اخر الاخبار

يقوم البعض، في محاولة مكشوفة لحرف الأنظار عن الأسباب الحقيقية للأزمات المتجذرة في العراق، بترويج تصريحات مضللة تحمل “الاشتراكية” وزر المآزق الاقتصادية والخدمية التي تشهدها البلاد. إن تحميل “الاشتراكية” مسؤولية أزمات العراق الراهنة ليس سوى محاولة لخلط الأوراق، وحجب الرؤية عن العيوب الهيكلية للنظام القائم على المحاصصة الطائفية. فغالبية الخبراء والمحللين يجمعون على أن الجذور الحقيقية للأزمة تكمن في غياب التخطيط الممنهج، وتفشي الفساد المالي والاداري، وارتهان الدولة للاقتصاد الريعي النفطي، فضلا عن تخبط السياسات الاقتصادية غير المتزنة. لقد انتجت المحاصصة الطائفية بيئة طاردة للكفاءات والخبرات الوطنية، مقابل تمكين الولاءات الحزبية الضيقة دون أدنى اعتبار للنزاهة أو المؤهلات.

تناقش هذه المقالة الأضرار البنيوية لنظام المحاصصة، وتستعرض جذورها التاريخية وسياق نشأتها في العراق، وصولا إلى تقديم مقترحات وعلاجات عملية للقضاء عليها. 

لمحة تاريخية:

مر العراق بتجربة حكم دكتاتوري هيمن فيها الحزب الواحد على السلطة لنحو ثلاثة عقود ونصف، مما أسفر عن هيكلية سياسية واقتصادية متصلبة تفتقر المرونة والتنوع. وقد سخر النظام الموارد الوطنية قاطبة لضمان بقائه، فوجهها نحو تضخيم الأجهزة الأمنية، وتمويل برامج العسكرة، ودعم تنظيمات خارجية على حساب التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة. ولتغليف هذه السياسات بشرعية زائفة، اتكأ الخطاب السلطوي على دعايات أيديولوجية تروج للهيمنة القومية وتفتعل الصراعات الخارجية. ونتيجة لتقويض التعددية واحتكار القرار، تعمقت الانقسامات المجتمعية، وتحول الاقتصاد الوطني بأكمله إلى ركيزة لخدمة آلة القمع والمؤسسة الامنية والحربية، حيث تفردت الدولة ومؤسسات الحزب الواحد بإدارة الثروات، ورسم الخطط التنموية بما يضمن استدامة النفوذ وتكريس احادية الحكم.

أرست هذه السياسة دعائم اقتصاد أحادي الجانب ومشوه، مما أعاق تطور قطاع إنتاجي وطني مستقل يعول على المبادرة والإبداع والمنافسة محليا وعالميا. وأسفر هذا النهج عن تكريس هيمنة اقتصاد ريعي عزز من سيطرة الحزب الواحد على مقاليد الدولة، ليصبح الولاء السياسي هو المعيار الأساسي بدلا من الكفاءة الاقتصادية والجدوى التنافسية. وتطورت الامور تدريجيا حتى تماهت الهيئات الاقتصادية مع المؤسسات العسكرية والأمنية، وسخرت موارد الدولة لخدمة الأهداف الأيديولوجية للسلطة الحاكمة، متجاهلة بذلك الاحتياجات الفعلية للمجتمع. وقد أفرز هذا الوضع تفاوتات طبقية حادة، حيث اتسعت الفجوة بين الموالين للحاكم وبقية أطياف المجتمع. ونتيجة لذلك تشكلت شبكة معقدة من المصالح لشراء الولاءات والتغلغل في مفاصل المجتمع، مما مكن السلطة من إخماد أي أصوات معارضة تطالب بالتغيير أو تسعى لخدمة الصالح العام.

مع صعود نظام شمولي ذي طابع أيديولوجي مغاير في الجوار العراقي، وكنتيجة حتمية لتضارب مصالح الطرفين، اندلعت الحرب العراقية الايرانية بين نظامين سلطويين سخرا مقدرات بلديهما الاقتصادية ومسارات التنمية المجتمعية لخدمة أيديولوجيا السلطة وتثبيت هيمنة الطبقة الحاكمة.

إثر تصاعد السياسات الاستبدادية وسعي كل طرف لتصدير أيديولوجيته وفرض نفوذه الإقليمي، وقع الصدام المباشر بين نظامي طهران وبغداد، مما عمق عسكرة الاقتصاد وتدخل كل منهما في الشؤون الداخلية للآخر. وقد ترجم هذا التغلغل في استقطاب الولاءات عبر التضليل العقدي وشراء الذمم، مما أسفر عن ولادة حركات ومليشيات تدين بالولاء المطلق لهذين النظامين.

أسهم صعود هذه الحركات والأفكار في حرف مسار الوعي السياسي والاجتماعي عن غايته الأساسية، المتمثلة في تحقيق التنمية الوطنية. وبدلا من ذلك، جرى توظيفه لخدمة أنظمة عقائدية تسلطية. واستهدف هذا التوجه - المدفوع بقمع الأنظمة وتحريف التيارات الطائفية لمفاهيم التقدم- تقويض الحركات الوطنية التاريخية، وتحويل المجتمع بأكمله إلى ركيزة تخدم سلطة الأفراد والتنظيمات ألأيديولوجية.

تقاطعت التوجهات الإيرانية مع السياسات الدولية بقيادة الولايات المتحدة، والتي صنفت نظام بغداد آنذاك كتهديد مباشر لمصالحها، مما دفع طهران إلى تسهيل إسقاط النظام والسير نحو التغيير السياسي بعد غزو عام 2003، وما اعقبه من تفكيك لمؤسسات الدولة العراقية. وأسفر هذا التحول عن إخلال بالتوازن الإقليمي، مخلفا فراغا سياسيا وأمنيا واسعا، إلى جانب تبدل ثقافي ملحوظ. وقد استثمرت القوى السياسية الموالية لإيران هذا المشهد لبسط نفوذها وهيمنتها على مفاصل مجتمعية واسعة تحت غطاء “التحول الديموقراطي”. وجرى توظيف الروابط الدينية لخدمة أجندات سياسية واقتصادية تهدف إلى السيطرة على موارد البلاد وتوجيهها لتمويل هذه القوى، فضلا عن تقاسم مؤسسات الدولة بين الأحزاب النافذة وفق نظام المحاصصة الطائفية والأثنية.

تجمع الدراسات الصادرة عن مراكز الابحاث المستقلة، مثل مؤسسة بروكينغز ومعهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى، على أن الاحتلال الأمريكي قد مهد الطريق ميكانيكياً وقانونياً لتقسيم العراق، بينما كانت القوى المرتبطة بإيران هي الأداة التنفيذية الفاعلة التي عززت هذا الانقسام وحولته إلى واقع مؤسسي دائم لحماية مصالحها السياسية والإقليمية.

فعمدت سلطات الاحتلال الأمريكي إلى إرساء سياسات التقسيم الطائفي والمكوناتي في المجتمع العراقي منذ الأيام الأولى، وذلك عبر خطوات ممنهجة بدأت بتشكيل “مجلس الحكم الانتقالي” وفق حصص مبنية على الانتماءات (شيعة، سنة، أكراد، تركمان، ومسيحيين)، مما أدى إلى شرعنة نظام المحاصصة للمرة الاولى في تاريخ العراق الحديث.

تلى ذلك قرارات ارتجالية وجائرة بحل الجيش العراقي والمؤسسات الأمنية، وما رافقه من ملاحقات كيدية أحدثت فراغا أمنيا وتوترا اجتماعيا غير مسبوق. وفي ظل غياب هيبة الدولة وقسوة الملاحقات، أضطر آلاف العراقيين إلى اللجوء لهوياتهم الفرعية (الطائفية والعشائرية) بحثا عن الحماية والأمان.

وتوجت هذه التوجهات بإقرار دستور عام 2005، الذي كرس مفهوم “المكونات” على حساب مفهوم المواطنة الجامعة، ليجعل بذلك من الانقسام العرقي والطائفي ركيزة أساسية في البنية القانونية والسياسية للدولة.

في ظل هذه الخلفية والظروف، نشأت أحزاب سياسية على أسس طائفية وعرقية، مما خلق بيئة حاضنة عززت البنية الطائفية التي كرسها الاحتلال. ومع تعاظم الدور الإيراني في المنطقة، تمكنت القوى الموالية لطهران من تجذير وجودها، وفرض هيمنتها، وتوسيع نفوذها عبر استراتيجية التعبئة الطائفية الشاملة، مستغلة مظلوميات تاريخية لتحشيد الناخبين وانتزاع الشرعية. بالتوازي مع ذلك، أنشأت هذه القوى فصائل مسلحة خارج أطر الدولة ساهمت مباشرة في تغذية النزاعات الأهلية، وتعد أحداث ما بعد تفجير مرقد العسكريين في سامراء دليلا جليا على ذلك. وبتدريج ممنهج، أحكمت هذه الفصائل قبضتها على الوزارات والموارد الاقتصادية، محولة إياها إلى إقطاعيات مالية تخدم نخبها السياسية، مما أسفر عن تفشي الفساد، وتآكل الهوية الوطنية، وتقويض مسارات التنمية.

وخلاصة القول، إن إسقاط نظام الحزب الواحد الديكتاتوري عبر الاحتلال، لم ينتج نظاما ديموقراطيا حقيقيا يلبي المصالح الوطنية للشعب العراقي، بل انتج نظاما تتحاصص فيه أحزاب قائمة على الطائفية والإثنية تحولت لاحقا إلى اوليغارشيات تتداول السلطة بواسطة نظام انتخابي سمته مراكز البحوث العالمية مثل:

المعهد الفنلندي للشؤون الدوليةThe Finnish Institute of International Affairs و The London School of Economics and Political Science     مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، سمت النظام الحالي في العراق بالاستبدادية الانتخابية Electoral Authoritarianism

هذا النظام الجديد لم يقض على مساوئ سلفه، بل غير شكلها فقط، وتتجلى مظاهر ذلك في الآتي:

- تدهور البنية الاقتصادية:  تفاقم جمود الاقتصاد الوطني، وازداد انعدام تنوعه القطاعي.

- هيمنة أحزاب المحاصصة: تسخر قوى السلطة موارد البلاد لخدمة مصالحها الفئوية واستمرار قادتها، مستعينة بمليشيات مسلحة تمولها لحمايتها وقمع المواطنين.

- التضليل الأيديولوجي: تعتمد هذه الأحزاب على الدعاية العقائدية المضللة لتزييف وعي الجماهير، تمام كما كان يفعل النظام السابق.

- تأسيس اقتصاد أوليغارشي: أرست السياسات الحالية دعائم اقتصاد احتكاري فاسد، يعوق نمو أي قطاع إنتاجي حر.

- غياب معيار الكفاءة: يرتكز مبدأ المحاصصة على الولاء الحزبي والسياسي العقائدي لشغل الوظائف وإدارة مفاصل الدولة، عوضا عن الجدارة والمقدرة.

- تصاعد وتيرة القمع: مع تصاعد اصوات الاحتجاجات الشعبية، تشتد قبضة النظام في قمع الأصوات المعارضة التي تسعى لتحقيق الصالح العام بالسبل المشروعة المتاحة.

وتعد المحاصصة الطائفية والسياسية هي المحرك الرئيسي للأزمات المركبة التي تواجه العراق منذ 2003، حيث يتم تقسيم المناصب والوزارات بناء على الانتماءات الطائفية والحزبية بدلا من الكفاءة.

مما يؤدي إلى تداعيات قاسية وكبيرة ومنها:

- الهدر المالي: فيتم تحويل الوزارات والمؤسسات إلى “اقطاعيات حزبية” لتمويل القوى السياسية.

- ضعف الرقابة: تعطيل الأجهزة الرقابية بسبب الحماية السياسية والمذهبية للمسؤولين والموظفين الفاسدين.

- غياب الكفاءة: إسناد المناصب التنفيذية العليا لأشخاص غير مؤهلين بناء على الولاء الحزبي.

- البطالة المقنعة: تضخم القطاع العام بالتعيينات العشوائية لشراء الولاءات الانتخابية.

- تراجع الخدمات: تدهور البنية التحتية في قطاعات الكهرباء، الصحة، والتعليم رغم انفاق المليارات.

- تردي الاستثمارات: القيام باستثمارات فاسدة وزائفة وهروب رأس المال الوطني والاجنبي النزيه بسبب الابتزاز وغياب تطبيق القانون.

- تعميق الشرخ الاجتماعي: ترسيخ الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة.

إن ربط الأزمات الراهنة في العراق بالفكر الاشتراكي يعد تشخيصا خاطئا، وقد يراد به حجب العيوب الحقيقية والتعمية عن أصل المشكلة. فالعلة الاساسية والقاتلة للدولة العراقية تتمثل في بنية المحاصصة، وهيمنة القوى السياسية الطائفية وعائلاتها على مقدرات البلاد. 

كيف يمكن إنهاء المحاصصة الطائفية؟

إن تفكيك نظام المحاصصة الطائفية يستوجب توافر إرادة سياسية حازمة تتناغم مع تطلعات وضغط الشارع، بالتوازي مع الشروع في مسارات إصلاحية جادة. وتتجلى أبرزها في اجراء تعديلات دستورية جوهرية، وتأسيس دولة مؤسسات فاعلة، وإرساء دعائم المواطنة المتساوية التي تكفل حقوق الأفراد بمعزل عن انتماءاتهم الدينية أو المذهبية أو العرقية.

ويمكن تلخيص خطوات الإصلاح والقضاء على نظام المحاصصة في النقاط التالية:

1- المسار الدستوري والقانوني:

- صياغة وتعديل البنود الدستورية التي تفسح المجال لتقاسم السلطة على أساس المكونات ( وتجاوز العرف السائد في توزيع الرئاسات الثلاث)، واستبدالها بنصوص تؤكد على أن الكفاءة والولاء للوطن هما المعيار الاساسي.

- تجريم الطائفية، تشريع قوانين صارمة وواضحة تجرم الخطاب الطائفي والتمييز المذهبي أو العرقي في المؤسسات الحكومية والسياسية.

- وضع قانون أحزاب يفعل حظر الأحزاب التي تقوم وتتأسس على خلفية طائفية أو تمتلك اجنحة مسلحة.

- إنهاء المظاهر المسلحة خارج اطار القوى الامنية المركزية وحصر السلاح بيد الدولة حصرا.

2-  المسار السياسي والإداري:

- التحول إلى الاغلبية السياسية، نبذ حكومات “التوافق الوطني” (المحاصصة) وتشكيل حكومات أغلبية سياسية وطنية تشترك فيها برامج وطنية عابرة للطوائف، مع وجود معارضة ومراقبة قوية.

- ضمان استقلالية الهيئات الرقابية، وإبعاد هيئة النزاهة، وديوان الرقابة المالية، والقضاء عن أي توافقات أو تدخلات حزبية أو طائفية لضمان محاسبة المفسدين. 

- اصلاح قانون الخدمة المدنية، لضمان إدارة الوظائف العامة وإشغال الدرجات الخاصة وفق معايير الكفاءة والمهنية والنزاهة بدلا من الانتماء الحزبي أو الطائفي. 

3- المسار الانتخابي والمدني:

- تعديل قانون الانتخابات، واعتماد نظام انتخابي يضمن تمثيل الأفراد والبرامج الوطنية بشكل عادل، ويحد من سيطرة الأحزاب القائمة على أساس طائفي أو مناطقي. واعتماد دوائر انتخابية تفرز ممثلين على أساس الكفاءة والبرامج لا المكونات.

- استمرار ودعم الضغط الشعبي والمدني، ودعم منظمات المجتمع المدني، النقابات، وحركات الاحتجاج السلمي والضغط المستمر على الطبقة السياسية لتفكيك منظومة المحاصصة التي تعد المسبب الرئيسي للفساد الاداري والمالي.

- دعم التعليم والثقافة، بنشر ثقافة المواطنة، وتعزيز الهوية الوطنية العراقية الموحدة في المناهج التعليمية ووسائل الاعلام، وفضح وتهميش الخطاب الذي يكرس الانقسامات. 

4- المسار الاقتصادي:

- اصلاح النظام المالي، وحصر الثروات وتوزيعها وإدارتها وفقا للتخطيط الا تحادي المركزي العادل، ومنع استغلال موارد الدولة وموازنتها كأدوات للابتزاز أو المكاسب السياسية لفئة على حساب فئة أخرى.

- العمل على تنويع الاقتصاد، وتقليل الاعتماد على النفط كمورد للدولة.

- تحقيق تنمية مستدامة ومتوازنة لمنع الشعور بالتهميش في كل مناطق العراق وأعمار المناطق المتضررة.