تمخضت النتائج النهائية لانتخابات برلمان ولاية كيرالا الهندية عن فوز تحالف الجبهة الديمقراطية المتحدة، بقيادة حزب المؤتمر الوطني الهندي، بـ 102 مقعدًا من أصل 140، بضمنها 63 مقعدا لحزب المؤتمر الوطني الهندي. وخسرت الجبهة الديمقراطية اليسارية السلطة بقيادة الحزب الشيوعي الهندي (الماركسي)، الذي تراجع إلى 26 مقعدًا، وحصل حليفه الحزب الشيوعي الهندي على 8 مقاعد. وفي حين أن هذا كان أحد الانتصارات المحلية النادرة لحزب المؤتمر الوطني الهندي، الذي يعاني أيضًا من صعوبات عامة، فقد أحدثت النتيجة صدمة في أوساط اليسار على مستوى البلاد. وبينما ما تزال كيرالا منطقة يكافح فيها حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي القومي الفاشي، حزب رئيس الوزراء الهندي مودي لتحقيق نفوذ واسع النطاق، إذ لا يملك الحزب سوى ثلاثة مقاعد، وبالتالي لا يتمتع بسلطة تُذكر في الولاية، إلا أن حصته من الأصوات استمرت في الارتفاع، لتصل الى قرابة 11 في المائة.
أثارت هزيمة تحالف الجبهة الديمقراطية اليسارية، بقيادة الحزب الشيوعي الهندي (الماركسي)، في انتخابات الولاية في نيسان الفائت، اهتمامًا دوليًا واسعًا. وتُعدّ هذه الهزيمة انتكاسة لا تُنكر لليسار الهندي، الذي ظلّ في السلطة في الولاية لعقود. وبينما توجد أسباب وجيهة للنظر إلى وضع اليسار في الهند نظرة نقدية، فقد استغلت وسائل الإعلام الليبرالية هذه المناسبة للسخرية من اليسار، مدعيةً أنه يتساهل مع الفاشية أو حتى يحتقر الطبقة العاملة. إلا أن هذا الادعاء يُشوّه الحقيقة تمامًا.
وبعيدا عن الحقيقة البسيطة التي تقول ان لا وجود لحزب او تحالف يستمر في السلطة، في سياق الديمقراطية الليبرالية السائدة، بشكل أبدى. وان المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تفرض حقائقها على الأرض وتداعيات هذه الحقائق تُفرض اشتراطاتها على القوى السياسية المتنافسة. طبعا هذا لا يلغي مسؤولية الأحزاب والتحالفات التي تهزم بعد سلسلة من الانتصارات، فأخطاء هذه القوى السياسية والاقتصادية، واغفالها مصالح جماهيرها، لاي سبب كان، تعد عاملا محوريا مهما في تلقي مثل هذه الهزائم.
أن متابعة بسيطة لتحليلات للراهن الهندي، تؤكد صعود قوى اليمين القومي الفاشي، وان هذا اليمين تمكن من التغلغل في جميع مناحي الحياة. ومن الطبيعي ان يُؤدي إلى تراجع تدريجي للسياسة اليسارية كبديل في أذهان الناخبين، في وقت تنشر فيه الغالبية الهندوسية الداعمة لليمين الفاشي الكراهية للمعتقدات الأخرى، وتقوم بازدراء التفكير العلمي، لصالح الخرافات والأساطير. فلا غرابة ان يؤدي ذلك الى تفكيك ممنهج للمؤسسات الديمقراطية، لصالح مشروع اليمين القومي المتطرف.
ثنائي الكراهية والقمع
إن صعود اليمين المتطرف ليس عملية طبيعية أو تلقائية، ولا ظاهرة تنشأ بشكل اعتباطي، بل هي نتيجة لعنف وإرهاب منظمين وواسعين. ويشمل ذلك عمليات الإعدام العلنية للمسلمين وقتل أفراد ما يُسمى بالطبقات المهمشة والأقليات الأخرى. كما يشمل والعنف ضد النساء، وقمع دعاة السلم الأهلي والتنوير العقلانية العلمية والسلام والتقدم، ويمتد ذلك الى قمع شديد للعاملين وحقوقهم. وقد عانى اليسار الهندي من هذه الممارسات، أسوة بيسار البلدان الأخرى التي تعيش ظروفا مماثلة، وان تبدلت المواقع.
لم يحظَ اضطهاد كوادر الحزب الشيوعي الهندي (الماركسي)، لا سيما في ولايات مثل غرب البنغال، إلا باهتمام ضئيل. فمنذ هزيمة الحزب الشيوعي الهندي (الماركسي) في انتخابات الولاية عام 2011، شنت الحكومة اللاحقة، بقيادة حزب مؤتمر ترينامول الحاكم، المنشق عن حزب بهاراتيا جاناتا بزعامة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، حملة إرهابية أسفرت عن مقتل أكثر من 7 آلاف عضو في الحزب. بالإضافة الى استُهداف القدرات التنظيمية للحزب بشكل مباشر، بما في ذلك احتلال أكثر من 550 مقرا حزبيًا في الولاية. وفي ولاية كيرالا، وخلال أعوام 2000 -2017، قُتل أكثر من 85 عضوًا في الحزب على يد منظمة المتطوعين القومية، وهي المنظمة الأم الفاشية لحزب بهاراتيا جاناتا، والتي غالبًا ما تُوصف بعبارة ملطفة بأنها "قومية هندوسية".
إنجازات ملموسة
قبل الخوض في أسباب هزيمة اليسار في انتخابات ولاية كيرالا، لا بد من استعراض بعض أهم إنجازات حكومة الجبهة الديمقراطية اليسارية في فترات حكمها: سنّ تشريعات شعبية عديدة كحماية المزارعين المستأجرين من الإخلاء ومنحهم سندات ملكية الأراضي التي زرعوها لقرون، ووضع حد أدنى للأجور. ولم تتسامح الحكومة المركزية حينها مع ذلك فألغت الحكم الفيدرالي وحكمت الولاية مباشرة من المركز، وشنت مؤسساتها الأمنية أبشع عمليات قمع ضد الشيوعيين، الذين فقدوا وحدتهم فظهر حزبان شيوعيان في البلاد. ثم عادا للتحالف في عام 1980، في إطار الجبهة الديمقراطية، التي فازت في الانتخابات وبالتعاون مع منظمات يسارية وديمقراطية صغيرة. وبدأت بتطبيق ما يعرف بنموذج كيرالا، الذي وفر 50 ألف منزل للمشردين وقدم مساعدات لتنفيذ مشاريع صغيرة لحوالي 60 ألف أسرة وضمن خدمات الصحة والتعليم للجميع، فأرتفع متوسط العمر وانخفضت معدلات وفيات الأطفال الى حد أدنى، فيما زاد الناتج المحلي عن 167 مليار دولار. وأصبحت كيرالا الولاية الوحيدة في البلاد العام الفائت التي انخفض فيها مستوى الفقر المدقع بمستوى نظيره في الصين. وفي ظل حكم الحزب الشيوعي الماركسي، أصبحت كيرالا أيضًا الولاية الوحيدة التي أصدر مجلسها التشريعي قرارًا يُعلن عدم جدوى أربعة قوانين عمل جديدة سنّتها الحكومة الفيدرالية بقيادة حزب بهاراتيا جاناتا، وهي قوانين كانت ستفرض عبودية فعلية حديثة على العاملين. كما كانت كيرالا الولاية الوحيدة التي طبّقت نظامًا شاملًا للضمان الاجتماعي وفرضت زيادات في الأجور للعاملين في 90 قطاعًا. بالإضافة الى ذلك، وزعت حكومة الحزب الشيوعي الماركسي أكثر من 450 ألف سند ملكية للأراضي على من لا يملكونها. وكانت كيرالا أيضًا أول ولاية تُطبّق حدًا أدنى لأسعار المنتجات الزراعية. ورغم هيمنة الرأسمالية على الهند، بحيث لا يمكن الغاؤها في إقليم فيدرالي واحد، فقد تمكنت الجبهة الديمقراطية اليسارية من تحديد ساعات العمل، وضمان حد أدنى عال للأجور، وغرس ثقافة الاحتجاج والمطالبة بالحقوق، وجذب الاستثمارات، ومواجهة السياسات الليبرالية الجديدة في الريف، والتمسك براية الأممية.
وكما وعدت ، أعلنت الجبهة نجاحها في القضاء على الفقر المدقع، الذي تبلغ معدلاته 15 في المائة في باقي ولايات الهند التي يملك 1 في المائة من سكانها أكثر من 70 في المائة من ثروة البلاد. وتحقق هذا الإنجاز من خلال تعزيز اللامركزية وتفعيل هيئات الحكم المحلي ومنظمات مجتمعية وتعاونية تضم 4 ملايين متطوع، في إجراء المسوحات الشعبية لتحديد الأسر المحتاجة وفي تقديم العون في السكن والرعاية الصحية وفرص العمل والتقاعد وتنفيذ خطة متكاملة بجهد دؤوب، شمل إصلاح القطاع الزراعي ومأسسة الرعاية الصحية، وتقديم الخدمة من غذاء وسكن ودخل ثابت تدريجياً للأفقر ثم للأقل فقراً، وتوفير التدريب المهني وغيره من أشكال الدعم الضروري للأسر التي لا تملك مصدر دخل ثابتًا وإطلاق ضمان عمل لمدة 100 يوم كحد أدنى. وخلال أول سنتين أدت الجهود المتضافرة والمنسقة لمختلف إدارات حكومة الولاية إلى انتشال أكثر من 70 في المائة من جميع الأسر التي تعاني من فقر مدقع. ولهذا لم تنجح حملات اليمين المتطرف العدوانية، التي تصف ولاية كيرالا بالعدو الداخلي وحصان طروادة، لأن سكانها أصروا على انتخاب الجبهة الديمقراطية اليسارية بقيادة الشيوعيين ليحكموها.
التحالفات الرجعية
هذه مجرد أمثلة من إنجازات حكومة الجبهة الديمقراطية اليسارية. مع ذلك، من نتائج تحسن ظروف معيشة العمال ظهور فئة عمالية أرستقراطية أكثر ثراءً وطبقة برجوازية صغيرة، مما يفسح المجال أمام السياسات الانتهازية.
في ولاية كيرالا، يشكل المسيحيون والمسلمون نسبة كبيرة من السكان. وبينما يضطهد الحاكمون في الولايات غير اليسارية الأقليات، فإنهم في المناطق التي يحكمها اليسار يستغلوها لتقويض السياسات التقدمية. وهكذا، اكتسبت كل من الكنيسة وحزب الرابطة الإسلامية نفوذًا كبيرًا على سياسة الولاية.
ومن الأمثلة التاريخية البارزة على ذلك الإطاحة بأول حكومة يسارية في الهند عام ١٩٥٩ على يد حركة قادتها الكنيسة وقادة مسلمون. والسبب: أن الحكومة اليسارية آنذاك قدّمت مشروع قانون تعليمي يهدف إلى تنظيم المدارس الخاصة، التي كان العديد منها يُدار من قِبل الكنيسة، وربط رواتبها برواتب المدارس الحكومية، والسماح لحكومة الولاية بالسيطرة على المدارس، وإنهاء حق المدارس الخاصة في تعيين المعلمين كيفما تشاء. لقد رأت الكنيسة في ذلك هجومًا على سلطتها، فتحالفت مع قادة مسلمين، جمعتهم تحت قيادة ماناثو بادمانابان، وهو هندوسي من الطبقة العليا في إطار التراتبية الدينية والاجتماعية الهندوسية.
وما يزال هذا الوضع المعقد قائماً حتى اليوم، وفي ظل هذه الظروف، تناوب على حكم ولاية كيرالا بانتظام الجبهة الديمقراطية اليسارية بقيادة الحزب الشيوعي الماركسي والجبهة الديمقراطية المتحدة بقيادة حزب المؤتمر الوطني الهندي. وكانت إعادة انتخاب الجبهة الديمقراطية اليسارية في انتخابات الولاية عام 2021 إحدى الاستثناءين الوحيدين لهذه القاعدة. وعلى الرغم من كل هذه التناقضات الدينية والطائفية والطبقية، تظل كيرالا الولاية الهندية الوحيدة التي لم تشهد أي حادثة عنف طائفي خلال العقد الفائت.
شيء عن رؤية الحزب الشيوعي الماركسي
أعلن الحزب الشيوعي الماركسي مؤخراً أنه سيجري "تحليلاً شاملاً لتحديد مواطن الضعف المسؤولة عن هذه النكسة". ويرى الحزب، إن أحد الأسباب الرئيسية للصعود السريع للقوى اليمينية في الهند هو الخضوع للإمبريالية بقيادة الولايات المتحدة. وأن خضوع الهند للولايات المتحدة، وما نتج عنه من انفتاح اقتصادي نتيجة لتنفيذ سياسات الليبرالية الجديدة، قد أدى إلى أزمة اقتصادية عميقة، هي امتداد آثار إمبريالية القرن الحادي والعشرين إلى الاقتصاد الهندي. وتستدعي هذه الأزمة نشر قوى اليمين المتطرف والفاشية، حيث تُجبر الطبقات الحاكمة في الهند على تحميل العاملين أعباءً إضافية. ويؤكد الحزب أن الطبقات الحاكمة تحتاج إلى إجراءات استبدادية نتيجةً لليأس الناجم عن التدهور الاقتصادي المستمر في البلاد. ويرى إم. إيه. بيبي، السكرتير العام م للحزب الشيوعي الهندي (الماركسي)، أن حكومات الولايات كانت تعمل ضمن قيود مشددة، وان: "سلطاتها المالية والإدارية محدودة، والقوة الحقيقية تكمن في دلهي".
وأضاف: "استخدمنا حكومات الولايات لإظهار أنه حتى ضمن بنية اجتماعية-اقتصادية رأسمالية، فإن السياسات والبدائل لصالح الشعب ممكنة رغم محدودية الصلاحيات".
لقد تجلى خضوع الهند للولايات المتحدة بوضوح في دعم نيودلهي المباشر لإسرائيل في الإبادة الجماعية للفلسطينيين عبر تزويدها بالطائرات المسيّرة، وفي انحيازها لاستراتيجية احتواء الصين الأمريكية. لقد كان هذا الخضوع كان جلياً في الاتفاقية التجارية مع الولايات المتحدة العام الفائت، والتي بموجبها ستتوقف الهند تدريجياً عن الاعتماد على روسيا لتلبية احتياجاتها من الأسلحة والطاقة. وكذلك امتثلت الحكومة الهندية أيضاً لإملاءات الولايات المتحدة بوقف استيراد النفط الخام الروسي بشكل كامل، مما جعل الهند تحت رحمة تقلبات الأسعار في السوق العالمية.
وألحقت أزمة الطاقة الأخيرة الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز ضرراً بالغاً بالاقتصاد الهندي، لا سيما وأن البلاد تستورد نحو 87 في المائة من احتياجاتها من النفط الخام. وقد بلغت صدمة الأسعار حداً خطيراً، إذ يُتوقع أن يتضاعف عجز الحساب الجاري للهند من 0,9 إلى 2,5 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي خلال السنة المالية الحالية. ومع تباطؤ النمو الاقتصادي، تعاني الهند أيضاً من هروب رؤوس الأموال، حيث سحب المستثمرون الأجانب أكثر من 20 مليار دولار منذ بدء الحرب مع إيران. وانخفضت قيمة الروبية الهندية بأكثر من 5 في المائة، لتصبح بذلك العملة الآسيوية الأسوأ أداءً، في عام 2026، حتى الآن.
نبذة تاريخية مختصرة
في عشرينات القرن العشرين، حين ولد الحزب الشيوعي الهندي، كانت البلاد ترزح تحت حكم ملاك الأراضي، الذين يستعبدون الفلاحين والأجراء من الطبقات الدنيا ويمارسون ضدهم أبشع تمييز، بما في ذلك ايقاع عقوبات التعذيب التي كانت سائدة في العصور الوسطى حتى على من يسير في الطريق الخطأ أو يتحدث بطريقة خاطئة أو يأكل كما يقتاد الأغنياء. وانغمر الشيوعيون منذ ولادة حزبهم في النضالات الزراعية المحلية، وتبنوا الكفاح ضد التمييز بسبب العرق والدين، وشكلوا اتحادات فلاحية، أشرفت على تنظيم مسيرات جوع للمطالبة بحقوق المزارعين، فيما بدأ عمال صناعة جوز الهند في تنظيم أنفسهم وكسب الدعم. وحين منعهم المستعمر الإنكليزي من العمل العلني، شكلوا المجموعة الاشتراكية ضمن حزب المؤتمر الوطني، لتنفيذ برنامج جمع بين المطالبة بالاستقلال التام وبين تحقيق العدالة الاجتماعية والاستجابة لمطاليب العمال والفلاحين وضد التمييز والظلم الاجتماعي. ورغم القمع الدموي الذي مارسته حكومة نهرو، الديمقراطية الاجتماعية، تمكن الحزب الشيوعي الهندي من تشكيل أول حكومة يسارية منتخبة في ولاية كيرالا عام 1957.
وكانت الحكومات التي يقودوها الشيوعيون او تحالفاتهم في عقود الصعود تشمل ولايات تمتد من البنغال الغربية إلى كيرالا وتريبورا، وأثّرت في حياة أكثر من 100 مليون مواطن من خلال نقابات العمال ومنظمات الفلاحين وأجنحة الطلاب وشبكات الكوادر المنظمة.
وفي ولاية البنغال الغربية، حكمت جبهة اليسار، بشكل متواصل منذ عام 1977 إلى 2011، في واحدة من أطول فترات الحكم الشيوعي المُنتخب ديمقراطيا في العالم. أما في تريبورا، فقد حكم اليسار لمدة 35 عاماً في المجمل، بما في ذلك فترة امتدت 25 عاماً دون انقطاع، قبل هزيمته أمام حزب بهاراتيا جاناتا بزعامة رئيس الوزراء، ناريندرا مودي، في 2018.
أما كيرالا، فقد سلكت مساراً مختلفاً. فمنذ عام 1957 - حين صوّتت الولاية لواحدة من أوائل الحكومات الشيوعية المنتخبة في العالم بقيادة إي إم إس نامبوديريباد - تناوبت السلطة بين اليسار وحزب المؤتمر، وهو ما جعل الشيوعيين قوة ثابتة.
وفي عام 1996، كان جيوتي باسو، أحد مؤسسي الحزب الشيوعي الهندي (الماركسي) ورئيس وزراء البنغال الغربية آنذاك، على بُعد خطوة من أن يصبح رئيس وزراء الهند على رأس حكومة ائتلافية، لكن حزبه رفض العرض، وهو قرار وصفه باسو لاحقاً بـ „الخطأ التاريخي".
ترك الشيوعيون بصمة عميقة في سياسة الائتلافات في دلهي، لدرجة أنهم سحبوا دعمهم عام 2008 من حكومة رئيس الوزراء الأسبق، مانموهان سينغ، احتجاجاً على الاتفاق النووي المدني التاريخي مع الولايات المتحدة. وحينها، كانت أحزاب اليسار تمتلك 62 مقعداً في مجلس النواب، وهو عدد كافٍ لدفع، سينغ، إلى جلسة تصويت على الثقة قبل أن يتمكن في نهاية المطاف من تمرير الاتفاق.
وقد امتد تأثيرهم إلى ما هو أبعد من البرلمان. فبرغم الركود الاقتصادي في البنغال الغربية والمخاوف بشأن تراجع مستويات التعليم في ظل حكم اليسار، واصل الشيوعيون ممارسة نفوذ هائل على التفكير الاقتصادي والحياة الفكرية والثقافية، حتى خارج معاقلهم الانتخابية.
اليوم، يظل اليسار حاضراً بشكل متفاوت. ففي كيرالا، ورغم الانتكاسة الأخيرة، لا يزال اليسار فاعلاً سياسياً. وفي تاميل نادو، يعيش إلى حد كبير عبر التحالفات. أما في بيهار، لقد برز الحزب الشيوعي الهندي (الماركسي) كقوة نشطة في الأوساط الشعبية في العديد من المناطق. ولا تزال التنظيمات الطلابية المدعومة من اليسار تحقق نتائج جيدة في الجامعات الكبرى.
يرى محمد سليم، سكرتير الحزب الشيوعي (الماركسي) في البنغال الغربية، أن هناك موجة تاريخية أوسع تقف وراء ذلك. ويجادل أنه منذ التسعينيات، أدى صعود القومية الهندوسية ورفع القيود عن السوق، أي انفلاته إلى "هجوم ديني وسياسي واقتصادي" ضغط على اليسار من كل الجهات. ويضيف: "عُرِضت هذه المساحة الخضراء على الطبقة الوسطى: التنمية، التحديث، البنية التحتية - ستحصلون على نصيب منها"، مضيفاً: " لقد ولّد ذلك طموحات جديدة".
ووفقاً لسليم، واجه الشيوعيون صعوبة في مواجهة سياسة باتت تقوم على أساس الطائفة والدين بدلاً من الطبقة، مؤكداً أن "سياسات الانقسام أضعفت وحدة الطبقة".
ومع ذلك، لا يستطيع اليسار تفسير تراجعه بمجرد صعود القومية الهندوسية والسياسات الطائفية السائدة حاليا.
وفي البنغال الغربية، يؤكد محمد سليم أن الحزب "يعيد تنظيم صفوفه ويتموضع من جديد ويجدّد نفسه"، مع سعيه إلى الدفع بقيادات شابة إلى الواجهة للتخلص من صورته كحزب متقدم في العمر ومقاوم للتغيير.
ويقول بيبي: "على الشيوعيين أن يجدّدوا أنفسهم باستمرار، فالثابت الوحيد هو التغيير". ويؤكد قادة الحزب أن التراجع الانتخابي لا يعكس كامل وزنهم السياسي والاجتماعي. ولهذا يقول بيبي: "هل نحن متفائلون؟ بالطبع". ويضيف: "بل نسأل: من دوننا، أي مستقبل يمكن أن يكون؟ المقاعد مهمة، لكن مكانتنا في قلوب الناس أهم".
ــــــــــــــــــــ
المصادر:
1– مجموعة من المقالات نشرت مؤخرا في صحف يسارية المانية.
2– تقرير للـ بي بي سي العربية بعنوان "الشيوعيون في الهند حكموا ملايين الأشخاص ذات يوم، فماذا حدث لهم؟ " في 28 أيار 2026.