عندما عاد في ساعة متأخرة من الليل، مشى بهدوء إلى غرفة مكتبه كي لا يوقظ زوجته وولديه. جلس إلى المكتب مصمماً على إنهاء كتابة قصته القصيرة التي بدأها منذ أسبوع وتوقف عنها. فاجأته ورقة رُسم عليها، بأقلام ملونة، شكل حيوان غريب، لصقت فوق لوحة ملاحظاته المثبتة أمامه على الحائط. حيوان لا يشبه الكلب أو القط، بل هو أكبر حجماً منهما، وإن كانت له أربعة قوائم، مرقّط ومخطط في آن واحد. بقي يحدّق في الشكل الذي أمامه لاكتشاف ماهيته. وقبل أن يشرع بنزع الورقة من اللوحة، فاجأه ابنه الصغير ذو الأربع سنوات بسؤال: هل أعجبك الحيوان؟ التفت إلى ابنه، احتضنه، وأجلسه كالعادة فوق المكتب. قال: الرسم جميل، لكن ما هذا الحيوان؟ نمر، أجابه ابنه، هذا نمر رسمته لأنك تحب النمر، وجعلته مرقّطاً ومخططاً حسب ما تريده. تفحّص الشكل جيداً، وصدّق بأنه نمر ما دام ولده يقول ذلك.
بادره ابنه: لا تخف، هذا نمر لطيف لن يؤذيك، أنا أوصيته بذلك، ثم طبع قبلة على خد والده، وجرجر نفسه إلى فراشه. ذهب الكاتب إلى الصالون وعاد ومعه كأس نبيذ أحمر، أشعل سيجاراً، ليس كوبياً بالتأكيد، ربما مصنوعاً في نيكاراغوا ولكن بتبغ كوبي، هكذا مدوّن على العلبة، وعاد يتأمل نمر ولده الغريب، أعني النمر الغريب، وسأله: هل أنت بالفعل نمر؟ وفتح صفحة القصة على كومبيوتره بنيّة مخلصة لإنهائها. تحرّر النمر من الورقة وجلس على جانب من المكتب. لم يثر هذا التصرف استغرابه، بل بدا بالنسبة إليه عادياً. أمسك النمر السيجار وراح يدخنه بشهوة بالغة، ثم نفث غيمة من الدخان باسترخاء قائلاً: لا تقلق، لن أتسبب لك بأي أذى مثلما أراد ابنك، فهو من جعلني هكذا، بالشكل الذي أنا عليه. لست نمراً بالضبط، لكنني بالفعل نمر، أو في الأقل أنا أشعر بذلك. وراح يتحدث، وهو ما يزال يدخن، وأوضح بأنه ضجر... ضجر جداً، واسترسل في الكلام عن الغابة الغريبة التي جاء منها، أو التي انتشله ابنه منها ووضعه فوق هذه الورقة. لم تكن غابة طبيعية أو تشبه الغابات التي نعرفها؛ لا تتسم بالوحشية، ولا تلتزم بأية قوانين. غابة لا تعمها الفوضى، ولا تحترم حيواناتها القوي والكبير، ولا يهتم أحد بالذكي والجريء. غابة بها حاجة إلى مخلوق حكيم. ثم تطلع للمرة الأولى إلى وجه الكاتب، الذي كان يصغي بانتباه، وقال: ربما هي، الغابة، بها حاجة إلى مخلوق مثلك، يدوّن وقائعها وأحداثها، ويمعن في وصف شخوصها وأشجارها الملونة وأحراشها التي تغيّر شكلها كما تريد، وحسب أوقات اليوم الواحد.
سأل الكاتب نفسه: أنا؟ الغابة بي حاجة إلى مخلوق حكيم مثلي؟ وسخر في داخله من هذه الفكرة. أنا مخلوق حكيم؟ كم هو غبي هذا النمر ليتصور أن كائناً فوضوياً وعاجزاً عن إنجاز قصة قصيرة، مخلوق حكيم. انزعج النمر كثيراً من أفكار الكاتب التي لم يعلن عنها، وقال: أنا لست غبياً، لا تفكر هكذا. غابتنا تفتقد إلى مخلوق فوضوي مثلك تماماً. نريد أن نشيع فيها الفوضى. غابة تحتاج إلى كاتب كسول كما أنت، ربما لن يكمل أي كتاب عنها، أو وصف لها، وسيشابك خيوط أحداثها وشخوصها حتى إنه لا يعرف كيف يفك هذه الاشتباكات ليحل عقدتها، أو عقدها. استغرب الكاتب من حديث النمر عن قصته التي هو بصدد إنجازها. بادره النمر: غالبية قصصك هكذا، تبدأ بسرعة، ثم تستسلم للكسل وتتقاعس عن إنجازها. في الواقع أنا مصمم على أن تأتي معي إلى غابتنا. سوف تسرك الحياة هناك لأنها تتلاءم مع طبيعتك النفسية، ولا يهمني إن أنجزت كتاباتك بسرعة أم لا؛ فلا شيء يهمنا هناك. لا نهتم بالوقت ولا بالمواقف، وكل شيء يسير بلا تخطيط.
بينما كان الكاتب مستغرقاً في التفكير حول ما يقوله هذا النمر الغريب، وبين أسئلته حول كيفية إنجاز قصته وتداخل أحداثها وشخوصها، وقف النمر على قوائمه الأربع وتثاءب بصخب كاد ان يوقظ جميع من في البيت. اعتقد الكاتب بأن النمر سيعود إلى ورقته ويتخلص من ثرثرته، لكن، وبصورة مفاجئة، وثب على الكاتب وابتلعه. لم يأكله، بل ابتلعه حياً، وعاد إلى ورقته.
في الصباح لم يجدوا الكاتب، بل ثمة أوراق مبعثرة وبقايا سيجار، لكن ابنه لاحظ انتفاخاً غريباً في بطن النمر المرسوم على الورقة.