عُقد الاجتماع التأسيسي لـ"مجلس اليسار" في جنوب افريقيا في 21 آب 2026، في مدينة بوكسبورغ، شرق جوهانسبرغ. وحضر الاجتماع، الذي استضافه الحزب الشيوعي، ممثلون عن المنظمات السياسية والنقابات والحركات الاجتماعية والمنظمات المجتمعية وغيرها من التشكيلات التقدمية التي شاركت في مؤتمر اليسار المنعقد في أيار الماضي.
وبعد الإعلان رسميا عن تأسيس "مجلس اليسار"، شرع الاجتماع بمهمة تحويل إعلان مؤتمر اليسار وبرنامج عمله إلى تنظيم وحملات وعمل جماعي.
والتزم الاجتماع التأسيسي للمجلس بالوحدة في العمل، وتنظيم الطبقة العاملة، وتبني برنامج فوري للنضال.
وجاء في البيان الصادر عن الاجتماع ان إنشاء "مجلس اليسار" ليس غاية في حد ذاته. كما أنه ليس إنشاء حزب سياسي آخر، أو منظمة جامعة ومظلة أخرى، أو هيكل قيادة آخر يقف فوق المنظمات والنضالات القائمة.
فهو منصة سياسية وتنسيقية تستطيع من خلالها التشكيلات المختلفة لليسار بناء الوحدة في العمل، مع احتفاظها باستقلالها التنظيمي وهوياتها السياسية وبرامجها وتفويضاتها الديمقراطية.
كما أوضح البيان ان نجاح "مجلس اليسار"، في نهاية المطاف، لن يُقاس بعدد الاجتماعات التي يعقدها، أو البيانات التي يصدرها، أو الهياكل التي ينشئها. بل يجب أن يُقاس باختبار أصعب بكثير: "هل يساعد المجلس العمال والمجتمعات الفقيرة على أن يصبحوا أكثر تنظيمًا وثقة وقدرة على تغيير موازين القوى في المجتمع؟ هذا هو التحدي الذي وضعناه لأنفسنا".
بناء الوحدة من خلال النضال
اتفق "مجلس اليسار" على أن برنامج عمله يجب أن يربط القضايا السياسية الوطنية بالنضالات الفعلية الجارية في أماكن العمل والمجتمعات.
ويشمل البرنامج تنظيم العمال والنضالات في أماكن العمل؛ والتعبئة المجتمعية والخدمات الأساسية؛ والرعاية الصحية العامة؛ والتحول في قضايا الأراضي والزراعة؛ والأمن الغذائي وتكاليف المعيشة؛ والإسكان وعمليات الإخلاء وأمن الحيازة؛ والطاقة والاحتياجات الأساسية؛ والعدالة بين الجنسين؛ ونضالات الشباب والطلاب؛ والعدالة المناخية والبيئية؛ والتضامن الدولي ومناهضة الإمبريالية؛ والتثقيف السياسي.
لكن "مجلس اليسار" أدرك أيضًا خطرًا مألوفًا لدى اليسار في جنوب أفريقيا: اعتماد قائمة مثيرة للإعجاب من القرارات من دون بناء التنظيم والقوة اللازمين لتنفيذها. ولذلك قرر أن يعطي الأولوية لعدد محدود من المجالات للعمل المشترك خلال أول 100 يوم من تأسيسه.
وأوضح البيان الصادر عن الاجتماع التأسيسي للمجلس أن "المقصود ليس افتعال النضالات من أعلى. ففي مختلف أنحاء البلاد، ينظم العمال والمجتمعات بالفعل أنفسهم ضد تسريح العمال، والبطالة، وعمليات الإخلاء، وارتفاع أسعار الكهرباء بما لا يمكن تحمله، وانقطاع المياه، والجوع، والفساد، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، والتدمير البيئي، وانهيار الخدمات العامة. ويجب على مجلس اليسار أن يعزز هذه النضالات، ويربط بينها، ويساعدها على التطور إلى تحدٍ أوسع من جانب الطبقة العاملة لموازين القوى القائمة في المجتمع".
الدفاع عن الفقراء
وأعلن "مجلس اليسار" فور تأسيسه رفض تجريم نضالات الأراضي والإسكان، وذلك بالانضمام إلى الحملة الجماهيرية الجارية لرفض ودحر مشروع قانون "تعديل قانون منع الإخلاء غير القانوني واحتلال الأراضي"، وهو مشروع قانون مناهض للفقراء.
وتثير التعديلات المقترحة على القانون مخاوف عميقة بشأن الإخلاء التعسفي، والتشرد، وأمن الحيازة، وحقوق شاغلي الأراضي، وتجريم الأشخاص الذين ينظمون أنفسهم حول قضايا الأراضي والإسكان. فالناس لا يحتلون الأراضي لأن ملايين مواطني جنوب أفريقيا يظهرون ازدراءً للقانون. "بل إنهم يحتلون الأراضي لأن الجغرافيا المكانية التي أوجدها نظام الفصل العنصري لا تزال قائمة إلى حد كبير؛ ولأن إصلاح الأراضي فشل في إعادة توزيع الأراضي على النطاق اللازم؛ ولأن الإسكان الميسور التكلفة بالقرب من أماكن العمل غير متاح؛ ولأن سبل العيش الريفية أُضعفت بصورة منهجية؛ ولأن البطالة والفقر يجبران ملايين الناس على بناء حياتهم في المساحات التي يستبعدهم منها سوق العقارات الرسمي".
ولذلك، سيتناول تدخل "مجلس اليسار" مشروع القانون من منظور الحقوق الدستورية والاحتياجات المادية للفقراء وأفراد الطبقة العاملة.
وسيدعم المجلس الحملات الجماهيرية المستمرة ضد مشروع القانون من خلال مزيج مناسب من التثقيف الشعبي، والمشاركة البرلمانية وفي مجال السياسات، والتدقيق القانوني والدستوري، والتعبئة من القاعدة.
النقاش الوطني
لكن الاجتماع التأسيسي لـ "مجلس اليسار" اعتبر ان عليه أن يمضي إلى أبعد من ذلك. فأعلن انه يجب "نقل النقاش الوطني نحو أسئلة أكثر أهمية بكثير: لماذا، بعد أكثر من ثلاثين عامًا على انتهاء الفصل العنصري، لا يزال ملايين الناس بلا أرض وبلا مأوى؟ من يملك أراضي جنوب أفريقيا؟ من يسيطر على الأراضي الحضرية ذات المواقع الجيدة؟ لماذا فشلت الحكومة في إعادة توزيع الأراضي على النطاق المطلوب؟ وما البرنامج الذي يمكنه أخيرًا البدء في تفكيك الجغرافيا المكانية التي خلّفها الفصل العنصري؟".
تلبية الاحتياجات الأساسية الآن!
حدد المجلس أيضًا توفير الاحتياجات الأساسية واتجاه السياسة الاقتصادية باعتبارهما من القضايا المركزية لليسار.
اذ لا يزال ملايين الناس عاطلين عن العمل. ويعيش ملايين آخرون على أجور متدنية إلى حد الفقر أو في وظائف غير مستقرة
ولذلك يرى "مجلس اليسار" أن النضال حول الاحتياجات الأساسية يجب أن يصبح ساحة مركزية لإعادة بناء السياسة الخاصة بالطبقة العاملة.
وهذا يتطلب بالضرورة مواجهة التقشف. فلا تستطيع جنوب أفريقيا أن تخرج من البطالة والفقر وعدم المساواة من خلال خفض الإنفاق. فقد أضعفت سنوات من ضبط أوضاع المالية العامة المؤسسات العامة، وقيّدت قدرات البلديات، وتركت المستشفيات والمدارس تعاني نقص الموظفين، وقوّضت قدرة الدولة الديمقراطية تحديدًا في الوقت الذي يحتاج فيه ملايين الناس إلى تلك الدولة أكثر من أي وقت مضى.
إن مجتمعًا يتسم بالبطالة الجماعية وبتركيز هائل للثروة الخاصة لا يستطيع أن يجعل الفائض المالي المقياس الأسمى للفضيلة الاقتصادية، بينما تفتقر المستشفيات إلى الموظفين، والمدارس إلى المعلمين، وتعجز البلديات عن صيانة البنية التحتية، ويعاني ملايين الناس من الجوع.
وإلى جانب العمل الجماهيري، سيعمل "مجلس اليسار" لذلك من أجل بديل للطبقة العاملة عن التقشف. ويشمل هذا البديل المطالبة بزيادة كبيرة في الاستثمار العام في البنية التحتية الاجتماعية والاقتصادية؛ وإعادة بناء قدرات الدولة والبلديات؛ وتوسيع نطاق التوظيف العام؛ وأنظمة صحية وتعليمية مزودة بالموظفين على نحو مناسب؛ وتوسيع الحماية الاجتماعية؛ وبرنامجًا جادًا للتصنيع بقيادة الدولة وقادرًا على توفير أعمال لائقة.
كما اعتبر "مجلس اليسار" إن التركّز الهائل للثروة في جنوب أفريقيا يعني أن فرض ضرائب تصاعدية على الثروة والدخول المرتفعة وأرباح الشركات يجب أن يشكل جزءًا من النقاش حول تمويل إعادة الإعمار.
مطالب نبني حولها قوة جماعية
وأعلن "مجلس اليسار" انه لا يمكن ببساطة تسليم هذه المطالب إلى الحكومة في مذكرة أخرى. بل يجب أن تصبح مطالب تنظيمية يمكن للعمال والعاطلين عن العمل والنساء والشباب والمجتمعات أن يبنوا حولها قوة جماعية.
الأممية والتضامن
أعاد "مجلس اليسار" أيضًا التأكيد على أهمية التضامن الدولي ومناهضة الإمبريالية. وأكد انه سيشرع بالتعبئة من أجل أن يناقش البرلمان مشروع قانون التضامن مع كوبا ويعتمده. كما دعا جميع القوى التقدمية في جنوب أفريقيا إلى التحرك بصورة عاجلة لتعبئة الدعم المادي للشعب الكوبي.
بناء يسار متجذر في الجماهير
وفي استنتاج بالغ الأهمية، جاء في الوثيقة الصادرة عن الاجتماع أن "جنوب أفريقيا لا تعاني من نقص في التنظيمات السياسية أو البرامج السياسية أو المؤتمرات أو القادة. فما هو ضعيف الى حد كبير هو القوة المنظمة للطبقة العاملة في أماكن العمل والمجتمعات. وهذا هو المجال الذي يجب أن يثبت فيه مجلس اليسار أهميته".
"يجب على مجلس اليسار أن يساعد في التغلب على التشرذم من دون التظاهر بأن الخلافات السياسية غير موجودة. ويجب أن يساعد على الربط بين المنظمات دون ابتلاعها. ويجب أن يدعم النضالات القائمة دون الاستيلاء عليها. ويجب أن يهيئ مساحات للنقاش السياسي دون أن يتحول إلى نادٍ للنقاش. والأهم من ذلك، يجب أن يساعد في استعادة الثقة بأن الناس العاديين قادرون على تنظيم أنفسهم وتغيير ظروفهم."
"هذا هو ما نفهمه بالوحدة في العمل"
"... يجب أن يتحول النضال ضد التقشف إلى نضال لإعادة بناء الخدمات العامة والقدرة التنموية للدولة. ويجب أن تصبح أزمة تكاليف المعيشة ساحة للتنظيم تربط بين الأجور والمنح الاجتماعية والغذاء والنقل والطاقة والخدمات العامة. ويجب أن يتحول النضال ضد الخصخصة إلى نضال من أجل توفير عام ديمقراطي وفعال".
وفي هذا السياق دعا "مجلس اليسار" النقابات، والمنظمات المجتمعية، والحركات الاجتماعية، والمنظمات النسائية، وتشكيلات الشباب والطلاب، ومنظمات العاطلين عن العمل، والحركات الريفية، ومنظمات العدالة المناخية، وغيرها من التشكيلات الديمقراطية والاشتراكية إلى المشاركة في هذه العملية".
وأضاف: "لن نتغلب على تشرذم اليسار من خلال إعلانات عن الوحدة. يجب بناء الوحدة من خلال النضال المشترك. ولن نهزم التقشف بإثبات أن سياسة اقتصادية أخرى مفضلة فكريًا. بل يجب أن نبني القوى الاجتماعية القادرة على فرض اتجاه اقتصادي آخر. ولن نحل قضية الأراضي من خلال التشريع وحده. فإعادة توزيع الأراضي تتطلب قوة اجتماعية منظمة من القاعدة".
"وهذا هو العمل الذي بدأه مجلس اليسار. المستقبل لن يمُنح لنا. بل يجب تنظيمه."