اخر الاخبار

تجربة الفنان العراقي وسام جزي لا تقف عند حدود التجريب الشكلي، بل تشكّل امتداداً حيوياً للمدرسة العراقية المعاصرة التي تشتغل منذ جواد سليم على مفصل حساس، كيف نوفق بين الموروث الرافديني العريق وبين الحداثة التعبيرية من دون أن نتحول إلى نسّاخ للتراث أو مقلدين للغرب؟

أعمال جزي، خصوصاً لوحتا "التكوين الجماعي" و"الديك"، التي ارتأيت تناولهما كانموذج، تكشفان فناناً يطوّع الكتلة واللون والخط لخدمة فكرة سوسيولوجية: الإنسان العراقي بوصفه كائناً متأثراً بمحيطه السياسي والتاريخي، لا فرداً معزولاً.

القراءة التالية تقوم على تحليل الأسلوب البنائي، شبكة الرموز، وشبكة المؤثرات، مع التوقف عند الإشكالية النقدية المركزية.. هل ينجح الرمز المباشر في الحفاظ على قوة الإيحاء التجريدي، أم يضيق مساحة التأويل؟

في المعالجة الشكلية، تضخيم الكتلة البشرية كخطاب بصري السمة الأولى في أسلوب جزي انحياز إلى "تضخيم الكتلة البشرية".. الأجساد عنده نحتية، ذات ملمس طيني، تعيد إلى الذاكرة تماثيل سومر وآشور: أكتاف عريضة، رقاب قصيرة، عيون واسعة مثبتة على الأرض.

هذا التشويه المتعمد ليس قبحاً، بل استراتيجية تعبيرية. الأطراف تأخذ حيزاً كبيراً من التكوين، فتبدو اليد كأداة فعل أو عجز، والرجل كجذر مثبت في التربة.

الوظيفة هنا مزدوجة. من جهة، توحي بالقوة الكامنة، بالقدرة على المقاومة. ومن جهة أخرى، توحي بالحركة المحبوسة، بالثقل الذي يمنع الانطلاق. في لوحة "التكوين الجماعي" يتحول الجسد إلى كتلة جماعية، أشبه بجوقة صامتة تحيط بجذع شجرة. الحركة محدودة، الإيماءات مغلقة: يد تغطي العين، يد على الفم. النتيجة إحساس جماعي بالقمع والرقابة وغياب الرؤية.

اللون يعز هذا الخطاب. في الأعمال ذات الطابع الدرامي يعتمد جزي الألوان الترابية: أوكر، بني، رمادي مائل للتراب. هي ألوان الأرض العراقية، تحمل رائحة الطين والغبار.

أما في "الديك" فينتقل إلى الألوان الصريحة المسطحة: أحمر، أزرق، أخضر، بتباين حاد. الانتقال يدل على مرونة الفنان في التعامل مع الرمز. اللون لا يحاكي الواقع، بل يخدم الوظيفة الجمالية والرمزية. الأحمر هنا ليس دماً بالضرورة، بل نبض نداء. الأزرق ليس سماء، بل خلفية تعزل الشكل وتكثفه.

لغة الرمزية، من الشجرة إلى الديك عمل "التكوين الجماعي" بانورامي مكثف. العلم العراقي في الزاوية يضفي صبغة وطنية مباشرة، لكنه لا يتحول إلى شعار دعائي. وجوده مركّب: علامة انتماء ومصدر قلق في آن. الشخصيات المتراصة حول جذع شجرة تضعنا أمام ثيمة مركزية في الفن العراقي الحديث منذ جواد سليم: الشجرة كرمز للحياة والوطن والجذر.

حالة الشخصيات "ترقب ومعاناة صامتة". لا صراخ، لا حركية سينمائية، بل صمت مكتظ. هذا الصمت أبلغ من الصراخ، لأنه يعكس تراكم الخبرة العراقية مع القمع. تغطية العين والفم ليست إيماءات فردية، بل رموز اجتماعية: من لا يرى لا يستطيع أن يحكم، ومن لا يتكلم يُعاد تشكيله.

في المقابل، عمل "الديك والصخور" يبتعد عن التعقيد التركيبي ليركز على وحدة شكلية قوية ومركزية. الديك في الموروث الشعبي نداء ويقظة. وقوفه فوق تشكيلات صخرية ملونة، ذات أنماط زخرفية بسيطة من نقاط وصلبان صغيرة، يعطي العمل طابعاً سريالياً مبسطاً. هنا يظهر جزي كفنان قادر على الانتقال من التعدد البشري إلى الرمز الواحد المكثف دون أن يفقد طاقته التعبيرية. البساطة ليست فراغاً، بل تكثيفاً.3. شبكة المؤثرات: من الواسطي إلى بيكمان عبر سومر يمكن رصد أربع مرجعيات رئيسية تشتغل في أسلوب جزي دون أن تلغيه:

أولاً: جواد سليم وجماعة بغداد للفن الحديث. استلهام الرموز المحلية وإعادة صياغتها بشكل حديث هو مشروع جماعة بغداد. فكرة "الشجرة" و"الإنسان المرتبط بالبيئة" عند جزي تعيد إنتاج هذه الثيمة، لكن بلغة تبسيطية أقرب إلى الواسطي منها إلى التكعيبية.

ثانياً: يحيى الواسطي ومقامات الحريري. أثر الواسطي واضح في رسم العيون، في تسطيح المنظور، وفي الاعتماد على الخط الخارجي لتحديد الأشكال.. جزي لا يستنسخ أسلوب المنمنمة، لكنه يستعير اقتصاد الخط ووضوح الحافة كوسيلة لتحديد الكتلة.

ثالثاً: التعبيرية الألمانية. هناك مسحة من القسوة التعبيرية في ملامح الوجوه تذكّر بأسلوب ماكس بيكمان وأوتو ديكس في تصوير الشخوص المأزومة، لكن جزي "يشرّق" هذه القسوة. بدل المدن الصناعية المظلمة، لدينا أرض طينية وشجرة وجذور. القلق التعبيري يبقى، لكنه يسكن جسداً رافدينياً.

رابعاً: الفن البدائي والرافديني. الانحياز للكتلة الضخمة والخطوط المنحنية يعيدنا إلى فنون النحت الآشوري والسومري، حيث الجسد يعبر عن الهيبة أو الثبات. جزي لا يعيد إنتاج النحت، بل يترجمه إلى لغة تصويرية تحافظ على ثقل الكتلة.4. الواقعية السحرية والرمز المباشر: إشكالية التأويل.

يتحدث جزي عن تجربته بوصفها تنتمي إلى "الواقعية السحرية" أو "الواقعية الغرائبية"، هو يتعامل مع أعضاء جسم الإنسان وعلاقته مع الأشياء المحيطة، ويهدف إلى استنطاق الأشياء في إطار بصري جمالي. هذا التصريح يضيء المنهج: التجريد عنده ليس هروباً من الواقع، بل بوابة لإعادة قراءته.

لكن هنا تظهر الإشكالية النقدية. جزي يتعمّد استخدام رموز وإيحاءات مباشرة داخل إطار التجريد: علم، شجرة، ديك، يد على العين. هذا الانتقاء يضفي ملامح واقعية داخل التجريد، ويسهّل القراءة الأولية. لكنه يثير سؤالاً: هل ينجح في الحفاظ على قوة الإيحاء التجريدي، أم يميل نحو التوضيح المباشر الذي يضيق مساحة التفاعل الذهني؟

التجريد الناجح غالباً ما يعتمد على كثافة الرمز غير المباشر لفتح آفاق التأويل. الرمز المباشر يمنح الفهم السريع، لكنه قد يغلق اللعبة التأويلية مبكراً. مع ذلك، لا يمكن إنكار أن انتقاء جزي للألوان والكتل يخدم البعد التعبيري بنجاح. الحالة البصرية مؤثرة، والرموز المباشرة تعمل كمحطات توقف تساعد المتلقي على الدخول قبل أن يغوص في الطبقات الأعمق: طبقة الكتلة، طبقة اللون، طبقة الإيقاع الخطي.

ان الإنسان السوسيولوجي والجمال الزخرفي لفن وسام جزي إنساني بامتياز، هو لا يرسم الفرد لذاته، بل يرسم "الإنسان السوسيولوجي" المتأثر بمحيطه السياسي والتاريخي. هذا يفسر لماذا تبدو الشخصيات دائماً في علاقة: مع الشجرة، مع العلم، مع بعضها البعض. الفرد موجود، لكنه داخل نسق اجتماعي.

تتسم أعماله بقدرة عالية على التوفيق بين الجمال الزخرفي - كما في عمل الديك حيث الأنماط النقطية والصلبان الصغيرة تشتغل كزخرفة شرقية - وبين الثقل الدرامي - كما في لوحة الشخوص والعلم حيث الكتلة تثقل المشهد. هذه الثنائية تمنع الانزلاق إلى الزخرفة الخالصة أو إلى السوداوية الصرفة.

توثيق التاريخ 2021 و2026 على الأعمال يؤكد أن جزي يربط نتاجه الإبداعي بالزمن والتحولات. الفن عنده وثيقة بصرية لا تنفصل عن الواقع المعاش. هو لا يؤرخ حدثاً بعينه، بل يؤرخ حالة: حالة الترقب، حالة اليقظة، حالة التمزق بين الجذر والهجرة.

هذه الخلفية تفسر نضج البناء الأكاديمي في أعماله.. لا يوجد ارتجال شكلي. الكتلة محسوبة، الخط الخارجي مدروس، العلاقات اللونية مخططة. لكن الانضباط الأكاديمي لا يقتل الطاقة التعبيرية، بل يمنحها قناة.

وسام جزي يرسم إنساناً طينياً، مثبتاً في الأرض، لكنه لا يفقد القدرة على النداء. الديك فوق الصخر ليس مجرد رمز للصباح، بل إشارة إلى أن اليقظة ممكنة حتى في المشهد الأكثر صمتاً وثقلاً.. تجربته تعيد طرح سؤال قديم في الفن العراقي: كيف نحمل سومر دون أن نصبح متحفاً، وكيف نكون معاصرين دون أن نفقد الجذر؟ إجابته تكمن في التبسيط الشكلي المفتوح على الرمز المباشر، وفي لون ترابي ينفجر أحياناً إلى صريح ليعيد تذكيرنا بأن الأمل، وإن كان مكتوماً، لا يزال موجوداً.

ــــــــــــــ

*جزي: خريج معهد الفنون الجميلة 2004 وأكاديمية الفنون الجميلة 2008، حصل جزي على جوائز عشتار للشباب أربع سنوات متتالية، وعلى جائزة جداريات تشرين، وجائزة وزارة الثقافة العراقية للفنانين الشباب.

معرضه الشخصي في قاعة حوار 2019، ومشاركاته في "خطوات" 2018، وكلاويز سليمانية 2022، ومعارض وزارة الثقافة والواسطي، ترسم مساراً مهنياً متصاعداً.