اخر الاخبار

هل استوفت الدولة حقوق المواطنة الاساسية للفئات المشمولة بالتجنيد قبل مطالباتها بأداء واجباتها؟

هناك سؤال منهجي مهم يفرض نفسه عند قراءة كتاب) كل رجال الباشا... محمد علي وجيشه وبناء مصر الحديثة) للدكتور خالد فهمي: كيف استطاع المؤلف الوصول إلى حقيقة الأوضاع التي عاشها الجندي المصري في جيش محمد علي؟ لقد اعتمد في ذلك على الوثائق الرسمية المحفوظة في الأرشيف، وهي وثائق كتبتها مؤسسات الدولة وأجهزتها الإدارية والعسكرية. غير أن هذا الاعتماد يثير إشكالية تاريخية معروفة؛ فالوثيقة ليست الحقيقة ذاتها، بل هي تمثيل للحقيقة من زاوية الجهة التي أنتجتها. فمنذ نشأة الدولة وظهور الكتابة كانت الوثائق، في الغالب، صوت السلطة وأداتها في تسجيل الوقائع وتنظيم المجتمع ومراقبته.

لكن هذه الإشكالية لا تعني رفض الوثيقة أو التشكيك المطلق بها، وإنما تستدعي قراءتها قراءة نقدية تكشف ما تقوله وما تحجبه في الوقت نفسه. وهنا تكمن أهمية عمل خالد فهمي؛ إذ لم يتعامل مع الوثائق بوصفها سجلاً محايداً للأحداث، بل بوصفها مادة يمكن من خلالها إعادة بناء حياة أولئك الذين لم يتركوا شهاداتهم الخاصة. فبين أوامر التجنيد، وتقارير الهاربين، وسجلات المستشفيات والمحاكم العسكرية، استطاع أن يستنطق الوثيقة الرسمية ليكشف الوجه الآخر لبناء الدولة الحديثة، أي وجه الفلاح والجندي العادي الذي ظل غائباً عن السرديات التقليدية التي انشغلت بالقادة والفتوحات والانتصارات.

وهكذا يتحول كتاب «كل رجال الباشا» من مجرد دراسة عن الجيش في عهد محمد علي إلى مراجعة نقدية لطريقة كتابة التاريخ نفسها، وإلى دعوة للنظر في الكلفة الإنسانية والاجتماعية التي دفعتها الفئات المهمشة في سبيل تحقيق ما يُقدَّم لاحقاً بوصفه إنجازات كبرى للدولة أو للقائد الفرد. فهل كانت جميع الوثائق صادقة في نقل الحقيقة؟

نحن أمام ثلاث نقاط أساسية ينبغي مراعاتها عند قراءة هذا الكتاب:

أولاً :عدم التسليم المطلق باستنتاجات المؤلف ونقده للمدرسة الوطنية في كتابة التاريخ، فمع أهمية المراجعة النقدية التي يقدمها خالد فهمي للسرديات التقليدية، فإن ذلك لا يعني بالضرورة قبول جميع أحكامه التاريخية. ويبرز ذلك خصوصًا في موقفه من العلاقة بين بريطانيا ومحمد علي؛ إذ يذهب إلى أن معارضة بريطانيا لتوسعات الباشا لم تكن بسبب رفضها لمشروعه الإصلاحي، وإنما بسبب ما شكله من تهديد لتوازن القوى الإقليمي والدولي من خلال إضعاف الدولة العثمانية. كما تقتضي القراءة النقدية التوقف عند بعض الأحكام العامة التي قد توحي الاعمام، مثل القول إن الفلاح لم يرَ في التجنيد سوى كارثة، أو أن الجيش لم يكن إلا أداة للسيطرة، أو أن بناء الدولة الحديثة ارتبط فقط بإخضاع المجتمع. فمثل هذه القضايا تظل محل نقاش تاريخي مفتوح وتحتاج إلى قراءة متعددة الزوايا.

ثانياً: لا يمكن فهم منهج الكتاب بمعزل عن التأثير الفكري الواضح لأفكار الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في تحليل السلطة. فالسلطة هنا لا تُفهم بوصفها إرادة الحاكم أو جهاز الدولة حسب، بل باعتبارها شبكة معقدة من العلاقات والممارسات التي تنتج المعرفة وتنظم الأجساد وتعيد تشكيل الأفراد. ومن هذا المنظور يصبح الجيش والمدرسة والمستشفى والسجن أدوات لإنتاج أنماط جديدة من الانضباط الاجتماعي، وليس مجرد مؤسسات تؤدي وظائف إدارية أو عسكرية. لذلك فإن قراءة خالد فهمي للتجنيد الإجباري تتجاوز الجانب العسكري إلى دراسة آليات السلطة الحديثة في تشكيل المجتمع وإخضاعه.

ثالثاً: تكمن أهمية الكتاب بالنسبة للقارئ العربي المعاصر في أنه يفتح باب التساؤل حول العلاقة بين الحقوق والواجبات في الدولة الحديثة. فدراسة أحوال الجنود والفلاحين الذين خضعوا للتجنيد الإجباري في عهد محمد علي لا تقتصر على بعدها التاريخي، بل تكتسب بعدا خاصة في ضوء النقاشات الجارية حول قانون التجنيد الإجباري في العراق. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل استوفت الدولة حقوق المواطنة الأساسية للفئات المشمولة بالتجنيد قبل مطالبتها بأداء واجباتها؟ إن قيمة الكتاب لا تكمن فقط في كشفه معاناة المجندين، بل في لفت الانتباه إلى فئات اجتماعية ظلت حاضرة في الوثائق الرسمية وغائبة عن اهتمام كثير من الباحثين الذين انشغلوا بتاريخ الحكام والمؤسسات أكثر من انشغالهم بتاريخ المحكومين.

فنحن غالبًا ما نكون أمام سرديات للانتصارات والبطولات تُعقد باسم القائد أو البطل أو الفاتح، بينما تتوارى خلفها مآسي الحروب وما تخلّفه من خسائر بشرية واجتماعية، فضلًا عن أشكال أخرى من انتهاك حقوق الأفراد، كالسخرة والضرائب الباهظة والسجن والقمع. ومن هذا المنطلق، فإن قضية التجنيد الإجباري لا ينبغي أن تُناقش بوصفها إجراءً إداريًا أو قرارًا سياسيًا عابرًا، بل بوصفها قضية تمس حياة المواطنين وحقوقهم الأساسية. لذا فإن تشريع التجنيد الإجباري وفرضه يستلزمان دراسات قانونية واجتماعية واقتصادية ونفسية معمقة، توازن بين متطلبات الأمن وحقوق الأفراد، بعيدًا عن الصفقات السياسية أو الطموحات الشخصية لرجال السلطة الذين قد يوظفون المؤسسة العسكرية لخدمة مشاريعهم الخاصة أكثر من خدمة المصلحة العامة ، فصور التجنيد تجلت في النقاط ادناه:

أولاً: التجنيد الإجباري بوصفه حجر الزاوية في مشروع محمد علي: تكمن أهمية دراسة التجنيد الإجباري في عهد محمد علي (1805-1848) في استحالة فهم مشروعه السياسي والعسكري بمعزل عنه. فقد كان التجنيد، شأنه شأن السخرة، الأداة الأساسية التي ربطت الدولة المركزية الناشئة بسكان الريف المصري. وتكشف الوثائق التي اعتمد عليها خالد فهمي أن عملية التجنيد لم تكن في بداياتها تستند إلى نظام دقيق أو سجلات منظمة، بل كانت تقوم في كثير من الأحيان على حملات لجمع أكبر عدد ممكن من الرجال القادرين على حمل السلاح. وكان هؤلاء يُقتادون إلى معسكرات التدريب بعيدًا عن قراهم وأسرهم، تاركين وراءهم زوجات وأمهات وأطفالًا يواجهون مصيرًا مجهولًا. ومن هنا لم يكن التجنيد مجرد إجراء عسكري، بل تجربة اجتماعية قاسية أعادت تشكيل العلاقة بين الدولة والفلاحين.

ثانياً: التفاوت بين هيبة السلطة وبؤس المجتمع: ينقل المؤلف مشاهد معبرة عن التناقض الصارخ بين مظاهر السلطة وحياة الفلاحين. ففي إحدى الروايات التي سجلها رحالة إنكليزي في بني سويف عام 1832، يظهر ضباط الفرسان بملابسهم الفاخرة وخيولهم المطهمة وسط سوق قروي يعج بالفلاحين الفقراء الذين يبيعون منتجاتهم البسيطة. وتكتسب هذه الصورة دلالة رمزية تتجاوز الوصف العابر، إذ تكشف الفجوة بين طبقة الحكم وأبناء الريف الذين تحملوا أعباء بناء الدولة الحديثة. وهي صورة تذكرنا بالدور الذي لعبته السرديات الرسمية و«وعاظ السلاطين» عبر التاريخ في تمجيد القوة السياسية والعسكرية وإضفاء هالة بطولية على الحكام، في حين بقيت معاناة الفئات الشعبية خارج دائرة الضوء.

ثالثاً: من تاريخ القائد إلى تاريخ الجندي:على الرغم من أن الكتاب يتناول مشروع محمد علي العسكري، فإنه يحاول الابتعاد عن السرد التقليدي الذي يركز على القائد وخططه وانتصاراته. فخالد فهمي يعيد بناء تجربة «الجندي المجهول» منذ لحظة تجنيده وحتى مشاركته في المعارك وما بعدها. وبهذا ينتقل مركز الاهتمام من القصر إلى المعسكر، ومن الحاكم إلى المحكوم. إن أهمية هذا المنهج لا تكمن فقط في الكشف عن أحوال الجنود، بل في طرح سؤال تاريخي أوسع: من الذي يصنع الانتصارات؟ وهل يمكن فهم تاريخ الدول من خلال القادة وحدهم، أم أن آلاف الرجال الذين دفعوا أثمان تلك الانتصارات يستحقون أن يكونوا جزءًا من الرواية التاريخية؟

رابعاً: العنف والتجنيد وبناء الطاعة: تكشف الوثائق التي يعرضها الكتاب عن أن مقاومة الفلاحين للتجنيد لم تكن حالات فردية معزولة، بل اتخذت أحيانًا شكل تمردات واسعة واجهتها السلطة بعنف شديد. كما تبرز الوثائق حجم المأساة الإنسانية التي رافقت عملية التجنيد، سواء من خلال القتل أثناء قمع الانتفاضات أو من خلال تفكك الأسر وحرمان القرى من شبابها. وتظهر بعض الوقائع كيف كانت السلطة تكافئ الولاء المطلق حتى عندما يضع الفرد في مواجهة مجتمعه وأسرته. وفي هذا السياق يصبح التجنيد أداة لإنتاج الطاعة والانضباط بقدر ما هو وسيلة لبناء جيش نظامي، وهو ما ينسجم مع القراءة التي ترى في المؤسسة العسكرية جزءًا من منظومة أوسع لإخضاع المجتمع وتنظيمه.

خامساً: الهروب من الجيش بوصفه شكلاً من أشكال المقاومة: من أكثر الجوانب دلالة في الكتاب كثرة حالات الفرار من الخدمة العسكرية. فقد عثرت السلطة أحيانًا على قرى مهجورة بالكامل بعدما فر سكانها هربًا من حملات التجنيد. كما لجأ بعض الفلاحين إلى تشويه أجسادهم عمدًا أملاً في استبعادهم من الخدمة، رغم العقوبات القاسية التي كانت تفرض عليهم وعلى من يساعدهم. وتشير هذه الوقائع إلى أن الانتماء إلى الجيش لم يكن بالنسبة لكثير من الفلاحين مصدرًا للفخر أو للترقي الاجتماعي، بل عبئًا يهدد استقرارهم الأسري والاقتصادي. ومن ثم فإن ظاهرة الفرار الجماعي تكشف جانبًا مهمًا من العلاقة المتوترة بين الدولة الحديثة في طور التكوين وبين المجتمع الذي سعت إلى إخضاعه وتعبئة موارده البشرية.

لقد كتب التاريخ طويلًا بأقلام المنتصرين، فامتلأت صفحاته بأسماء القادة والملوك والفتوحات، بينما بقيت أصوات الجنود والفلاحين والضحايا خافتة أو غائبة. ويأتي كتاب «كل رجال الباشا» ليعيد التوازن إلى هذه الرواية، لا بنفي دور القادة، بل بتذكيرنا بأن وراء كل انتصار بشريًا منسيًا دفع ثمنه. ولهذا فإن القيمة الحقيقية للكتاب لا تكمن في إعادة قراءة الماضي فقط، بل في دعوته إلى مساءلة الحاضر أيضًا؛ فكل مشروع للدولة، مهما كانت أهدافه نبيلة، يبقى مطالبًا بالإجابة عن سؤال أخلاقي لا يفقد أهميته: من الذي يدفع الثمن، ومن الذي يجني ثمار الإنجاز؟