اخر الاخبار

ينفتح كتاب "حكاية علي" لمؤلفه د. حميد طارش ساجت على حكايتين تمثّلان ذروة الحدث الدراماتيكي في عراق ما قبل وبعد العام 2003 الأولى تتمثل بالإرهاب ومضمونه الفعلي ونظريته وفكرته، أما الحكاية الثانية فهي حكاية علي، الفتى الغضّ الذي يُقتل على أيدي الإرهابيين في تفجيرات بغداد. وتحليل الخطاب في الحكايتين هو بمثابة فضيحة للنظام السياسي في العراق مثلما هو فضيحة للإنسانية جمعاء وقد تركت الإرهاب يعيث قتلاً وتنكيلاً بفكرة الحياة في العراق وعدد من مناطق العالم. حكايتان تتناوبان على الفضيحة ما يجعل الانكسار سمة مضافة لسمات وملامح المجتمع الذي استسلم لآلة الذبح على مدى عقد ونصف من تاريخ العراق القريب، حتى صار العراق على وجه التحديد يستنسخ حكاية علي في كل مدنه وقصباته وقراه، بل في كل بيوته وأزقته ومقاهيه وشوارعه.  الإرهاب فكرة وآيديولوجيا وعقيدة مشوّهة، وممارسة تجسد الفكرة المعتمة التي انتجها العقل المريض، والفكر – أي فكر-  سواء كان تنويرياً أم ظلامياً لايبقى حبيس رفوف المكتبات، انما يجري في الحياة مجرى الدم بحسب هربرت ماركيوز في كتابه "هيجل ونشأة النظرية الاجتماعية" فيشير إلى خطورة الأفكار المنحرفة. إذ يرى هيجل أنَّ الفكر يكون منبثّا في قلب الواقع** فيتحول إلى ممارسة لتجسيد تلك الأفكار، وإذا ما انبثقت هذه الفكرة من الدين فستكون أشدّ وقعاً وفتكاً. إذ يعمد الإرهاب إلى إرغام الناس على القناعة والإيمان بفكرة معيّنة. عقيدة تقوم مقام (الأيديولوجيا) المحنطة حينما تأتي من مرجعيات دينية مشوّهة وذات نزعة تتجه إلى القتل العمد وتتبناه بحجج وبراهين ساذجة تعبّر عن ضحالة العقل الذي يمارسه، وأعتقد جازما أنَّ الفلسفة والفكر والأدب وقفوا عاجزين عن توصيف علمي دقيق لموضوعة الإرهاب وشخصية الإرهابي، ذلك إنها أعقد من أي توصيف يمكن للإنسان أن يكتشفه أو يفهم قدرته على الإيغال في التوحش والقتل بهذا الاتساع غير المسبوق في التاريخ. في هذا الكتاب ثمة ما يجعل المرء مندهشاً أمام جبروت الكتابة التي تعطي لهالة الألم صورة غير نهائية. فوتوغراف كالح يضجّ بالتاريخ السياسي المعاصر للعراق، لكنه يجيء بدافعٍ من العاطفة الأبوية التي تكتب مستحضرة إرهاصات نظامٍ لايمكن أن يحدس المرء طريقة تفكيره وطريقة إدارته للحياة على مدى أربعة عقود. منعطفات تاريخية حادّة هي الأعقد والأشد على العراق وقد ظلّ صدى تداعياتها متواتراً إلى اليوم. أقول بجبروت الكتابة لأنها في هذا الكتاب تظلل القاريء بسحابة من ألمٍ متصل يربط بعضه ببعضه الآخر في سلسلة من العذاب الذي تبثه المأساة العراقية ممثلة بحكاية علي. الحكاية التي تنطلق من فقدانه في تفجيرات الكرادة وتتجه صوب تاريخٍ مفتوح على مآلات الحياة العراقية منذ تسعينيات القرن الماضي. اعتقالات وإعدامات وسجالات بين النظام وبين مناوئيه هي الأكثر ضراوة منذ تأسيس الدولة العراقية.  "حكاية علي" كتابة تتأرجح بين اليوميات والسيرة الذاتية لكنها لا تتوقف عند حدود هذين النمطين، فتتعداهما إلى الكتابة السوسيوثقافية ومن ثم إلى الكتابة المفتوحة/ الكتابة الحرّة التي تلتهم كل شيء في طريقها طالما إنه يصبّ في مناخ وأجواء الموضوع الرئيس. عملٌ هائل يذهب إلى القارئ مباشرة فيقصّ عليه حكاية الولد الذي غاب مبكّراً بفعل همجية التزييف الديني الذي يدفع بالأمعات إلى القناعة المطلقة بصواب ما يقترفونه من قتلٍ وترويعٍ للناس. سلوك إجرامي يبرره ويسوّقه الفهم المشوّه للعقيدة والدين.. أي دين من الأديان، ما إن يتزيّف وينحرف بتوجيه من العقل الظلامي سيخلّف خرابا لايمكن أن يتخيل الناس حجم قدرته على التخريب والترويع والإرهاب، وهو ما جرى من قتل وبشاعة إلى أيدي جماعات القاعدة وداعش والتنظيمات المسلحة التي تدفعها العقائد إلى اقتراف ما يُذهب العقل ويخلخل الحواس. "حكاية علي" تشبه آلاف الحكايات العراقية في سنوات الجدب واليباب والتصارع الطائفي والكراهية التي أُشيعت بفعل الفكر الظلامي، وما يميزها هنا هو كمية الألم واللوعة التي تسيّدت متن الكتاب الذي انتظمت فيه حكايته. حكاية الراحلين حتف انوفهم في مقتبل الأعمار في زمن حصد الأرواح بالجملة دون أن يميّز بين طفلٍ أو شيخ أو امرأة. كل شيء كان عرضة للقتل، معظم الناس الضحايا تحولوا إلى أشلاء ممزقة وبمنتهى الوحشية.  لقد ولى زمن الحروب العقائدية الغابرة. وكل ما يجري اليوم باسم العقيدة الدينية هو محض هراء تدحضه النواميس والقوانين الدولية وحقوق الإنسان في أمم ينبغي لها تراجع نفسها وتاريخها فتلتحق بركب الحضارة لا أن تتراجع آلاف الخطوات إلى الوراء. حكاية علي تعرّي التطرّف وتفضحه وتدينه وتلحق به العار إلى الأبد. عار الانحدار الإخلاقي وعار فقدان الآدمية، الآدمية الممسوخة التي تهدم وتحطّم قلوب الآباء والامهات والأحبة. هل أدرك هؤلاء أنّ علي حميد طارش ومن مثله لم يجرحوا مزاج أحد ولم يكونوا طرفاً في آيديوبوجيا وأنّ معظمهم من المغلوبين الذين يؤسسون حياتهم للتو، وهكذا بمجرد فتوى ظلامية من الحثالة غير المرئية التي تمشي بيننا تتلاشى حياة هؤلاء المغلوبين وإلى الأبد. لحظة اغماء طويلة للضمير الإنساني الذي لايجد حلولاً لاستبداد الإرهاب ولقمع الأنظمة المستبدة القامعة للناس بوحشية قلَّ نظيرها. في حكاية علي تمثيل حقيقي للمحنة العراقية التي استمرت من إجراءات ما قبل الاحتلال على يد النظام الديكتاتوري ثم استمرت بعد الاحتلال بالقتل المجاني على يد القاعدة والعصابات المتطرّفة. إن كل ما حدث في حكاية علي وحكايات أقرانه من الضحايا، ظلَّ صداها يعكس لوعةً لايمكن زوالها بسبب تصدعات الروح العراقية التي تحمّلت عبء الخراب وتصدت إليه ونزفت في سبيل ذلك دماً عبيطاً بغية الخلاص. نعم . جاء الخلاص وراح داعش والقاعدة إلى مزبلة التاريخ، لكن ذلك التصدّع الذي حطّم حميد وعائلته وحطّم آلاف الضحايا واسودّت بسببه صحائف الوطن لسنوات، سيبقى يسجّل بألمٍ عميق لفترة وحشية استبدت بالعراق وتركت ندوباً وأثراً بالغاً في حاضره ومستبقله.

ــــــــــــــــــــــــــــ

إحالات:

*حكاية علي والراحلين باكراً، سيرة ذاتية، الدكتور حميد طارش ساجت، دار توليب للطباعة والنشر والتوزيع، بغداد، ط1، 2026

**العقل والثورة – هيجل ونشاة النظرية الاجتماعية، ترجمة فؤاد زكريا، مؤسسة هنداوي، المملكة المتحدة، ط2 ، 2024 

ــــــــــــــــــــــــــــ

*علي سعدون/ رئيس تحرير مجلة "الاقلام".