اخر الاخبار

في سبعينات القرن الماضي، انشدّ جمهور متابعي تلفزيون بغداد إلى (البرنامج الثاني) الذي كان يعدّه ويقدمه الفنان صادق الصائغ، استطاع عبره أن يكسب عدداً كبيراً من جمهور المشاهدين، لما يقدمه من موضوعات لم يألفها المتابع العراقي، بدأت أتعرف على صادق من خلال قراءاتي لما ينشره من قصائد في الصحافة. إلا إن اشدّ ما لفت انتباهي، وإعجابي به هو ابتكاراته المدهشة في الخط والتصميم، كانت تأخذ مني وقتاً طويلاً في التأمل، لذا حاولت لأكثر من مرّة أن أقلّده في السحر الذي يصنعه. وكانت الفرصة الرائعة أن نلتقي في فريق عمل جريدة "طريق الشعب"، في سنوات عنفوانها. اختار صادق ميدان عمل آخر في الجريدة مشرفاً ومساهما في الموضوعات الفنية، وتحرير الصفحة الأخيرة، وخلالها انشغل صادق بإنجاز (أبجديته)، إلى جانب اهتماماته السينمائية والتشكيلية.

  عرفت صادق مخلصاً لفنه، وانسانيته، وذاته المبدعة، هيمان بالمغامرة، والحداثة، منتمياً إلى التجديد ومحيطه، كل ما صاغته يداه، صور لامعة تشبه شلالاً، صور تبهر وتجذب، إنها مقطوعات متوهجة ثرية عميقة الأثر، بعمق تجربته وغناها الفكري والثقافي والسياسي، نكتشف فيها المعاني الإنسانية عبر ما أنتجته عقليته المتفتحة.

الصائغ نساج ماهر للحروف، ناقد للدراما والسينما، شاعر محلّق في فضاءات كونية بأناشيد الكركدن. أية احتفالية تلك التي يصنعها مكتشف الأسرار؟

رحيلك بهدوء لا يليق بكل هذا الضوء المحيط بك، أخيراً أغلقت بابك، لكن الريح التي خرجت منه ما تزال تحمل رائحة الحبر والألوان، وأثر الأصابع التي تروض الحروف.

  لم تمت، يا صديقي.. أنت فقط تراجعت خطوة في الانتظار، لتترك لنا وجعاً كخط متداخل مثل تكويناتك المتداخلة.

أي منفى هذا الذي يبتلع شاعراً وخطاطاً ورساماُ وكاتباً أنيقاُ؟ أي لون تسرّب من لوحاتك، حتى صار هذا العالم باهتاً؟ كنت يا أبا جعفر تعيد ترتيب العالم ليصبح أقل قسوة. أحاول أن أصدق أن اليد التي منحت الحروف روحها قد سكنت الآن.

 سلاماً لك، وأنت تعبر وحدك هذا البياض الشاسع.. سلاماً لنا نحن الذين بقينا نحمل ظلك. الآن لا منفى بعدك ولا عودة!