اخر الاخبار

تضع حكومة السيد الزيدي الشراكات الاقتصادية مع كبرى الشركات العالمية، وبشكل خاص الأمريكية، في صدارة استراتيجيتها الاقتصادية، وقد باشرت توقيع مذكرات تفاهم مع عدد من الشركات الأمريكية، ولا سيما في قطاعي النفط والكهرباء. ويرافق هذا التوجه خطاب رسمي مفاده أن هذه الشراكات ستجلب الاستثمارات الأجنبية والخبرات العالمية لتنفيذ مشاريع من شأنها تحقيق معدلات نمو مرتفعة، والنهوض بالاقتصاد الوطني، من خلال تجاوز قيود المديونية وشح الموارد المتاحة لتمويل الإنفاق الاستثماري، بعد أن استنفدت النفقات التشغيلية في الموازنة العامة معظم الإيرادات النفطية. إلا أن التكتم والتعتيم ما زالا يحيطان بمضامين هذه الشراكات، وبأسسها، وبالعقود التي تم توقيعها أو يجري التفاوض بشأنها، ولا سيما في القطاع النفطي.

وإذا نظرنا إلى التجارب السابقة في العراق وبعض الدول الريعية الأخرى في مجال جذب الاستثمار الأجنبي، نجد أن هذه الاستثمارات انحصرت في استخراج الموارد الطبيعية أو تنفيذ مشاريع معزولة، من دون الإسهام في بناء قاعدة إنتاجية محلية، فظل أثرها محدوداً في تحقيق التنمية المستدامة.

في المقابل، تفيد التجارب الناجحة في الصين وكوريا الجنوبية وماليزيا بأن توظيف الشراكات العالمية والاستثمارات الأجنبية في خدمة التنمية وتحقيق معدلات نمو استثنائية يتطلب توافر عدد من الشروط الأساسية، في مقدمتها وجود استراتيجية وطنية واضحة للتنمية الصناعية تحدد القطاعات ذات الأولوية التي ينبغي توجيه الاستثمارات إليها، بدلاً من تركها تتحرك بصورة عشوائية وفق اعتبارات السوق والربحية. كما يتطلب ضمان شفافية العقود، وإخضاعها للرقابة البرلمانية والقضائية، وحماية المصلحة الوطنية في استغلال الموارد الطبيعية.

ولا تكتمل جدوى هذه الشراكات ما لم تضمن نقل التكنولوجيا وتوطينها، وزيادة تشغيل العمالة العراقية، وتنمية خبراتها وقدراتها العلمية والفنية والإدارية، وإعداد كوادر عراقية عالية التأهيل في مختلف المجالات الصناعية والتكنولوجية.

وتخلص التجارب العالمية الناجحة، كما تؤكدها البحوث والدراسات الاقتصادية، إلى أن تحويل الشراكات مع الشركات العالمية إلى أداة استراتيجية للتنمية المستدامة يتطلب الانتقال من نموذج شراء الخدمات لتنفيذ المشاريع إلى نموذج بناء القدرات.

وبذلك يمكن للعراق أن يحول الشراكات مع الشركات العالمية من مجرد عقود تجارية إلى أداة استراتيجية للتنمية، إذا صُممت بما يخدم بناء الاقتصاد الوطني، وليس مجرد زيادة الإنتاج أو تدفق الاستثمارات الأجنبية. ويتطلب ذلك توجيه هذه الشراكات بصورة رئيسية نحو تنويع الاقتصاد الوطني، وتطوير البنى التحتية، ونقل التكنولوجيا وتوطينها، وتعزيز المحتوى المحلي في تنفيذ المشاريع، وتنمية رأس المال البشري. كما يمكن أن تسهم في الإصلاح المؤسسي، وتعزيز الحوكمة، وتسريع التحول الرقمي في مؤسسات الدولة.

إن ما تقدم يوضح الأسباب التي تدعونا إلى مطالبة الحكومة بانتهاج أعلى درجات الشفافية، وعرض الاتفاقيات الاقتصادية الدولية والعقود الخاصة بالقطاعات الاستراتيجية، ولا سيما القطاع النفطي، على مجلس النواب، وإطلاع الرأي العام على رؤية الحكومة واستراتيجيتها التنموية، والضمانات التي تكفل حماية المصلحة الوطنية وصون حقوق العراق السيادية في إدارة موارده الطبيعية واستثمارها.