثة، ومصدرا مهما في ديمومة تنميتها الشاملة، وفي التخطيط لتوظيف موازنتها في البناء المجتمعي الجديد، فهذا القطاع الاقتصادي المهم لم يعد بعيدا عن السياسات العامة، ولا عن المشاركة في برامج واهداف التنميات الوطنية، وباتجاه يجعل من الثقافة واحدة من اهم ركائز العمل التنموي، ومن المصادر الحيوية في توطيد اركان "الدولة الناجحة" التي تملك تصورات مستقبلية وخطط عملياتية لحماية شعبها وسيادتها وهويتها، وعبر توظيف عقلاني لمصادر التنمية المتعددة، مثلما هو اسهامها في توسيع مساحات الممارسة الثقافية، على مستوى المشاركة في سياق النهوض بالمسارات المتعددة للمشروع الوطني، ولتعزيز تداولية مفاهيم  الحرية والهوية الوطنية والديمقراطية، فضلا عن تعزيز الوعي النقدي بقيم التنوع والتعدد والتنوع المكوناتي، بوصفه جزءا اساسيا من أسس  الوعي بشروط الحداثة والتنوير، ومن سياقاتها الاخلاقية والانسانية والحقوقية.

إن تعزيز العلاقة بين الثقافة والتنمية يستدعي وجود التلازم العضوي بينهما، مثلما يتطلب وجود السياسات التي تتبنى اهداف تلك التنمية، ودعم خياراتها الثقافية، من خلال بيان اهمية دورها في التواصل والتفاعل، وفي التأكيد على جعل الثقافة مصدرا مهما في تنمية فاعليات العقل النقدي، وفي مواجهة مظاهر الفساد والتخلف والرثاثة الاجتماعية، فضلا عن العمل على ربط خيار التنمية بمشاريع مراكز البحث العلمي وعمل المؤسسات الثقافية المدنية، وبما يعزز توجهاتها ومساراتها في تحقيق اهداف التنمية المستدامة، بوصفها من الاهداف الانسانية الكبرى، ومن الشروط التي تكفل نجاح مؤشراتها واليات عمل برامجها في قطاعات التعليم والصحة والخدمات والفعاليات الثقافية المتعددة، كدعم صناعة السينما والكتاب والمسرح والفنون الأخرى، وكذلك الاتحادات والنقابات الثقافية، ضمن آليات واضحة في قوانين الموازنات الوطنية..

الحديث عن انضاج اواصر العلاقة بين بنى الثقافة وسياقات التنمية بات يحظى باهتمام المنظمات الدولية، لاسيما ما يخص ربط التنمية الثقافية بالأمن الثقافي، على مستوى التخطيط لمشاريعها الستراتيجية، وكذلك على مستوى تأكيد اهميتها في تنمية السياسات الوطنية للاستثمار الثقافي، وفي وضع الخطط التي تعزز الرهانات على المستقبل، وعلى مواجهة مظاهر العنف والكراهية والارهاب واشاعة اهداف المشاركة وضروراتها الاجتماعية والاجتماعية والثقافية.