اخر الاخبار

ليست أخطر دلالة في مشهد فتاة تركض في شارع التانكي بالمنصور في بغداد، فيما تطاردها مجموعة من السيارات، أن بعض الرجال فقدوا حسّهم الأخلاقي؛ الأخطر أن يتحول السؤال، في مجتمع كامل، من: (من الذي طاردها؟) إلى: (ماذا كانت تفعل هناك؟)!

في هذه المفارقة تكمن أزمة تتجاوز حادثة تحرش عابرة. فالمشهد المصوَّر المتداول يظهر، وفق ما نشرته مصادر مختلفة، فتاة تحاول الهرب من مجموعة من السيارات التي تلاحقها وتضايقها، في واقعة أثارت موجة واسعة من الاستنكار والمطالبات بمحاسبة المشاركين فيها. لكن القضية لا ينبغي أن تتوقف عند إدانة سلوك مجموعة من الشباب، مهما كان مخزيًا. السؤال الأهم هو: ماذا يحدث لمجتمع حين يصبح الشارع غير آمن، وحين يبدأ الناس في إطلاق أو تطبيق أحكامهم الخاصة بدل القانون؟

لا أحد يحتاج إلى شهادة أخلاق كي تحميه الدولة

لنضع هوية الفتاة جانبًا. حتى لو كانت، وفق التصنيف الأخلاقي لبعض الناس، عاهرة أو (فراشة ليل)، وحتى لو كان سلوكها موضع اعتراض اجتماعي، فإن ذلك لا يسقط عنها صفتها كمواطنة، ولا يمنح أحدًا حق ملاحقتها أو التحرش بها أو تهديدها. إذا ارتكبت فعلًا يجرّمه القانون، فالقانون يحاسبها. وإذا اعتدى عليها أحد، فالقانون يحميها. هذه ليست ازدواجية، بل جوهر دولة القانون. القانون يحاسب الإنسان على أفعاله، أما الفوضى فتحاكمه وفق أحكام الناس وانطباعاتهم. وحين يسمح المجتمع لنفسه بأن يحل محل القضاء والشرطة، لا تعود المشكلة مرتبطة بامرأة واحدة؛ بل يصبح كل فرد معرضًا لأن تتحول أحكام الآخرين عليه إلى عقوبة تفرضها الجماعة.

المشكلة ليست في المرأة التي تمشي في الشارع

بعد كل حادثة تحرش تقريبًا تتكرر الأسئلة نفسها: لماذا خرجت؟ لماذا كانت وحدها؟ لماذا في الفجر أو في الليل؟ ماذا كانت ترتدي؟ لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبقها جميعًا هو: لماذا يستطيع رجل أن يرى امرأة تمشي في شارع عام فيعتبرها هدفًا مباحًا للملاحقة؟ حين نطلب من المرأة أن تغيّر حركتها كي تتجنب تحرش الرجال، فنحن لا نعالج التحرش؛ بل ننقل مسؤولية المشكلة من المعتدي إلى الضحية. الشارع العام ليس ملكًا للأكثر جرأة، أو الأكثر عددًا، أو الأكثر قدرة على التخويف. إنه فضاء مشترك، وحماية الناس فيه من صميم وظيفة الدولة.

حين يتسرب ضعف الدولة إلى المجتمع

لا يمكن فهم مظاهر التفكك الأخلاقي بمعزل عن مسار طويل من تراجع الدولة ومؤسساتها. لقد ترك عهد الديكتاتور صدام حسين إرثًا ثقيلًا من إخضاع مؤسسات الدولة لمنطق السلطة، ثم جاءت مرحلة ما بعد 2003 بما حملته من محاصصة طائفية وإثنية، وتعدد مراكز النفوذ، وتداخل السياسي بالأمني، وصعود قوى مسلحة ومليشيات، مهما كانت مسمياتها، تمتلك نفوذًا يتجاوز، في أحيان كثيرة، الحدود الطبيعية للمؤسسة الرسمية. وهنا لم تعد المشكلة مجرد ضعف في أداء المؤسسات؛ بل أصبحت في تعدد مصادر السلطة نفسها. فالدولة الحديثة تقوم على قاعدة بسيطة: القانون هو المرجعية العليا، والمؤسسات الرسمية هي صاحبة الحق في تطبيقه، والمواطنون متساوون أمامه. لكن عندما تصبح السلطة موزعة بين الدولة والحزب والعشيرة والجماعة والسلاح المنفلت والنفوذ الشخصي، يتراجع تدريجيًا شعور المواطن بأن القانون هو ملاذه الأخير. وهذا لا ينتج أزمة سياسية فقط، بل أزمة اجتماعية وأخلاقية أيضًا؛ لأن ضعف الدولة لا يبقى محصورًا داخل مؤسساتها، بل يتسرب إلى سلوك المجتمع ونظرته إلى القوة والحق والواجب.

المحاصصة أضعفت فكرة المواطنة

لم تكن المحاصصة مجرد صيغة لتوزيع المناصب بين القوى السياسية، بل ساهمت في إعادة تعريف علاقة المواطن بالدولة على أساس الانتماء قبل المواطنة. وفي قراءة عالم الاجتماع العراقي الراحل فالح عبد الجبار لحركة الاحتجاج العراقية، ولا سيما في كتابه (حركة الاحتجاج والمساءلة: نهاية الامتثال، بداية المساءلة)، وهو كتاب يستند إلى بحث ميداني وصدر في بيروت عام 2017 عن دار دراسات عراقية، نجد إطارًا يساعد على فهم هذه المعضلة؛ فقد ربط بين نظام المحاصصة الذي تشكل بعد 2003 وبين توظيف الهويات الطائفية والإثنية في إدارة السلطة، وقرأ حركة الاحتجاج التي انطلقت عام 2015 بوصفها تعبيرًا عن رفض الفساد وضعف استجابة الدولة لمواطنيها، وعن انتقال المطالب من الاحتجاج على الخدمات إلى مساءلة النظام السياسي نفسه. كما لاحظ أن المحتجين دفعوا باتجاه تصور لدولة مدنية يكون التمثيل فيها قائمًا على القضايا والمصالح العامة، لا على الهويات الفرعية. في هذا السياق، تصبح المحاصصة أكثر من مجرد خلل في توزيع السلطة؛ إنها تكريس لمنطق يرى الدولة حصصًا لجماعات ومكونات، لا مؤسسة عامة لمواطنين متساوين. وحين تتوزع الدولة وفق الهويات الفرعية، يتراجع تدريجيًا مفهوم المؤسسة المحايدة التي تعمل باسم الجميع، ويصبح السؤال: من يقف خلف هذه المؤسسة؟ ومن أي جماعة يأتي المسؤول؟ ومن يملك القدرة على التأثير؟

وهنا تتضرر الفكرة الأساسية للمواطنة: أن يكون القانون أقوى من الانتماء. وعندما تتراجع الثقة بالمؤسسات العامة، يبحث المواطن عن بدائل للحماية والإنصاف: العشيرة، الحزب، الطائفة، العلاقات الشخصية أو القوة. وبذلك لا يعود التفكك الاجتماعي مجرد نتيجة لأزمة أخلاقية، بل يصبح أحد أعراض أزمة الدولة نفسها؛ دولة يفترض أن تكون المرجعية النهائية لجميع مواطنيها، لكنها فقدت جزءًا من قدرتها على إنتاج شعور مشترك بالمواطنة والمساواة أمام القانون.

المليشيات ليست مجرد سلاح

المشكلة في السلاح خارج الإطار المؤسسي لا تتعلق بالسلاح وحده، بل بالثقافة التي قد ينتجها: أن القوة تمنح صاحبها حق فرض إرادته. وعندما تتسرب هذه الثقافة إلى المجال العام، لا تبقى محصورة في السياسة والأمن؛ يمكن أن تظهر في العلاقات الاجتماعية، وفي طريقة تعامل الأقوى مع الأضعف، وفي تصور الفرد أن قدرته على التخويف تمنحه شرعية الفعل. التحرش ليس نسخة مصغرة من العنف السياسي، لكن كليهما قد ينموان في بيئة واحدة: بيئة يتراجع فيها القانون لمصلحة القوة.

الشرف ليس حبس النساء

من أكثر المفارقات إيلامًا أن يتحول مفهوم "الشرف" من قيمة يفترض أن تحمي كرامة الإنسان إلى أداة لتقييد المرأة ومراقبة حركتها. فنقول لها: لا تخرجي ليلًا كي لا يتحرش بك الرجال، لا تذهبي وحدك كي لا تتعرضي للأذى، غيّري ملابسك حتى لا تستفزي أحدًا. وبذلك، بدل أن نضع المعتدي أمام مسؤوليته، نضع المرأة أمام مسؤولية لم ترتكبها. وقد كانت الدكتورة نوال السعداوي من أبرز الأصوات العربية التي فككت هذا النوع من التفكير؛ فقد خصصت في كتابها (قضية المرأة المصرية السياسية والجنسية) ـ الصادر عام 2017 عن دار هنداوي سي آي سي ـ فصلًا بعنوان (الازدواجية والمفهوم الخاطئ للشرف)، وناقشت ازدواجية المعايير الأخلاقية حين تُفرض على النساء دون الرجال. المشكلة، إذن، ليست في أن نعلّم المرأة كيف تتجنب الرجال، بل في أن نعلّم الرجال أن المرأة ليست مباحة لمجرد أنها تمشي وحدها في الشارع. وليس الحل أن نضيّق المجال العام على النساء حتى نقلل فرص التحرش، بل أن نجعل المجال العام آمنًا بما يكفي لكي تستخدمه المرأة مثل الرجل. المجتمع الآمن ليس المجتمع الذي تختفي فيه النساء من الشوارع خوفًا من الرجال؛ بل المجتمع الذي تستطيع فيه المرأة أن تمشي في الشارع دون أن تفكر في كيفية الهرب. الشرف الحقيقي لا يكون في حبس المرأة خوفًا من المجتمع، ولا في مراقبة جسدها وحركتها، وإنما في بناء مجتمع يحترم إنسانيتها وحريتها، ويحاسب من يعتدي عليها. الشرف أن نبني مجتمعًا لا تحتاج فيه المرأة إلى الاختباء.

المطلوب إعادة القانون إلى الشارع

لا يحتاج العراق إلى موجة جديدة من الغضب على مواقع التواصل الاجتماعي بقدر ما يحتاج إلى استعادة فكرة بسيطة: لا أحد فوق القانون، ولا أحد خارج حمايته. إذا كانت كاميرات الشارع وأرقام السيارات يمكن أن تساعد في تحديد المشاركين في الواقعة، فإن المطلوب تحقيق قانوني ومحاسبة قضائية، لا حملة تشهير أو أحكام شعبية. والمواد المصورة المتداولة تشير إلى إمكانية تمييز السيارات ووجود كاميرات في المنطقة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات المسؤولية الجنائية أو تحديد نتائج التحقيق. فالردع لا يصنعه الغضب. الردع يصنعه يقين المعتدي بأن القانون سيصل إليه. أن يعرف المتحرش أن الكاميرا قد تقوده إلى القضاء، وأن يعرف صاحب النفوذ أن نفوذه لا يمنحه حقًا في جسد امرأة أو حريتها، وأن تعرف المرأة أن الدولة تقف بينها وبين المعتدي، أيًا كان.

ليست حكاية فتاة

قد تنتهي حادثة شارع التانكي كما تنتهي معظم قصص مواقع التواصل: بضعة أيام من الغضب ثم النسيان.

لكنها تستحق أن تبقى في الذاكرة بوصفها سؤالًا عن شيء أكبر من الحادثة نفسها: كيف وصلنا إلى مجتمع يمكن أن تهرب فيه امرأة من مجموعة رجال، ثم يبدأ بعضنا بالبحث عن خطئها بدل السؤال عن خطأ من طاردها؟ لمشكلة ليست في فتاة ركضت. وليست في شارع بعينه. إنها في تراجع فكرة الدولة، حين يصبح القانون أقل حضورًا من القوة، وحين تتحول الأخلاق العامة إلى أحكام انتقائية، وحين يجد المواطن نفسه مضطرًا إلى الاحتماء بالجماعة بدل المؤسسة. الدولة لا تستعيد هيبتها بفرض قيود إضافية على الناس، ولا بمراقبة النساء، ولا بإلقاء المواعظ الأخلاقية. تستعيدها عندما يصبح القانون هو المرجعية الأخيرة للجميع.

عندها فقط يكون الشارع شارعًا، والمواطن مواطنًا، والحرية حقًا لا منحة. أما حين تضطر امرأة إلى الركض في شارع عام بحثًا عن النجاة، ثم نبحث نحن عن الذريعة التي تبرر مطاردتها، فالمشكلة لم تعد في أخلاق أفراد فقط. المشكلة أن القانون نفسه بدأ يتراجع إلى المقعد الخلفي.