اخر الاخبار

في كل لحظة تحول تاريخي، تستدعى النخب الثقافية بوصفها ضمير المجتمع وبوصلته الاخلاقية. غير ان التجربة العراقية تكشف مفارقة قاسية: فالنخبة التي كان يفترض ان تقود التغيير، انشغلت طويلا بتأمل صورتها في المرآة، حتى نسيت الطريق خلفها. هنا لا تصبح النرجسية مجرد سمة شخصية، بل بنية ثقافية تعيد انتاج العجز تحت قناع الوعي.

النرجسية الثقافية العراقية لا تظهر في عشق الذات وحده، بل في عبادة الخطاب على حساب الفعل، وفي تفضيل الرموز على النتائج. كثير من المثقفين نصبوا أنفسهم استثناء معرفيا، معلقين فوق المجتمع الذي يكتبون عنه لا متورطين فيه. تحول المثقف من فاعل اجتماعي الى مراقب متعال، يحاكم الواقع من مسافة امنة، ويقيس الناس بمفاهيم مجردة لا بتجاربهم اليومية.

مزاجه المتقلب، كالنهر برافدين حيث يمنح الحياة ويجرف في الوقت ذاته، يميل غالبا الى غضب بلاغي يفتح الصدر ويغلق الباب على العمل المؤثر. هناك مثقف يرسم المشكلات بقلمه الحاد، لكنه يتوقف عند حافة الحل، متعاليا على الجهلة الذين لا يرقون الى رؤيته العليا.

هذا المزاج العاصف، الموروث من تاريخ طويل من الفخامة الحضارية والانكسار السياسي، يحوله الى ناقد يبني قصور الكلمات على رمل الواقع. فالنرجسية تعميه عن حقيقة ان التغيير الاجتماعي ليس كتابا ولا مقالة، بل حركة تجمع بين العقل والعضلة، بين الفكرة والميدان.

يمكن فهم هذه النرجسية ايضا بوصفها رد فعل على تاريخ طويل من القمع والتهميش. فالمثقف الذي حرم طويلا من التأثير الفعلي، لجأ الى تضخيم رمزي لذاته تعويضا نفسيا عن غياب الدور. غير ان هذا التعويض تحول مع الزمن الى قيد، حيث اصبحت الهوية الثقافية بديلا عن الفعل السياسي، والاعتراف المتبادل داخل الدوائر النخبوية بديلا عن الشرعية الاجتماعية.

سياسيا، ساهمت هذه النرجسية في اضعاف اي مشروع تغييري حقيقي. فبدل بناء خطاب جامع، انخرطت النخب في صراعات تعريفية ضيقة: من هو المثقف الحقيقي ومن يملك شرعية الكلام؟ من الاكثر عمقا وراديكالية؟ هكذا تآكلت فكرة التغيير بين خلافات نرجسية، بينما كانت السلطة بكل اشكالها أكثر واقعية وتنظيما، واقل انشغالا بصورة ذاتها.

نرجسية المثقف لا تتوقف عند الجمهور، بل تمتد الى زميله ايضا. فهو يقرأ للعالم ولا يقرأ لبيئته، يكتب خارج جغرافيته ولا يكتب عن رفيقه، متجاهلا تراب الوطن لصالح افاق خيالية واسعة. نرجسيته تعميه عن دائرته القريبة، فيبني عالما من كلمات تحلق فوق الارض من دون ان تلامسها.

في هذا السياق، لم تعد الثقافة اداة مساءلة، بل وسيلة تموضع. يكتب المثقف ليؤكد مكانه لا ليغير واقعه، ويتخذ من الخطاب النقدي درعا يحميه من اختبار الميدان. هكذا تحولت الكتابة من فعل مخاطرة الى منطقة امان، ومن ممارسة عامة الى ملكية رمزية يدافع عنها اصحابها كلما اقترب منها الواقع.

في المقاهي والتكتلات الثقافية، يجلس ساعات يقطع الاخرين لا ليبني بل ليهدم. يتحول الجدل الى ميدان صيد، والمقهى الى عرش يثبت منه اوهامه العليا. هناك تصبح البلاغة سيفا، لا اداة فهم، ويغدو الهدم شرطا لبقاء الصورة المتعالية.

ثقافيا، انتجت هذه النرجسية لغة عالية النبرة، منخفضة الجذور. خطابا مفعما بالمصطلحات، فقيرا في الامتداد الاجتماعي. صار التغيير يناقش كنص لا كعملية، وكفكرة لا كمخاطرة. وبدل ان تكون الثقافة جسرا بين الوعي والشارع، اصبحت جدارا لغويا يعزل المثقف عن جمهوره، ويمنحه وهم التفوق بدل مسؤولية الفعل.

وساهمت وسائل الاعلام والمنصات الرقمية في تضخيم هذا الوهم، حيث جرى استبدال التأثير الحقيقي بعدد المتابعين، والعمل التراكمي بلحظة انتشار عابرة. صار المثقف اسير صورته العامة، يخشى فقدانها أكثر من خشيته فقدان المعنى.

الاخطر ان هذه النرجسية اعاقت النقد الذاتي. فالمثقف النرجسي نادرا ما يرى فشله جزءا من المشكلة؛ هو دائما الضحية: ضحية السلطة، او الجهل العام، او الشارع غير الجاهز. وهكذا يعفى الوعي من المحاسبة، ويختزل التغيير في انتظار طويل لواقع مثالي لن يأتي.

اجتماعيا، عمقت هذه النرجسية القطيعة بين الثقافة والطبقات الشعبية. فاللغة المنتجة داخل النخب لم تعد قابلة للتداول خارج دوائرها، ولا معنية بتجارب الهشاشة اليومية. لم يعد غياب المثقف عن الشارع خيارا اخلاقيا، بل نتيجة حتمية لخطاب لم يعد الشارع يرى نفسه فيه.

الاخطر من ذلك ان النرجسية لم تكتف بتعطيل التغيير، بل اسهمت في تشويه معناه. فالتغيير اختزل في الموقف لا في الفعل، وفي النية لا في التنظيم، وفي الرفض المجرد لا في بناء البدائل. وهنا تلتقي النخبة، من حيث لا تدري، مع منطق السلطة التي تفضل خطابا عاليا بلا نتائج، على فعل صامت لكنه مؤثر.

ومع ذلك، لا يمكن انكار ان داخل هذه النخب نفسها بذور الخلاص. فحين يتحرر المثقف من وهم المركز، ويدرك ان دوره لا يمكن ان يكون فوق المجتمع بل داخله، تستعيد الثقافة وظيفتها التاريخية. التغيير لا يبدأ من اللغة المتعالية، بل من الاصغاء، ولا يبنى على النرجسية، بل على التواضع المعرفي والعمل التراكمي والشراكة مع الناس.

في العراق، لم تكن ازمة التغيير سياسية فقط، بل ازمة وعي نخبوي. وحين تعجز النخب عن كسر مرآتها، يبقى المجتمع عالقا بين سلطة لا تخجل، وثقافة تتأمل نفسها طويلا. وحده المثقف الذي يرى نفسه جزءا من الازمة، لا صورتها اللامعة، يمكن ان يكون جزءا من الحل.

في النهاية، لا يكمن خطر النرجسية الثقافية في صخبها، بل في هدوئها المخادع. فهي لا تسقط الاوطان دفعة واحدة، بل تؤجل خلاصها، وتستبدل الفعل بالشرح، والميدان بالمنصة، والناس بالمرآة. وحين يطيل المثقف الوقوف امام صورته، يتقدم الواقع من دونه، وتكتب التحولات بلغات اخرى لا تنتظره.

ليس المطلوب من المثقف ان يتخلى عن وعيه، بل ان يخلع عنه وهم التفوق. ان ينزل من علياء اللغة الى خشونة الحياة، ومن نشوة القول الى اخطار الفعل. فالثقافة التي لا تخاطر، لا تغيّر، والوعي الذي لا يتسخ بالواقع، يبقى زينة فكرية في زمن الانهيارات.

وحين تنكسر المرآة، لا يفقد المثقف صورته، بل يستعيد موقعه. هناك فقط، حيث لا تصفيق ولا عناوين، يولد المعنى الحقيقي للتغيير: فعلا بطيئا، شاقا، ومشتركا، لا يشبه النرجسية في شيء، لكنه يشبه الحياة تماما.