اخر الاخبار

الجميع يعلم أن إقليم كردستان يمر بظروف سياسية وإدارية حساسة ومعقدة. وبالنسبة لنا، يعود جزء كبير من هذا الوضع إلى تراكم جملة من الظواهر والمشكلات السابقة والحالية في أسلوب ونهج إدارة السلطة، مما أدى إلى أزمة شاملة طالت جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ونرى تداعياتها اليوم بوضوح.

إن الأزمات والمشكلات الداخلية في إقليم كردستان لا تقتصر على تعطيل البرلمان والحكومة والمؤسسات الوطنية والشرعية فحسب، بل تتمثل بالدرجة الأولى في تعطيل دور المواطنين في السياسة والإدارة. وبسبب المتغيرات العالمية والإقليمية والوضع الداخلي، يواجه إقليم كردستان مرحلة خطيرة. فالأزمة لا تكمن فقط في الانسداد السياسي بين التحالفين الحاكمين، كما يظهر في وسائل الإعلام، بل إن جوهرها يتمثل في غياب المشاركة السياسية والمواطنة الفاعلة بوصفهما المصدر الأساسي والشعبي لشرعية السلطة. وتشير استطلاعات الرأي في هذا الصدد تشير إلى مؤشرات مقلقة، إذ لم يعد المواطن يرى نفسه مصدراً للسلطة أو شريكاً في الإدارة، ولم يعد الأمر يقتصر على القضايا الداخلية فحسب، بل وصل إلى مرحلة خطيرة تمس القضايا الوطنية أيضاً.

1- الأزمة الشاملة

إن ظاهرة غياب المشاركة السياسية أو ضعفها هي انعكاس لبرنامج وهيكلية النظام السياسي والاقتصادي والإداري في إقليم كردستان على مدى أكثر من ثلاثين عاماً، وهو ما يواجه اليوم أزمة شاملة. وتُظهر الصورة العامة أن النظام بأكمله، وحتى الحياة الحزبية، لم يعودا يتمحوران حول المواطن والوطن، بل أصبحا في خدمة "مركز عائلي وطغمة مالية *أوليغارشية" يراكمان القوة والمال بصورة متزايدة على حساب تهميش المواطنين وإفقارهم وإضعاف كيان الإقليم نفسه. وتكشف البيانات عن تراجع مقلق في الحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية، وفي الوقت نفسه امتد هذا التراجع ليؤثر في كيان الإقليم في مواجهة عقلية المركزية للدولة العراقية.

2- الخطاب والعقلية الشعبوية

إن برامج وعقلية وأداء قوى تحالف السلطة هم المسؤولون الرئيسيون عن هذا الوضع. ومن جهة أخرى، فإن الخطاب والبرامج الشعبوية لغالبية قوى المعارضة تتحمل نصيباً من المسؤولية، بحسب حجم تأثيرها، كما أن السلطة نفسها ليست بمنأى عن هذا الخطاب. ومن دون نقد الخطاب الشعبوي ووضع قوى المعارضة أمام مسؤولياتها، لا يمكن إجراء تقييم موضوعي للوضع الراهن.

وفي ظل ظرف تصبح فيه قمة الهرم في السلطة هي مصدر الأزمات، فإن العودة إلى الشعب وإلى المراكز العلمية والثقافية تمثل الحل. وفي هذا الإطار، أجرى المكتب السياسي للحزب الشيوعي الكوردستاني سلسلة من الحوارات مع مختلف الشرائح والنخب في مدن أربيل والسليمانية ودهوك وكركوك وإدارة رابرين، وهذه الخارطة هي نتاج تلك الحوارات التي أُجريت مع مئات المواطنين والنخب.

الجزء الأول: المجال السياسي وتغيير مركز العمل السياسي

للخروج من الدائرة المفرغة لـ "حرب داخلية غير منتهية"، يجب إعادة النظر في مركز العمل السياسي. وبالنسبة لنا، فإن تحديد الفئات والشرائح المستهدفة، مثل العمال والكادحين والموظفين والنساء والشباب العاطلين عن العمل، يمثل جوهر عملنا ورؤيتنا. وهذه الخارطة، بدلاً من الانشغال بحساب "استحقاقات المقاعد الانتخابية"، هي خارطة طريق لـ "استحقاقات الفئات والشرائح المهمشة". إن عملنا لا يتمثل في تقديم النصح للسلطة بشأن كيفية تقسيم "كعكة السلطة"، لأن ذلك لن يحل الأزمات، بل هو محاولة لإعادة المعنى الحقيقي للعمل السياسي والتمهيد لمشاركة سياسية تشمل الجميع، وهو ما يتطلب عملاً هادئاً ونفساً طويلاً.

الجزء الثاني: مجال الحوكمة (الإدارة)

لا تقتصر مطالبنا على تفعيل البرلمان وتشكيل كابينة وزارية جديدة، بل إن مضمون الرؤية وبرنامج العمل والإرادة السياسية للكابينة الجديدة هي التي تحدد المسار. ولأجل ذلك، نؤكد على النقاط الآتية:

• ضرورة إجراء تغييرات وإصلاحات شاملة في النظامين السياسي والاقتصادي، ومراجعة السياسات التي أصبحت تشكل تهديداً للأمن القومي، وأدت إلى غياب الاكتفاء الذاتي.

• توضيح مفهوم الإصلاح للجماهير عبر خطوات عملية، وإنهاء الاحتكار، ووضع حد للتدخل الحزبي في شؤون الحكومة والمؤسسات.

• مراجعة السياسة الاقتصادية، والابتعاد عن سياسات البنك الدولي وخطواته الرامية إلى خصخصة القطاع العام.

• التزام الحكومة بتوفير فرص العمل، وتأمين إعانة البطالة، والخدمات الصحية والتعليمية المجانية، مع ضمان الشفافية وتفعيل الرقابة.

• تنويع مصادر الدخل، مثل الزراعة والسياحة والصناعة، ودعم الشباب لتأسيس المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

• توحيد قوات البيشمركة والمؤسسات الأمنية على أساس الولاء للعقيدة الوطنية، ورفع يد الأحزاب عن قوات البيشمركة، والآسايش (الأمن)، وجهاز مكافحة الإرهاب، والاستخبارات، والشرطة، والزيرفاني، وغيرها.

• الفصل بين السلطات، وتعزيز استقلال المؤسسة القضائية، ومواجهة الفاسدين وبيئة إنتاج الفساد ونهب الثروات الطبيعية.

الجزء الثالث: كيان إقليم كردستان

إن صياغة خارطة طريق وطنية لمواجهة ضغوط الحكومة العراقية تمثل ضرورة ملحة لتمكين الإقليم من تجاوز الحصار المفروض عليه، وإن النضال من أجل حماية كيان إقليم كوردستان واستكمال مرحلة التحرر الوطني لا يتحقق بالشعارات، بل يرتبط بتوفير الحقوق، والعيش الكريم، وتحقيق الحكم الرشيد. ولن يتحقق ذلك من دون التغيير وتنفيذ النقاط المذكورة أعلاه. ولتحقيق هذه المطالب، سنسخر جميع إمكانياتنا، ونناضل بالوسائل المدنية والسلمية، في نضال مشترك مع الحركات الاجتماعية والقوى التي ترى نفسها جزءاً من قوى التغيير الاجتماعي والسياسي.

ملاحظات عامة

أولاً: هذه هي الخطوط العريضة لخارطة الطريق الوطنية للخلاص من الأزمات، نحو العدالة، والمشاركة السياسية للجميع، والاتفاق على برنامج التغيير، وحماية كيان الإقليم. وهذه الخطوط تحتاج، في جميع المجالات، إلى مزيد من التفصيل وآليات مناسبة لتحويلها إلى ضغط فكري وسياسي وجماهيري من أجل تحقيق الإصلاح الشامل. فهذه عملية بناء مستمرة، وليست عملاً يُنجز بين يوم وليلة.

ثانياً: كما أن هذا المشروع سيواجه معارضة من مركز الطغمة المالية بوصفه العائق الرئيس أمام تنفيذه، فإننا نعلم أيضاً أنه ينسجم مع مصالح أغلبية شعب كوردستان، والفئات المهمشة، وكيان الإقليم نفسه؛ لذا ننظر بتفاؤل إلى مستقبل هذا المشروع وفرص نجاحه.

ثالثاً: تمثل هذه الخارطة محاولة لنقل الحوار السياسي من مستوى "صراع القوى السياسية" إلى المستوى الأعمق للأزمة، أي أزمة المشاركة السياسية، وشرعية السلطة، والعلاقة بين المواطن والمؤسسات. فقد غيّبت الحوارات السياسية الحالية في الإقليم الأسباب العميقة للأزمة تحت وطأة الصراعات الحزبية اليومية، وتسعى هذه الخارطة إلى إعادة الاعتبار لمفهوم "المواطن" بوصفه محور القضية السياسية.

رابعاً: سيستمر عملنا مع المجموعات والشرائح المهمشة، ومع جميع القوى والجهات اليسارية والتقدمية والمثقفين، من أجل بناء قوة كبيرة للتغيير السياسي والاجتماعي، وصولاً إلى كوردستان عادلة، وقوية، وناجحة، تحقق تطلعات مواطنيها.

ـــــــــــــــــــــــ

* قدم هذا المشروع من قبل الرفيق هيوا عمر نائب سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الكردستاني خلال مهرجان جماهيري التأم في مدينة أربيل، لمناسبة الذكرى الثالثة والثلاثين لإعلان الحزب الشيوعي الكردستاني.ش