اخر الاخبار

على امتداد أكثر من تسعين عاماً من تاريخ الصحافة الشيوعية في العراق، ظل صوت العمال حاضراً في صفحاتها، معبّراً عن هموم الطبقة العاملة، ومدافعاً عن حقوقها، وموثقاً لنضالاتها في مختلف مراحل التاريخ العراقي. ولم يكن هذا الحضور مجرد تغطية صحفية للأحداث، بل كان مشروعاً فكرياً ونضالياً ارتبط بالحركة العمالية والنقابية الديمقراطية، وأسهم في ترسيخ ثقافة العمل النقابي المستقل والدفاع عن العدالة الاجتماعية.

منذ صدور "كفاح الشعب" في تموز 1935، ارتبطت الصحافة الشيوعية في العراق بقضايا العمال والكادحين، فكانت منبراً للدفاع عن حقوقهم في التنظيم النقابي، والعمل اللائق، والعدالة الاجتماعية، والحريات الديمقراطية. وعلى امتداد تسعين عاماً، لم تغب أخبار المصانع وورش العمل وحقول النفط والموانئ والسكك الحديد عن صفحاتها، بل شكلت جزءاً أصيلاً من رسالتها الوطنية.

ومع صدور "اتحاد الشعب" بعد ثورة الرابع عشر من تموز، أصبحت صفحة "حياة العمال" مدرسة صحفية ونقابية رائدة، وواصلت رسالتها في "طريق الشعب"، موثقة نضالات الحركة العمالية، ومتابعة هموم العمال، ومدافعة عن حقوقهم في مختلف الظروف.

 ومنذ عام 1959، احتلت صفحة "حياة العمال"  في جريدة اتحاد الشعب مكانةً خاصة بوصفها منبراً للطبقة العاملة العراقية، إذ كانت تنقل أخبار مواقع العمل، وتعكس مطالب العمال، وتسلط الضوء على نشاط النقابات، وتناقش قضايا التشريعات العمالية، وظروف العمل، والسلامة والصحة المهنية، والضمان الاجتماعي، والأجور، وحقوق المرأة العاملة والشباب العامل.

ولم تكن هذه الصفحة مجرد نافذة إخبارية، بل شكلت مدرسةً صحفيةً ونقابيةً أسهمت في إعداد العديد من الكوادر الإعلامية والنقابية، وكان لها دور بارز في ترسيخ الوعي الطبقي والديمقراطي لدى آلاف العمال في مختلف أنحاء العراق.

وتكتسب هذه التجربة أهميةً خاصة بالنظر إلى ما رواه الفنان والخطاط الراحل محمد سعيد الصكار، الذي تولّى تصميم الصفحة، إذ أكد في مناسبة وطنية أن الشهيد الخالد سلام عادل كان يشرف بنفسه على إعداد صفحة "حياة العمال" ويتابع مضمونها، حرصًا على أن تكون منبرًا يعبر عن قضايا الطبقة العاملة ويدافع عن حقوقها. وقد جاءت هذه الشهادة في مناسبة حضرتها شخصيًا، الأمر الذي يضفي عليها قيمةً توثيقيةً مباشرة.

ومع تعاقب المراحل السياسية، واستمرار صدور الصحافة الشيوعية العراقية بأشكال مختلفة، واصلت جريدة طريق الشعب هذا التقليد العريق، لتصبح صفحة "حياة العمال" امتداداً طبيعياً للإرث الصحفي الذي بدأ قبل عقود. فاستمرت في مواكبة قضايا الحركة النقابية العراقية، وتوثيق نضالات العمال في القطاعين العام والخاص، والدفاع عن الحريات النقابية، وحق التنظيم، والعمل اللائق، والعدالة الاجتماعية، والحوار الاجتماعي، بما يعكس ارتباط الصحافة التقدمية بقضايا الكادحين ومصالحهم.

لقد تجاوز دور الصفحة حدود الخبر الصحفي، لتصبح أرشيفاً وطنياً لذاكرة الحركة العمالية العراقية، وسجلاً يوثق إضرابات العمال، ومؤتمراتهم، ومبادراتهم، وإنجازاتهم، كما حفظت أسماء العديد من النقابيين والمناضلين الذين أسهموا في بناء الحركة النقابية الديمقراطية في العراق.

ولا يكتمل الحديث عن الصحافة الشيوعية العراقية من دون التوقف عند مجلة "الثقافة الجديدة"، التي شكّل صدور عددها الأول في تشرين الثاني/نوفمبر 1953 محطةً مهمة في تاريخ الصحافة الثقافية التقدمية في العراق. فمنذ انطلاقتها، لم تقتصر المجلة على تناول القضايا الفكرية والأدبية والثقافية، بل أولت اهتماماً واضحاً بقضايا العمل والعمال، والدفاع عن حقوق الكادحين، وتعزيز الوعي الطبقي والنقابي، لتغدو منبراً يجمع بين الثقافة والالتزام الاجتماعي والوطني.

وبعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958، اتسع حضور المجلة وتأثيرها، فواكبت التحولات السياسية والاجتماعية، وكرّست صفحاتها لمناقشة التشريعات العمالية، وواقع الحركة النقابية، وظروف العمال في مختلف القطاعات، وأسهمت في نشر ثقافة الحقوق والحريات النقابية. كما استأنفت، في المراحل اللاحقة، ولا سيما بعد عودتها إلى الصدور إثر نيسان 2003، أداء رسالتها في الدفاع عن قضايا العمل والعمال، ومتابعة التطورات الاقتصادية والاجتماعية، وتوثيق نضالات الحركة العمالية العراقية.

 وقد احتلت القضايا النقابية والعمالية مساحة بارزة في صفحات "الثقافة الجديدة"، بعد إعادة صدورها في نيسان 1968 ولغاية عام 1979، عبر دراسات ومقالات ووثائق أسهمت في حفظ جانب مهم من الذاكرة العمالية العراقية، وفي مقدمتها كتابات القائد النقابي العمالي الراحل صادق جعفر الفلاحي، التي تناولت تاريخ الحركة النقابية، وتجاربها الكفاحية، وقضايا التنظيم النقابي، والدفاع عن حقوق العمال، لتغدو هذه الكتابات مرجعاً مهماً للباحثين والمهتمين بتاريخ الحركة العمالية في العراق، ودليلاً على الدور الذي اضطلعت به المجلة بوصفها منبراً للتنوير والدفاع عن العدالة الاجتماعية وحقوق الطبقة العاملة .

ومن المحطات المهمة في هذا المسار، صدور نشرة "الحركة النقابية" عام 1981 باسم حركة العمال النقابية الديمقراطية في الجمهورية العراقية. فقد جاءت هذه النشرة في ظروف سياسية وأمنية بالغة التعقيد، لتؤكد أن صوت العمال لا يمكن أن يُصادر، وأن الحركة النقابية الديمقراطية قادرة على مواصلة رسالتها رغم القمع والملاحقة والمنفى.

شكلت النشرة وسيلة للتواصل بين النقابيين العراقيين داخل الوطن وخارجه، وناقشت أوضاع العمال، وكشفت الانتهاكات التي تعرضت لها الحركة النقابية، وقدمت دراسات ومقالات حول التشريعات العمالية، وتجارب النقابات العالمية، وحقوق الإنسان، والحريات النقابية التي كفلتها المواثيق الدولية. كما أسهمت في الحفاظ على استمرارية الفكر النقابي الديمقراطي، وربط الأجيال الجديدة بتاريخ الحركة العمالية العراقية.

كما شكلت نشرة "الحركة النقابية"، التي صدرت عام 1981 باسم حركة العمال النقابية الديمقراطية في الجمهورية العراقية، امتداداً لهذا الإرث، محافظةً على استمرارية الصوت النقابي الديمقراطي رغم التحديات.

ولهذا، فإن «الحركة النقابية» تستحق أن تُدرج في سجل الصحافة الشيوعية العراقية، ليس لأنها صدرت في مرحلة معينة فحسب، بل لأنها جسدت أحد أهم تقاليدها؛ تقليد الانحياز إلى الإنسان العامل، وربط النضال من أجل الديمقراطية بالنضال من أجل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وبذلك أصبحت حلقة أساسية في تاريخ صحافة عراقية جعلت من قضايا العمال جزءاً ثابتاً من رسالتها على امتداد تسعين عاماً.

إن العلاقة بين صفحة "حياة العمال" في اتحاد الشعب، ثم في طريق الشعب، وبين نشرة "الحركة النقابية" ليست مجرد تسلسل زمني في وسائل النشر، بل هي تعبير عن استمرارية مشروع إعلامي ونقابي حمل راية الدفاع عن العمال عبر عقود طويلة، في مختلف الظروف السياسية والاجتماعية. وهو مشروع جمع بين الصحافة المهنية والالتزام الوطني، وبين التوثيق اليومي والنضال من أجل الحقوق والحريات.

واليوم، وبعد أكثر من تسعة عقود من تاريخ الصحافة الشيوعية العراقية، يبقى هذا الإرث الإعلامي شاهداً على أن الكلمة الحرة كانت، وما تزال، إحدى أهم أدوات الدفاع عن الإنسان العامل، وعن حقه في التنظيم النقابي، والعمل الكريم، والعدالة الاجتماعية، والدولة الديمقراطية التي تصون حقوق مواطنيها.

لقد أسهم في صناعة هذا الإرث أجيال من الصحفيين والكتّاب والنقابيين الذين جعلوا من الكلمة الحرة سلاحاً للدفاع عن الإنسان العامل. وستظل صحافة الحركة العمالية، وهي تحتفي بذكراها التسعين، شاهداً على أن قضايا العمال لم تكن يوماً هامشاً في تاريخ العراق، بل كانت في صميم نضاله من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

 ويبقى الوفاء الحقيقي لهذا الإرث أن يُجمع ويُوثَّق، وأن تُستعاد أسماء محرريه وكتّابه وروّاده، وأن تُروى سيرة المطابع السرية التي أنجبت هذه الصحف، بما حملته من شجاعة وتضحيات جسّدها رجال ونساء آمنوا بأن الكلمة الحرة فعل مقاومة وبناء. وأن تُحفظ أعداد »كفاح الشعب» و**«اتحاد الشعب»** و**«طريق الشعب»** و**«الحركة النقابية»** باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من الذاكرة الوطنية العراقية؛ فهي لم تكتب تاريخ صحفٍ وحسب، بل كتبت تاريخ العمال العراقيين، وكفاحهم من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، ومن أجل وطنٍ حرٍّ وشعبٍ سعيد.

 إن الحفاظ على هذا الإرث، وجمع وثائقه، ورقمنة أعداده، ودراسة محتواه، يمثل مسؤولية وطنية وثقافية ونقابية، لأنه ليس تاريخ صحيفة أو نشرة فحسب، بل هو تاريخ الحركة العمالية العراقية نفسها، بكل ما حملته من تضحيات وآمال وإنجازات. وسيظل هذا الإرث مصدر إلهام للأجيال الجديدة من النقابيين والصحفيين، ودليلاً على أن صوت العمال كان دائماً جزءاً أصيلاً من تاريخ العراق الحديث ومسيرته نحو الحرية والعدالة الاجتماعية.