اخر الاخبار

تثير السياسات الاقتصادية الأخيرة لحكومة السيد علي الزيدي تساؤلات جادة حول توجهاتها التنموية. إذ تتناقض القرارات الحكومية الميدانية مع الشعارات المعلنة الداعية إلى دعم القطاع الإنتاجي وتشجيع الصناعة والزراعة الوطنية والابتعاد عن الاقتصاد الريعي المعتمد كلياً على النفط. ففي الوقت الذي ينتظر فيه المستثمرون توفير بيئة مشجعة، تفاجأ القطاعان الزراعي والصناعي بقرار رفع الدعم عن المشتقات النفطية وزيادة أسعار الوقود المجهز لهما.

إن زيادة أسعار الوقود المخصص للفلاحين ستؤدي مباشرة إلى ارتفاع تكاليف المنتجات الزراعية المحلية، ما يفقدها القدرة على منافسة السلع المستوردة، ويجبر الفلاحين على ترك أراضيهم والبحث عن وظائف حكومية تزيد من عبء الوظيفة العامة. ولا يختلف المشهد في القطاع الصناعي. حيث شكّل رفع أسعار الوقود - لا سيما النفط الأسود - بنسب تصل إلى 400 في المائة، صدمة قوية لمعامل الطابوق والجص والاسمنت، التي كانت قد حققت اكتفاءً ذاتياً وبدأت أولى خطوات التصدير للخارج خاصة في قطاع الاسمنت. وقد انعكس هذا القرار سريعاً على أسعار الاسمنت في الأسواق المحلية، إذ ارتفع سعر الطن من 95 إلى نحو 140 ألف دينار. هذا الارتفاع الحاد يفتح الباب على مصراعيه أمام الاستيراد من الخارج بعد ان كان المنتج المحلي يسد حاجة السوق باستقرارية منذ اكثر من عشر سنوات، وبالتالي سنضطر الى اخراج عملة صعبة نحن احوج لها في هذه المرحلة.

ان هذه القرارات تضع المصانع الوطنية أمام خيارين أحلاهما مر: إما رفع الاسعار وتأثيرها الكارثي على المواطنين او إيقاف خطوط الإنتاج والاعتماد على استيراد المادة الأولية (الكلنكر)، الامر الذي سيرفع نسبة البطالة بين الشباب بتسريح مئات العمال.  وتوضح الأرقام في صناعة الاسمنت حجم المشكلة. إذ يبلغ سعر لتر النفط الأسود في إيران على سبيل المثال نحو 10 دولارات (ما يعادل 15 ألف دينار)، بينما يُجهز للمعامل المحلية بأسعار مضاعفة، ما يرفع تكلفة إنتاج طن الكلنكر المحلي إلى أكثر من 60 دولاراً، في حين يصل الطن المستورد إلى المعامل العراقية بحدود 40 دولاراً. إن دعم الإنتاج المحلي يتطلب تقديم تسهيلات في مصادر الطاقة بأسعار رمزية وحماية المنتج الوطني من المنافسة غير العادلة. واستمرار هذه القرارات يهدد بتدمير قطاعات حيوية، واستنزاف العملة الصعبة في استيراد مواد كان العراق يحقق فيها نجاحاً واستقراراً صناعياً.