اخر الاخبار

قد يبدو صعبا القبول بكتابة نص الاعتراف، أو كتابة المذكرات بجرأة الكشف عن المخفي، والتصريح بما هو مقموع تحت هيمنة الاجتماعي والديني والنفسي، لكن ما سيكون اصعب هو تحويل هذا الاعتراف الى "تصفية حساب مع الآخرين" والى جرّ التاريخ الى فضائح التأويل والتحريم، والى الكتابة التي تشبه الخيانة تماما..

كثيرا ما قرأنا سير ذاتية، ومذكرات، و "ادب الرسائل" تعرفنا عن طريقها على عوالم "مسكوت عنها" وعلى صراعات ومؤامرات وصفقات، لم يشأ اصحابها الا ممارسة التطهير عبر الاعتراف بها، وكأنها نزوع للخلاص، مع أن بعض تلك الكتابات "السير ذاتية" وضعتنا أمام وثائق ادبية خطيرة، وامام كشوفات ثقافية ساحرة، تحولت الى "نصوص خالدة" كما في اعترافات "بابلو نيرودا" و "اندريه جيد" و "اكتوفيو باث" و"غارسيا ماركيز" و"محمد شكري" و"كوليت خوري" و" نوال السعداوي" و رسائل غسان كنفاني الى غادة السمان، وكذلك اعترافات لويس عوض، واعترافات طه حسين في "الأيام" وغيرها، مثلما وضعتنا اعترافات أخرى أمام مفارقات غريبة، مثل اعترافات " الشيخ ابن سينا" و"جان جاك روسو" و" القديس اوغسطينوس"

يظل الحديث عن علاقة الثقافي بتدوين المذكرات مثار خلاف كبير، فالبعض يجعل من الامتناع عنها خيارا لعدم التورط بروائح تابواتها السياسية والأيديولوجية والجنسية، والبعض الاخر يخشى من البوح بها، لأنها تكشف هامشيته وضآلته وخيانته، لاسيما وأن كثيرا من أدبائنا عاشوا محنة "النفي السياسي" والسجون والهروب الى المهاجر البعيدة، وهو ما جعل مذكراتهم تحمل معهم حساسية غائرة، وعقد نفسية تركتها جروح النفي والتعذيب والاغتصاب، وأن ما تبقى خارج هذه المقموعات لا يعدو أن يكون جزءا من مدونات يمكن كتابتها هنا أو هناك، أوفي بعضِ حكايات تأتي بها الخواطر، أو تأتي بها المخيلة السردية، لصياغة عالم شخصاني تتغول فيه الذات، عبر الافراط بالنرجسية والبطولة وخرق المألوف..

غياب "ادب المذكرات" والسير والاعترافات عن وسطنا الثقافي جعل من هذا "النوع الادبي" مهملا، وخاضعا لتوصيفات وتابوات غريبة، يدخل كثير منها في المحظور من السياسي والاجتماعي، ومن العلاقة مع السلطة، والخوف من أن كتابة الاعترافات ستعني تورطا في فضائح "كشف المستور"، وتعرية مواقف مقموعة ومخفية، وهو ما دفع بعض الادباء للذهاب الى كتابة "الرواية" حيث تسويغ الانخراط في لعبة "التخفي السردي" عبر الحكايات، أو عبر الاقنعة والاستعارات والتوريات، في تمثيل عالمه الشخصي، وفي سردنة الاعتراف، دون الذهاب بعيدا في البوح به..

الوقوف على التفاصيل الحميمة في هذا الأدب قد يبدو مثيرا، وباعثا على الفضول، لكنه سيكون صعبا حين يرتبط بالكشف عن الحياة الخاصة، في بيئات ثقافية واجتماعية ودينية محافظة، تنظر لهذا لاعتراف، وكأنه اخلال قيمي، وتحويل الحرية الى لعنة وخطيئة، والى خرق نفسي يصطدم بسقف الحدود، وهو جعل بعض الكتّاب الى مراجعة بعض مدونات سيرهم الذاتية، ومذكراتهم، حتى لا تبدو اعترافا، وفضحا، وحتى لا تكون صادمة وجرئية، وتتعارض مع السائد الاجتماعي..

الرقيب الثقافي في نظامنا الثقافي جزء من تلك الحدود، ومن سلطة التابو، ومن العقل المؤسسي الذي يراقب ويفحص ويمنع القبول بنشر "ادب الاعتراف" وما قد يحمله من احالات جنسية أو دينية أو سياسية،  لذا فإن الحديث عن محدودية ادب الاعتراف تكشف عن حجم التحديات، وعن تعقيدات هيمنة السلطة الرمزية، التي تنظر للأدب بوصفه ممارسة "اخلاقية" تقطع الطريق على المغامرة بالتصريح والبوح، فتجعل من اقنعة الذات محبوسة، ومكبوتة، وغير قادرة على ممارسة طقوس حريتها، على الرغم من أن بعض ادب الرسائل تضمن اعترافات ذاتية، تمثلتها احالات جنسية، ونفسية، استبطنت هواجس مكبوتة، ومشاعر صاخبة،  وهو ما وجدناه في رسائل غسان كنفاني الى غادة السمان، حيث كشفت هذه الرسائل عن شخصية أخرى للمناضل والسياسي، تبدى فيها عاشقا قلقا، مهووسا بشبق الرغبات، وكذلك رسائل جبران خليل جبران ومي زيادة، التي كشفت عن "ارواح متمردة" تبحث عبر لغة البوح عن اعتراف بالوجود، وعن رغبات سامية، ظلت متوهجة على الرغم من انهما لم يلتقيا ابدا..