اخر الاخبار

على المثقف أن ينحاز إلى المجتمع لا إلى السلطة.. وإلى الحقيقة بوصفها افقاً نقدياً وليس شعاراً جاهزاً

لم تعد العلاقة بين المعرفة والسلطة في الفكر الحديث علاقة عرضية أو خارجية، بل غدت واحدة من أعقد الإشكاليات الفلسفية والنقدية التي تمس جوهر إنتاج الحقيقة ودور المثقف في المجتمع. فالمعرفة، بوصفها منظومة من الأفكار والخطابات والمفاهيم، لا تتشكل في فراغ، كما أن السلطة لا تمارس فعلها القهري فقط عبر أدوات القمع المباشر، بل عبر التحكم في أنماط التفكير، وشرعنة التأويلات، وتوجيه الوعي الجمعي. ومن هذه المنطقة الرمادية بين المعرفة والسلطة، تتولد واحدة من أخطر الظواهر الثقافية: خيانة المثقف. لقد أسهم ميشيل فوكو في تفكيك التصور الكلاسيكي الذي يفصل بين المعرفة والسلطة، حين بيّن أن المعرفة ليست مجرد أداة لكشف الحقيقة، بل هي في كثير من الأحيان أداة لإنتاجها على وفق ما يخدم أنظمة الهيمنة. فالسلطة لا تفرض نفسها بالقوة وحدها، بل عبر ما أسماه فوكو “أنظمة الحقيقة”، أي تلك الشبكات الخطابية التي تحدد ما يُقال، ومن يحق له القول، وما الذي يُعد علميًا أو عقلانيًا أو مشروعًا. وبهذا المعنى، تصبح المعرفة جزءًا لا يتجزأ من جهاز السلطة، بل أحد أكثر أذرعها فاعلية وخفاء.

في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى المثقف بوصفه كائنًا محايدًا يقف خارج الصراع الاجتماعي، إذ إن موقعه من المعرفة يحدد بالضرورة موقعه من السلطة. فإما أن يكون المثقف منتجًا لمعرفة نقدية تفكك الخطاب السائد، أو أن يتحول إلى وسيط رمزي يعيد إنتاج خطاب السلطة ويمنحه شرعية ثقافية وأخلاقية. وهنا تتبدى خيانة المثقف لا بوصفها خطأً أخلاقيًا فرديًا فحسب، بل بوصفها وظيفة معرفية تؤديها النخب حين تتماهى مع السلطة وتعيد صياغة خطابها بلغة فكرية أو فنية أو دينية.

إن مفهوم خيانة المثقف، كما بلوره جوليان بندا في كتابه الشهير "خيانة المثقفين"، ينطلق من لحظة تاريخية شهد فيها انحراف النخب الفكرية عن القيم الكونية للحقيقة والعدالة، لصالح الانتماءات القومية أو المصلحية أو السلطوية. غير أن هذا المفهوم، في السياق العربي، يكتسب أبعادًا أكثر تعقيدًا، إذ لا تقتصر الخيانة على التماهي مع سلطة الدولة حسب، بل تمتد إلى التماهي مع السلطات الدينية والطائفية والحزبية والعشائرية، حيث يتحول المثقف إلى ناطق باسم الأيديولوجيا، لا باسم المجتمع.

ومن أخطر أشكال هذه الخيانة، تحويل المعرفة إلى أداة تبرير، بحيث تُعاد قراءة التاريخ، ويُعاد تأويل النص الديني، ويُعاد تعريف الهوية، بما يخدم السلطة القائمة ويقمع أي صوت نقدي. هنا لا يمارس المثقف دوره التنويري، بل يصبح جزءًا من جهاز الضبط الرمزي، يساهم في تطبيع القهر، وتجميل الاستبداد، وتسويغ الإقصاء. وهكذا تفقد المعرفة وظيفتها التحررية، وتتحول إلى سلعة أيديولوجية.

في مقابل هذا النموذج، يطرح أنطونيو غرامشي تصورًا مغايرًا جذريًا لدور المثقف، من خلال مفهوم المثقف العضوي. فغرامشي لا يرى المثقف ككائن معلق فوق المجتمع، ولا كمنتج معزول للأفكار، بل بوصفه جزءًا عضويًا من بنية اجتماعية محددة، يعبر عن مصالحها وتطلعاتها. والمثقف العضوي، في هذا المعنى، ليس موظفًا لدى السلطة، بل فاعلًا تاريخيًا يسهم في بناء وعي جمعي مضاد للهيمنة.

يرتبط تصور غرامشي للمثقف العضوي ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الهيمنة الثقافية؛ فالسلطة، في نظره، لا تهيمن بالقوة وحدها، بل عبر السيطرة على الوعي، والتعليم، والثقافة، والإعلام. ومن هنا تأتي أهمية المثقف العضوي الذي يعمل على تفكيك هذه الهيمنة من الداخل، عبر إنتاج خطاب بديل، وتأسيس وعي نقدي قادر على مساءلة “البديهيات” التي تفرضها السلطة.

وبين المثقف الخائن والمثقف العضوي، تتحدد العلاقة الحقيقية بين المعرفة والسلطة. فالمثقف الخائن ينتج معرفة متواطئة، تبريرية، مغلقة، تُقدَّم بوصفها “حقيقة نهائية”، بينما ينتج المثقف العضوي معرفة إشكالية، مفتوحة، تفكيكية، ترى في الحقيقة مشروعًا دائم المراجعة. الأول يختار السلامة والمكاسب، والثاني يختار القلق والمساءلة.

وفي الواقع العراقي المعاصر، تتجلى هذه الإشكالية بوضوح مؤلم. فقد شهد العراق، ولا يزال، صراعًا حادًا بين قوى متعددة تسعى إلى احتكار الحقيقة وفرض خطابها بوصفه الممثل الوحيد للهوية أو الوطنية أو الدين. وفي خضم هذا الصراع، انقسم المثقفون بين من انخرط في خطاب السلطة، مبررًا العنف أو الفساد أو الإقصاء باسم الواقعية أو المصلحة العامة، وبين من حاول – رغم المخاطر – أن يحافظ على مسافة نقدية، مدافعًا عن المجتمع بوصفه أفقًا أخلاقيًا يتجاوز الاصطفافات الضيقة.

إن خيانة المثقف في هذا السياق لا تتمثل فقط في الصمت، بل في إنتاج معرفة مضللة، أو في ممارسة انتقائية أخلاقية تفضح الانحياز الأيديولوجي. فحين يدين المثقف عنفًا ويتغاضى عن آخر، أو يبرر فسادًا ويصمت عن غيره، فإنه لا يمارس النقد، بل يعيد إنتاج السلطة بأقنعة معرفية.

وعليه، فإن استعادة الدور الحقيقي للمثقف تمر عبر إعادة تعريف العلاقة بين المعرفة والسلطة. فالمعرفة ليست زينة للسلطة، ولا أداة ترف فكري، بل ممارسة أخلاقية ومسؤولية تاريخية. والمثقف، إذا أراد أن يكون وفيًا لوظيفته، عليه أن ينحاز إلى المجتمع لا إلى السلطة، وإلى الحقيقة بوصفها أفقًا نقديًا لا بوصفها شعارًا جاهزًا، و يمكن القول إن الصراع الحقيقي ليس بين المثقف والسلطة فحسب، بل بين معرفة خاضعة ومعرفة مقاومة ،  فإما أن تكون المعرفة أداة للتحرر، أو تتحول إلى شكل ناعم من أشكال القمع ،  وبين هذين الخيارين، يتحدد مصير المثقف،  إما شاهدًا على عصره، أو شريكًا في خيانته.