رغم تأكيدات البنك المركزي والحكومة العراقية بعدم وجود قرار فعلي لحذف الأصفار من الدينار، تستمر بعض الأطراف السياسية والنيابية بطرح الفكرة كحل لإدارة الكتلة النقدية الضخمة. هذا التضارب يدفعنا للتساؤل: ما الغاية من تحريك هذا الملف الحرج في هذا التوقيت بالذات؟ وهل استندت تلك الرؤى إلى دراسات علمية تقيس أثر الخطوة اجتماعيا واقتصاديا؟ وما مدى استعداد مؤسسات الدولة لاتخاذ تدابير تضمن عدم تضرر أصحاب الدخل المحدود من تبعات هذا التغيير النقدي؟
ويبدو أن إثارة هذه المقترحات من قبل قوى عرفت بخدمتها لأجندات خارجية وتكريسها لمنظومة المحاصصة الطائفية والفساد، تعود إلى استراتيجيات تهدف إلى حماية نفوذ هذه الأطراف وضمان بقائها. ومن أبرز هذه الأسباب:
- امتصاص الغضب الشعبي المتصاعد: فيتم توظيف هذه التصريحات كأداة لتسكين الرأي العام وتوجيهه، عبر الإيحاء الكاذب بمساندة الحكومة في ملاحقة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة، وذلك للتغطية على الأزمات المعيشية والخدمية الخانقة.
- ترحيل الأزمات الهيكلية: يوظف النقاش حول القضايا النقدية المعقدة كأداة لإلهاء الشارع والمؤسسات الإعلامية، مما يحجب الفشل المؤسسي لقوى المحاصصة في إدارة الملفات الحيوية، وتحديدا: معالجة البطالة المتفاقمة، وتحفيز الاستثمارات المتعثرة، والنهوض بالإنتاج المحلي المتراجع.
- التوظيف والابتزاز السياسي: عادة ما يطفو ملف استبدال العملة الوطنية إلى السطح بالتزامن مع عمق الانسداد السياسي وتفاقم الخلافات بين الكتل الحاكمة، وتتحول هذه الأطروحات الاقتصادية في كثير من الأحيان إلى أوراق ضغط متبادلة بين الفرقاء، أو للاستهلاك الإعلامي وتضليل الرأي العام وإيهامه بتبني حراك إصلاحي لكسب الولاءات.
- الاستجابة للضغوط الدولية: قد تندرج هذه الطروحات ضمن المناورات التكتيكية التي تستهدف إرسال إشارات إيجابية للمؤسسات المالية الدولية – مثل صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، والخزانة الأمريكية. وتسعى القوى السياسية من خلالها إلى إظهار الجدية في ملفات مكافحة غسيل الأموال والحد من تهريب العملة، بهدف تخفيف القيود المفروضة على النظام المصرفي العراقي، دون إحداث تغييرات هيكلية حقيقية.
- العجز عن تقديم حلول بنيوية: يشير الاعتماد على استراتيجية استبدال العملة إلى الفشل في السيطرة على "الاقتصاد غير الرسمي" والحد من التهرب الضريبي عبر الأطر القانونية الاعتيادية، مما يؤدي إلى تبني خيارات راديكالية صعبة التنفيذ، تجسد طبيعة النظام المالي الذي أنتجته قوى المحاصصة الطائفية.
كما يلاحظ افتقار الطروحات الخاصة بحذف الأصفار من العملة إلى دراسات شاملة وعميقة تبحث في التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية الهيكلية على المدى الطويل. فقد ركزت غالبية الدراسات الفنية للبنك المركزي العراقي منذ عام 2007 على زوايا محاسبية وإدارية ضيقة. وبناء عليه، تعاملت التوجهات الرسمية والأكاديمية مع الخطوة بوصفها مجرد "إعادة تقويم اسمي"
(Redenomination) لتسهيل العمليات الحسابية واختزال الكتلة النقدية المتداولة، مع إغفال تام للدراسات الاستشرافية الرصينة الكفيلة بقياس الصدمات النفسية والاجتماعية وانعكاساتها على مستويات التضخم والفقر. ويمكن توزيع المراجعة الجدية لهذه الدراسات وتقييم آثارها على النحو التالي:
أولا: مدى جدية وواقعية الدراسات المستند عليها:
-التركيز على الجانب الشكلي (المحاسبي).
- تجاهل الاختلالات الهيكلية.
- قصور دراسة السلوك النفسي للسوق.
- التخبط السياسي والنفي المستمر.
ثانيا: الأثر الاقتصادي
المتوقع للإجراء:
يمثل حذف الأصفار سلاحا ذا حدين، وتظهر التحليلات الاقتصادية الآثار التالية:
الآثار الإيجابية المحتملة:
- تسهيل المعاملات النقدية؛ تقليص حجم المبالغ التي يحملها الأفراد والشركات يوميا.
- إصلاح النظام الدفتري؛ تبسيط قراءة الميزانيات الحكومية والتقارير المالية المصرفية.
- تحفيز المدخرين خارج المنظومة البنكية، وإلزام الفاسدين ومكتنزي العملة غير المشروعة بإدخال أموالهم في الدورة الاقتصادية.
- الآثار السلبية والمخاطر الاقتصادية:
- مخاطر التضخم النفسي؛ لجوء البائعين إلى تقريب الأسعار نحو الأعلى عند حذف الأصفار ( مثال سلعة ب 1500 دينار قد تباع بدينارين بدلا من دينار ونصف).
- تكاليف الطباعة والاستبدال؛ ستكون هناك كلفة باهظة لطبع فئات نقدية جديدة وسحب العملة القديمة بكافة أنحاء البلاد.
- انعدام الأثر على القوة الشرائية؛ لن تزيد هذه الخطوة من قيمة الدينار الحقيقية أمام الدولار ما لم تكن مدعومة بإصلاح إنتاجي ومصرفي شامل.
- الهروب نحو الدولار؛ توليد حالة من الذعر بالأسواق تدفع المواطنين للتخلص من الدينار وشراء الدولار أو العقارات، وهذه ما نلمسه الآن.
ثالثا: الأثر الاجتماعي المتوقع للخطوة
يترتب على هذا الإجراء تغييرات حادة في البيئة الاجتماعية العراقية:
- صدمة الهوية النقدية والثقة؛ يعاني المجتمع العراقي تاريخيا من أزمات انهيار العملة، وتغيير الفئات النقدية فجأة يضعف الثقة النفسية بالاستقرار الاقتصادي للدولة.
- تضرر أصحاب الدخل المحدود؛ ستكون الفئات الهشة هي الأكثر تأثرا بظاهرة ‘تقريب الأسعار للأعلى؛ الناتجة عن إلغاء الفئات الصغيرة، مما يرفع كلفة المعيشة اليومية.
-اتساع الفجوة الطبقية؛ المستفيد الأكبر سيكونون كبار المضاربين القادرين على تحويل ثرواتهم لأصول وعقارات، بينما يتحمل المواطن البسيط عبء تقلبات السوق وصعوبة استيعاب الحسابات الجديدة.
-الارتباك في المعاملات اليومية؛ حدوث نزاعات تجارية واجتماعية في الأسواق الشعبية خلال المرحلة الانتقالية نتيجة اللبس بين قيم الدينار "القديم" و "الجديد".
في خلاصة الأمر، لا تتوفر حاليا الشروط والظروف الملائمة لتنفيذ هذا المشروع؛ فمن دون استقرار سياسي واقتصادي راسخ، وفي ظل غياب الدراسات النفسية والاجتماعية والاقتصادية المعمقة، ستتحول خطوة "حذف الأصفار" من إجراء تنظيمي مفيد إلى مخاطرة نقدية قد تعمق الركود وتضر بالفئات المجتمعية الهشة. لذا، يتوجب على الدولة العراقية، ممثلة بالحكومة ومجلس النواب، اتخاذ منظومة إجراءات عاجلة للتخفيف من الآثار السلبية لهذا التغيير النقدي على المواطنين، ولاسيما أصحاب الدخل المحدود. يجب أن ترتكز هذه التدابير على فرض رقابة صارمة على الأسعار، والتثبيت القانوني للأجور، ودعم شبكات الضمان الاجتماعي. ففي الحين الذي تبدو فيه عملية حذف الأصفار مجرد تعديل محاسبي محايد للوهلة الأولى، إلا أنها تنطوي في باطنها على مخاطر نفسية واقتصادية قد تترجم إلى "تضخم وهمي" يدفع ثمنه البسطاء. وفيما يلي أبرز التدابير الضرورية للحد من هذه المخاطر:
أولا: السيطرة على الأسعار ومكافحة التضخم النفسي
- كبح التقريب العشوائي: إصدار تشريع ملزم يقضي بتقريب كسور العملة الجديدة إلى الأقرب لصالح المستهلك بدلا من التاجر.
- إلزامية التسعير المزدوج: فرض عرض أسعار السلع والخدمات بالعملتين (القديمة والجديدة معا) لمدة لا تقل عن سنة كاملة لتمكين المواطنين من المقارنة السعرية ومنع الاستغلال.
- تفعيل الرقابة الميدانية: تكثيف حملات مديرية مكافحة الجريمة المنظمة والأمن الاقتصادي في الأسواق لضبط أي رفع مصطنع للأسعار.
ثانيا: حماية الأجور والمدخرات الصغيرة
- المعادلة القانونية المباشرة: ضمان تحويل رواتب الموظفين والمتقاعدين ومستفيدي شبكة الحماية الاجتماعية بالمعادل الدقيق للعملة الجديدة دون أي استقطاع أو تقريب تنازلي.
- حماية المدخرات النقدية: توفير مهلة زمنية ممتدة ( لا تقل عن سنتين) لاستبدال العملة عبر المصارف الرسمية لمنع اضطرار صغار الكسبة لبيع مدخراتهم بأسعار بخسة في السوق السوداء خوفا من نفاذ الوقت.
- تسهيل الاستبدال المحدود: تبسيط إجراءات التدقيق والامتثال ( كالعناية الواجبة ومكافحة غسل الأموال) للمبالغ الصغيرة لتسهيل العملية على الفئات البسيطة.
ثالثا: تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي والدعم العيني
- توسيع السلة الغذائية: زيادة كميات المواد الموزعة عبر البطاقة التموينية وتنويعها، مع تحسين جودتها خلال المرحلة الانتقالية (من 6 أشهر إلى سنة) للحد من اعتماد الفئات الهشة على أسواق السلع الحرة.
- التحويلات النقدية الطارئة: تقديم دعم مالي استثنائي ومؤقت لمستفيدي الرعاية الاجتماعية؛ لمواجهة أي تقلبات غير متوقعة في أسواق السلع الأساسية.
- تثبيت أسعار الخدمات العامة: تجميد خطط رفع أسعار الوقود، الكهرباء، الماء، والخدمات الطبية الحكومية؛ لضمان عدم مضاعفة الأعباء المعيشية على المواطنين.
رابعا: التهيئة النفسية والتوعية المجتمعية
- الحملات الإعلامية توضيحية: إطلاق حملات وطنية واسعة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، لشرح الأثر الاقتصادي بلغة بسيطة تؤكد أن "القوة الشرائية للدينار لن تتأثر"، وأن حذف الأصفار إجراء تنظيمي لتسهيل المعاملات النقدية وليس خفضا لقيمة العملة.
- طرح فئات نقدية صغيرة (أجزاء العملة): سك عملات معدنية أو طباعة أوراق نقدية بفئات صغيرة (أجزاء الدينار الجديد) لقطع الطريق على التجار ومنعهم من رفع أسعار السلع والخدمات البسيطة (كالخبز أو أجور النقل) بذريعة غياب "الفئات النقدية الصغيرة/ الخردة".
في النهاية، يبقى مشروع حذف الأصفار من الدينار العراقي بلا قيمة إن استمر كإجراء دفتري لتعديل الأرقام فقط. إن نجاح هذه الخطوة الاستراتيجية مرهون بإصلاحات هيكلية واقتصادية عميقة، تحمي معيشة المواطن البسيط، وتعيد للعملة الوطنية هيبتها وثقتها المفقودة في الأسواق المحلية والعالمية.