اخر الاخبار

لم يكن لمنطق توازن القوى الذي اقرته العلاقات الدولية، ان يرجح الفوز لإيران في حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، انما اتقفت كل الدراسات على خسارتها الحرب لكونها وفق منطق ذاك التوازن لا تمتلك ما تمتلكه الدولتان من تكنولوجيا الحرب وتقدم أساليبها وأدواتها، كما وأن الضربة الأولى وفق العلم العسكري هي من يحقق بداية الانتصار، كما وأن إيران لا تمتلك سلاحا جويا يحمي السماء او يدافع عن القوات التي تدب على الارض، وانها كما دلت الوقائع ضعيفة في دفاعاتها الجوية او راداراتها الذكية .

ما هو معين إيران في الحروب مع الغير

إن لإيران جغرافيا عسكرية متميزة، تتراوح بين مساحة واسعة تصل إلى 1،617 . مليون كيلومتر مربع وسهول تساعد على السوق العسكري، وهضاب تعد مثالية لمنصات الصواريخ، الاعتيادية منها والبالستية، كما وانها تحتكم على جبال متفاوتة الارتفاع تساعد على إخفاء الأسلحة الاستراتيجية، او انها تمتلك كهوفا تعد من أحصن المواقع لإخفاء الاسلحة او تطوير الانتاج العسكري، كما وأن إيران دولة صناعية تمتلك خامات تساعد على النمو الصناعي ( العسكري والمدني ) وفي مقدمة تلك الخامات النفط والغاز بأنواعه إضافة إلى مكامن للمياه تساعد على النمو الزراعي لكونها أيضا دولة زراعية وبمواسم انتاجية على مدار العام، وأن أغلب مدنها تنام بين غابات طبيعية معمرة، ولها أجواء المنطقة المعتدلة الشمالية، تساعدها على العمليات العسكرية، وتعد إيران من الدول ذات الاكتفاء الذاتي في المنتجات الزراعية والغذائية التي تساعد الجيوش على الحركة والمطاولة . اما أهم ما يميزها انها تضم شعبا يحب بلاده، بغض النظر عن حكامه، وله قيادات تمتلك إرادة المطاولة، وتعيش اليوم تلك القيادات السياسية او العسكرية عيشة بسيطة كما شاهدناها لا تتناسب حقا مع ابسط مستلزمات حياة القادة، وهذا محسوب على قدرة المطاولة وعدم التسليم بسهولة لشروط الغير.

إن التظاهرات التي عمت البلاد لمرات متعددة بسبب سوء الأحوال المعاشية والمعيشية او بسبب الخلافات مع السلطة الدينية، لم تكن لتجدد أيام الحرب كما توقع الكثير من المحللين، وعزوها لقوة اليد الماسكة بالسلطة او سطوة الحرس الثوري، وأني رأيت أنها لم تتجدد بسبب العدوان، اي أن العدوان وحد البلاد، وهذا محسوب للمواطن الإيراني الواعي، لا للقيادة، وان الرأي العام المستقرأ، لم يكن رأي إملاء، انما هو رأي استقراء، استقراء المواطن البسيط الإيراني لواقع الحرب، وانها ماضية ضد بلاده، وهي الأهم من حياته، وهو ما كان معينا للمحاربين .

إيران بين الطموح وردود الافعال

منذ انتصار الثورة الاسلامية على الامبراطورية البهلوية في عام 1979 والجمهورية الاسلامية لاهية بترتيب أوضاع ثورتها في العالم الاسلامي معتقدة انها في جو الانتصار الثوري على الشاه قادرة على حمل رسالتها دون اعتراض من الغير، وفي مقدمة الغير الولايات المتحدة التي غضت النظر عن حدوث الثورة وضحت بالحليف القديم، وربما تفاجأت وهي تهاجم منذ اللحظات الاولى وتحتل الثورة سفارتها، وهكذا تبادل الطرفان العداء منذ نصف قرن تقريبا، وقد تحول العداء إلى حرب ساخنة حاولت إيران ان تتعادل بها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، غير ان محاولاتها لم تكن محسوبة لان تكنلوجيا الولايات المتحدة وجيشها الاول في العالم وحقد إسرائيل عليها جعلاها ضحية لعمليات عسكرية كانت لصالح البادئ بها وفقا لعلوم الكليات العسكرية، وان نتائج هذه الحرب كانت قاسية على المواطن، وعلى الاقتصاد وعلى البنى التحتية، وأخيرا على قدرة إيران في المطاولة، وكانت أذيال هذه الحرب تفكك أذرع إيران في لبنان، وتقلم أظافر اليمن، وتهدد امتداداتها في العراق، إضافة إلى استئثار إسرائيل بحصة الأسد في غزة، آتية على المقاومة الفلسطينية وممتلكات أهل القطاع الفقراء .

إن إيران المسلحة بالعقيدة العسكرية التي يقودها الحرس الثوري لا ترى في هذه الحرب الا واحدة من جولات المقاومة لأمريكا وإسرائيل، بغض النظر عن النتائج بعيدا عن حسابات الجدوى الاقتصادية، او خسائرها المادية، وهذه العقلية لا زالت تنتمي إلى مدرسة الثورة الدائمة التي انتشرت بداية القرن العشرين وتوجتها الأمم المتحدة بقرارها التاريخي إزالة آثار الاستعمار، رقم 1514لعام 1960. وظلت إيران بناء على ما تقدم، ومنذ 47 عاما تقدم نفسها على انها حامية للإسلام، بغض النظر عن قبول هذا الطرف الإسلامي او ذاك لأسباب كثيرة منها الخلافات المذهبية، وتعارض مصالح الانظمة السياسية، كل هذه العوامل إضافة إلى ما يضمره ترامب في دورته الثانية من عداء لنووي إيران وعدم قبوله في سياستها في المنطقة وعلاقاتها القوية مع الصين وكوبا والهند، وفنزويلا ما دوروا، وتحالفها مع روسيا، نعم كل هذه العوامل مهدت الطريق لهذه الحرب، لكن الفتيل كان السابع من اكتوبر عام 2023.

الدبلوماسية الإيرانية وفرص السلام

الدبلوماسية وفقا لعلم السياسة ، هي فن المفاوضة وتتحقق بدرجات ثلاثة كما كان يمليها علينا الدكتور هشام الشاوي في درس الدبلوماسية .وهي .

أولا - ان تبدأ بأعلى السقوف، حسب تاريخ الدبلوماسية الرومانية. وتتنازل مقابل مكاسب تريدها انت لمصلحة بلادك .

ثانيا- عالج كل قضية على حدة (deal each situation on its merits.) اي ان تتجاوز طريقة السلة الواحدة .

ثالثا-.ضحي بفائدة قليلة في الحاضر لفائدة أكبر في المستقبل .sacrifice amediat benefit for more future advantage ..

لقد انتصرت الدبلوماسية الإيرانية على الآلة العسكرية الأمريكية، وأنا لا أغض النظر عن خسائر إيران المادية والبشرية، إنها مسؤولية القيادة، ولكن استطاعت إيران ان تبعد المفاوض الأمريكي بنفسها الطويل عن المطالب الأمريكية الثلاثة، وهي .

أولا - المخزون النووي، والتخصيب، ومواقع الطرد المركزي .

ثانيا -الأسلحة البالستية ومديات الصواريخ المسوح بامتلاكها .

ثالثا- التخلي عن الاذرع المتعاطفة معها، وعدم التدخل في شؤون الدول الأربع العربية وأمور المقاومة الفلسطينية .

إن قدرة إيران في تطويع الدبلوماسية الأمريكية بطريقة اتباع النفس الطويل، واسلوب التمرد والعودة، جعلها تبتعد بالمحاور الأمريكي تدريجيا، من مطالبه الثلاثة إلى مطلب واحد الا وهو فك الحصار عن مضيق هرمز، وهنا بدأت قدرة المفاوض الإيراني من تحويل الحالة من رضوخه لمنطق المنتصر إلى مطاولته وفقا لمنطق المحاصر للاقتصاد العالمي، وهنا شعر ترامب لأول مرة انه تسبب في الأزمة اقتصادية للعالم، وانه صار محط نقد حلفائه قبل أصدقائه او أعدائه، وكان للمفاوض الإيراني موفق في تحويل احتياجاته إلى شروط، الا وهي فك الحصار عن الموانئ اولا، إطلاق الأموال الإيرانية المجمدة، ثانيا وثالثا اطلاق حرية إيران ببيع نفوطها إلى الدول المتعاقدة معها ومنها الهند والصين .

إنني لست في معرض كيل المديح، ولكن أسلم كالآخرين، ان العلاقات الدولية هي سلسلة تبادل للسلع والافكار والعيارات النارية، والدبلوماسي الناجح، هو من سخر تبادل الافكار إلى مكاسب، وحول من خصمه المنتصر إلى مغلوب متحير، وهذه هي نتاج قدرة الدبلوماسية الإيرانية ازاء إمكانات وزارة الخارجية الامريكية.