اخر الاخبار

بينما أفكر بموضوع إخلاء المدن، ورحيل الطيور وراء الحدود، وادلهمام السماء بغيوم الحرب.. ينحشر خبر وفاة السيدة لطفية الدليمي مثل شظية تحت أظفور الحياة. الألم شديد، والبصر كليل، والكتب ترحل قبل أن تصلها اليد الباحثة عن كلمة تسعف النظرية السردية وتشدّ أزرها، في وقت ترحل فيه الكلمات والنظريات وتختفي من الذهن الشارد وراء مصيره المجهول.

بين رفّ ورفّ في المكتبة، تأتي كتب لطفية "الدليمية" لتذكرنا بموسم العطايا الوفيرة، من قصص الفترة الستينية الماضية، النامية بحماس الحدائق المدغلة. كانت لطفية تحب الزهور، وكان أسلوبها نوعاً حدائقياً نادراً، بموسيقاه الصوفية، وشغفه المتصاعد دونما قيود كتابية مجنَّسة. كانت حديقتها بسعة شرفة، ملحقة بشقّتها في العاصمة عمّان. إلا أن قصصها انطوت على أسرار نسائية، وأحوال شخصية، غاية في التنوع والإزهار. كانت جسراً يمتد بين أجناس لغوية متعالية. ثم زادت دعائمه بترجمات ذكية. رحابة واتساع وانتشار حيوي حول الحدود الجغرافية والحواجز الدولية والأنواع الجندرية. تكوين جمالي، جموح لغوي، يخفقان معاً بنبض أخلاقي مسؤول، والتزام فكري عميق الأصل. تكوين إنساني/ كوسمولوجي قوي التأثير في جيله، وما بعده.

بوجود هذا الرفّ الغنيّ بكتبه، تغدو المكتبة حدّاً فاصلاً بين البقاء والرحيل. تصبح المكتبة ملجأ أخيراً، فوق الحدود والتصنيف الراهن، بمخاوفه وادلهمام سمائه. هنا على هذا الحدّ النقي استبدلت لطفية زهرات "الجيرانيوم" برعب عنصر "اليورانيوم". وما أحوجنا لمثل هذا الاستبدال، الذي أحدثته هذه الكاتبة "اللطيفة" بجرمها ومعرفتها "الحدائقية"، كلما فكّرنا بإخلاء مكتباتنا.

سلاماّ سيدة الكلمات.. أميرة الجيرانيوم!