اخر الاخبار

في زماننا كانت فئتان تستميلاننا: فئة الجنود وفئة المعلّمين. استهوتني الفئة الثانية، فلم أتوانَ لحظة في الانضمام إليها؛ ولم أتأخّر ساعة بانتظار دليل؛ فما أن صدر أمرُ تعييني معلّماً في إحدى مدارس الأهوار، حتى اتخذتُ سبيلي مسترشِداً بخارطة زوّدني بها موظّف التعيينات في مديرية التربية في الناصريّة، مع إيضاحات سريعة، لم تكفِ لإيصالي أبعد من مرحلة واحدة، فيما غابت مراحل انتقالٍ أبعد من الأولى، مقسومة بين اليابسة والماء. (احتفظتُ بالخارطة مع بضعة أوراق دوّنتُ عليها يوميّات وصولي القرية التي تقع مدرستي على طرفها القريب من هور الحمّار، لحين انتهاء خدمتي التجريبيّة فيها مدّة عامين).

ظلّلت التحاقي بالوظيفة غيوم خريفيّة مبكرة، وحثَّني شعور دفين بالتغرّب للاستدارة وإدراك الحافلة المتّجهة لقضاء "سوق الشيوخ" في الكراج العام. واهتداءً بمساري المرسوم على الخارطة، ترجّلتُ من الحافلة في موقع متوسّط على الطريق العام، واتجهتُ نحو ضفة نهر الفرات. حملتُ حقيبة سفري الخفيفة، وأمسيتُ غريباً يواجه أمواج النهر، منتظراً أن تنشقّ العتمة الخفيفة عن علامة أو ضوء غير مؤشّرين على الخارطة. عند هذه العقبة تنتهي الخطوات، وتختبئ وراءها مسافة غير موصوفة أو مقيسة، مأهولة أو جرداء. وهنا يلزم ظهور دليل لم تبشِّر به خارطةٌ من قبل، يختبئ هو الآخر وراء ظواهر النظر والفراسة أو ممكنات السّفر والسّفارة أو تجارب الاختلاط والتآلف والمحاورة (وكلّها ممّا لم أمتلك منه ذرّة أو قيراطاً، حتى التحاقي بمهنتي الجديدة).

اقترب رجل قصير القامة، تناثرت شعراتٌ نافرة من لحيته الطويلة والتفَّت بخيوط النهار الأخيرة. هبّت موجة ريح وعبثَت بكوفيّة رأسه المرقّطة، أمسكَ أطراف الكوفيّة ولفّها بقوّة حول رقبته. كان الدليل يثبّت موقعه على الضّفة، لكنّه رصَّ في خاطري غيوماً أشدّ دكنة من غيوم البقعة المجهولة التي انتهى إليها هذا الجزء من خارطتي. زاد الدليل في توجّسي، حين أعربَ عن معلومة لم تخطر ببالي في مثل هذه الحال: "قد لا يتهيأ قارب في مثل هذا الطقس. لكنّنا قد نعبر النهر في أيّ وقت من الليل".

أقعينا جنباً إلى جنب، وابتلعت الظلمات نظراتنا المسلّطة على الضّفة الثانية. ليس هناك سوى بصيص ضوء، يتأرجح عبر النهر، كسراج معلّق إلى عمود نجهل مسافته عنّا، فهو يتوهّج ويقترب تارة ويبتعد ثانية ويخبو.

"أنت معلّم مدرسة القرية الجديد. ألستَ المعلم الموعود؟"

"كيف عرفت؟ أأنت من أهل ذاك الجانب؟"

"أنا عامل القوارب چفّات، أتردّد على قرية المدرسة بين حين وآخر. أعَنْتُ غرباء كثراً عبروا النهر، لكن للمعلّمين هيئة تختلف عن موظّفي الزراعة والبيطرة، أو موظّفي الناحية الآخرين. كلامهم يشي بهم. رائحة الأقلام والورق. فقرهم النظيف ككلاب الجزّارين".

"أوه. لكنّي من رجال المدن فقط".

"أنت الآن شخص آخر. غريب على ضفة نهر. تائه تحتاج لدليل".

"وهل سيتهيّأ لنا ما يجعلنا جزءاً من هذا المكان؟ هل يتاح لنا من يعبِّرنا أم سنبيتُ الليلة في العراء؟"

"عندما تريد عبور نهر، فثمّة من يتأهّب لنقلك إلى ضفته الثانية".

"وهل ننتظر مُعبِّرنا الذي لا يعلم بوجودنا هنا؟ أتعرف اسمه كي نناديه؟"

"أعرفه. أحد أبناء مُعبِّر الفُرات الكبير هليّل.. واحد من شهداء الفُرات".

لم يلحظ "چفّات" حيرتي، وأنا أتفرّس فيه بحلقٍ مفتوح شاهق، وأذنين تستوفيان أنينَ النهر حتى قراره البعيد.

"هل سمعتَ بشهيد الفُرات؟ كان واحداً ممّن عبّرَ الثائرين ببنادقهم، قبل أن ترديه رصاصة جنديّ بريطانيّ. سيأتي ابنه لكي ينقذنا. كثيراً ما أخلط بين أسماء أبنائه، هاتف أكبرهم. لا بأس من الانتظار، لا تفقد الصبر، قد نحظى بحفيد له يقوى على إمساك مجذاف في وجه هذه الريح".

اندلع صوت دليلي صارخاً في الفضاء الرّصاصيّ الساكن، إلّا من نأماتٍ ونُباحاتٍ مخنوقة. نادى على ابن الفُرات المختفي، بصوت اختزنَه لمثل هذا العبور، وانسحب ذيل ندائه الجهير، المتقطّع كحبل مفتول من لحى شهداء غارقين. وعبر المسافة المجهولة تلألأ الضوء وتوهّج ثم خبا مع صدى الصوت المفتول.

دنا قارب ولامسَ ضفتنا الطافحة بموجات متلاطمة، وبدا نوتيّ الفرات مضفوراً هو الآخر من ظلمات وطين، قشّ وروث، دِيفا وخُمِّرا طويلاً في كوخه المعتزل على الضّفة الثانية. وفي ضوء سراج القارب شاهدتُ وجه دليلي للمرّة الأولى، لحيته المبتلّة، جبهته المعصوبة بالكوفيّة، عينيه اللتين تتركّز نظرتهما نحوي كأسطورتين صغيرتين؛ أمّا ابن المُعبِّر فقد أدارَ لنا ظهره، غير عابئ بحمله الضئيل. نقلَنا القارب، متأرجّحاً مع الموج، شاقّاً الظلمة بنسقين من العزيمة والكتمان، قامتين دخانيّتين. لم يتفوّه أحدُ الثلاثة بكلمة، حتى ارتطم القارب بما يبدو الضّفة المقابلة على أرض الأساطير الجديدة. حملتُ حقيبتي، وقرقع كيسُ الدليل بما يحوي من معدّات العمل المعدنيّة، وفارقَنا مُعبِّرُنا الذي انفلتَ عنا كقبضة متفسِّخة من الرّماد والقواقع (وهنا، في هذه العقدة، أُفرِغُ آخرَ ما أمتلك من كلمات الخارطة القديمة، التي أمدَّني بها موظّف التعيينات، أطويها وأدسُّها مع حفنة أوراق ورسوم في جيب الحقيبة الخارجيّ).

سِرنا ساعة بجانب نهر متفرّع من الفُرات، في جادّة مندثرة بين الحقول المزروعة بالقمح، دليلي أمامي تشقّ قدماه الأشواك والأغصان الجافّة، يقرقع الكيس المحمول على كتفه، مواصلاً حديثاً لم أمسِك إلا بطرف كلماتٍ حادّة السقوط: خبز.. حليب.. رصاص.. قار. رائحتنا جذبت جوقةَ كلاب، حين اقتربنا من أول الاكواخ، نيران تشتعل بينها، قطيع أغنام وأبقار عائدة إلى أرباضها. اتجه الدليل إلى "ربعة" ملحقةٍ ببيت يحوطهما سياج واطئ، وشمْمنا رائحة خبز طريّ، لكنّه أصبح في متناولنا حالما طالعَنا مضيّفنا "فِزَع" من الباب الداخلي للربعة حاملاً بين كفّيه طبقاً من الأرغفة الحارّة. وضعت الكفّان الأسطوريّتان الطبقَ قرب الموقد الخابي، عرّفني دليلي إليه: "معلّم قريتكم الجديد". انفلتَ صاحب الرَّبعة وعاد حاملاً سراجاً ثانياً وضعه على حافة الموقد، وأقعى لإشعال النار في جنبات دِلال القهوة المصطفّة على الحافّة المقابلة. ارتسم ظلّه الكبير على جدار الرَّبعة الطينيّ. هفَّ النار بطاقيّة رأسه، وارتفع اللهب يلحس جانب وجهه، مبدّداً "الفَزَعَ" الذي ينطوي عليه اسمه (سترصِّع الأسماءُ القرويّة مواقعَ بديلة لتلك الباهتة على خارطتي التربويّة، أسماء مُعبِّري الفرات، مع اسم دليلي المفتول كحبل).

رحّبَ المضيّف بقدومي مرّات متتالية، منسحباً بين غمغمة وأخرى إلى داخل بيته، وستحجب غمغماته الصوتيّة مفردات قاموسي المدنيّ وتسدّ خلف لهجتي المتهيّبة الأبواب؛ بينما توطِّد ضيافتُه مستقبلَ أيامي في القرية وتحميها من الزلل والسقوط في أخطاء لغويّة وسلوكيّة متوالية. كان دليلي يتأهب لإخلاء مكانه، ويرحل بعيداً مع مُعبِّري الفرات. لكنه ونحن ما زلنا قرينينِ متفاهمين، مدّدَ قدميه في هذا الحين، على بساط في زاوية الباب الداخلي، وجهّز لفافةَ تبغ من كيس معدّاته المقرقع، وجزا عادةً نصحَني بها "وقّر الغريبَ حتى تألفه" إذ بدا أليفاً لربّ المضيف وزائراً دائميّاً. أخبرني بمكان بيت المعلّمين بجانب المدرسة، لكنّه أشار بيده إلى جهة ما قائلاً: "لا تنفع الخرائط، ما أن يحلّ الظلام في هذه الناحية، يبطل عملي عند حدود هذا الرَّبعة. اخترْ لنفسك مكاناً مناسباً بجانبهم صباحاً".

تناولنا عشاءً من سمكات مشويّات، ما زال الرّماد عالقاً بها، مع أقراص الخبز. لفَّ الدليل لنا ثلاث سيجارات قمعيّة قصيرة، واحتسينا الشّاي. وفيما دخان الموقد يبتلع وجوهَنا المتقابلة، بات الليل في خاطري، منذ اللحظة، موطناً للصمت والرّهبة واللهجة المتوارية عن الافصاح والتوضيح. اكتمْ ما في داخلك، ترَ الأشياء تتقدم نحوك كجيش من اليراعات المضيئة!

أيقظني مضيّفي في غُبشة الصباح، ونصحَني بتنسّم الهواء في باحة الرَّبعة، ولقاء دليلي الصابئيّ الذي انفلتَ مبكراً من مغتسله في بركة مجاورة. كان الهواء ساكناً وداخناً، حين انبثق "چفّات" منتصباً أمام وعاء كبير على حافّة البِركة، ينفث رائحة حادّة مع الدّخان. اختلط بياض البشرة الناصع بسواد القار المنصهر، مكوّناً البنية الجسديّة لرجل القوارب، دليل العابرين. قوارب مقلوبة على حافة البركة، وأخرى راسية، نافرة الرؤوس، ممتلكات مجهولة، لكنّها الآن في قبضة المُقيِّر الصابئيّ، يردّها إلى أصحابها بأسمائهم المبتكرة.

غمغم فِزَع: "ما الفرق، كلّهم الآن في غيابة الهور، لو كان لهم وجود ومكان!".

ارتفعت الشمس، فنصبَ لنا "فِزَع" مائدة الفطور، ختمَها بإبريق الشّاي الأدخن: "لن تغادرنا حتى تنقضي عدّة الضيافة، وحينها سنطلق سراحك وتلتحق بربعك في بيتهم". وأعترفُ بأنّ حبسي في باحة المصهر الملحقة بربعة "فِزَع" ثلاثة أيام متوالية، زجّني في الطقس المتناوب بين الاغتسال وطلاء القار وابتكار ملكيّات بأسماء دخانيّة اللفظ، وشدّني إلى دليلي بوثاق مؤجَّل إلى حين.

مضت شهور، غاب دليلي، وضعفت صلتي بمضيّفي، حتى جاءتني إشارة مشدّدة بيد تلميذ في صفّي بالمدرسة، تدعوني لوليمة في مضافة "فِزَع". تجهّزتُ بما أملكُ من مقدّمات طقس المصهر القيريّ، وارتديت معطفي الشتائيّ، وأخذتُ سبيلي بجانب بيوت خامدة، ثم افترقتُ عنها أضربُ بحدسي في الظلمة نحو ربعة "فِزَع" المعتزلة، على حافة بركة القوارب. وجدتُ دليلي الصابئيّ بانتظاري، وقد أنهى استقبال ما لا يقلّ عن عشرين رجلاً قام بتزفيت قواربهم من قبل، وسلّم قيادَهم إلى صاحب الرّبعة يؤويهم ويواسي قدومهم من أعماق الهور. وردت قواربُ الرجال الغرباء من الجُزُر الطافية والمغاور البعيدة واستقرّت في المنقع المجاور لبيت "فِزَع"، تلتمع عليها فوانيسُ معلّقة بعصيّ الدَّفع الطويلة، الراكزة في قعر الظلمة المائيّة، بين الهياكل المحتكّة برؤوسها وحروفها. استقبلتني العيون المحشورة في الجوف الدافئ للرَّبعة بتهليل صامت، وسحبتني الأيدي إلى مكان بين الظهور التي استقامت بعد نهوضها وجلوسها المتقارب، وارتصاصها كسدّ من قصب وطين، تكسوها جلاليبُ لم تنزع عن الأجساد قبل هذا اللقاء. كان "فِزَع" يصحبه الدليل آخر من دخل الرّبعة، وأسدلا خلفهما ستارة الوفود والاطمئنان على قامات الرجال المتدثٌرين بأسرارهم ورُوعهم المختزَن تحت أضلاعهم (الأضلاع المشتبكة بأنطقة الرصاص المُخفاة تحت العباءات- والقول الأصحّ: النابتة كأشواك لم تُنتزع منذ الوفادة الأولى، الهبوب الأخير والسكون والاشتعال كوقدة الرَّبعة التي لم تنطفئ أيضاً منذ ذلك الحين).

لم أدرِ بأنّ ما سجّلته في كرّاستي مع بضعة رسوم، سيفتتح سلسلة حكاياتي المسمّاة "أنشودة الصقر"، بل ستشتبك خطوطي بخرائط "الحمّار" المتمدِّد دون حدود. عرّفَ "فِزَع"- القائم كعصا صلدة الملمس، وسط الطقس الأهواريّ- بضيوفه: "أبناء المُعبِّر هليّل وأنسبائه الغائبين وراء الكتوف والسّدود، جاءوا تباعاً على موعدهم مع المُقيِّر "چفّات".

دعاني "فِزع" للجلوس، وسألتُ: "هل سيلتحق المعلّمون الآخرون؟"

قال فِزَع: "لعلّك الوحيد الذي لم نعرّفه بهؤلاء الرجال".

حسناً، ما كنت أحسب ضيوف "فِزَع" رجالاً إلا بالحجم الذي ستشتعل فيهم النار، حُزَماً من القصب، تحت براميل القار في فناء الرّبعة (هكذا ارتسموا في تخطيطاتي، شخصيات انبثقوا من مواقد الأهوار، في زمان مضى- كم عاشوا؟ وأيّ المعارك خاضوا؟ وكم سيطول لبثُهم أو رحيلهم عن موقعنا هذا؟).

تبادل الأغراب- القصبيّون- عبارات مقتضبة مع مضيّفهم وصاحبه الصابئيّ المُقيِّر، غمضتْ كلُّها على قاموسي اللسانيّ، بل تجاهلتني كفزّاعة صامتة، لا تفقه غير الدوران حول محورها، أو الارتكاز في غير حقلها، حتى تدارك الصابئيُّ حضوري، قائلاً: "الأستاذ معلّم أولادنا. إنه مصوِّر كذلك".

تململ المكدَّسون لسماعهم لقب "المصوِّر". ووجّه أحدهم سؤالاً: "وهل يعرف شيئاً عن مستكشف بريطانيّ لقّبَ نفسه الحاج ريكان؟".

كنت قد قرأت عن رحّالة الأهوار هيدجكوك هذا، وما قيل عن قصة حبّه لعالمة الآثار البريطانيّة المسز جيرترود بيل: "هذا اسمه المستعار، فقد أخفى شخصيّته وراء اسم _فُلانيْن_ كناية عن نفسه ومحبوبته التي توفيت قبل أن يتمّ رحلته".

"وكيف ستصوِّر هذا الرجل المغوار، لو عرفته؟"

"لم يظهر كأصحابه، مستكشفي الأهوار، في صورة فوتوغرافيّة، لكنّ قصّته المطبوعة في كتاب توحي بأكثر من تخطيط وهيئة دخيلة على عالم الأهوار. تخطيط يفضح شجاعته النادرة".

"كان ضيفنا لوقت. ولو أنّه كان في صحراء لقُتِل. تركناه ينجو بقصّته وبكميّة من أسرارنا".

"مَن يمتلكْ سرّاً يذهبْ معه دون رجعة".

"وكيف سيبدو لك من كتابه؟"

"مثل أيّ فرد منكم، أراه قصبة في رأسها نار".

استدارت الرؤوس، توافقاً مع التشبيه المفاجئ:

"يقال إنّنا أشباح ولسنا صُوَراً"

"ما الفرق؟ الصُّوَر مفاتيح الأسرار. تحضرون في قواربكم كلما دُعيتم إلى هذه الرَّبعة، شعلات تضيء الأدغال المظلمة".

اغتنى دفتري بتخطيطات لا يمكن نسيانها، بأشباح من قصب وشعلات من نار، وقوارب أخذت في الانسراب والاختفاء بعد تجديد طلائها بالقار؛ إضافة إلى ما قاله الدليل الصابئيّ بعد ذهاب رجال القوارب: "أبناء هليّل كالأسماك، يتشابهون في حجم زعانفهم، وموطن اختفائهم، إلّا ميقات ظهورهم فجأة كالأشباح". جعلتُ هذه الجملة افتتاحاً لحكايات "أنشودة الصّقر"، منها أستقي نوع الأدلّة التي أحتاجها لرسم خارطتي وتجديد مواقعها القديمة.