اخر الاخبار

في عالم تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية على نحو غير مسبوق، وتتعاظم فيه التناقضات الناتجة عن سياسات السوق المنفلتة والعولمة النيوليبرالية، يعود النقاش حول دور اليسار ومستقبله إلى واجهة الحياة السياسية والفكرية في مختلف أنحاء العالم، فبينما تشهد العديد من الدول صعوداً متجدداً للأفكار التقدمية وقوى العدالة الاجتماعية، ما يزال اليسار العربي يواجه أسئلة وجودية تتعلق بهويته الفكرية، ووظيفته السياسية، وقدرته على التأثير في مجتمعات تعصف بها الأزمات والصراعات والتحولات العميقة.

لم تكن أزمة اليسار العربي وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكمات تاريخية وسياسية وفكرية امتدت لعقود طويلة، فمنذ تراجع المشروع القومي العربي، وانهيار المنظومة الاشتراكية العالمية، وصعود نموذج الاقتصاد النيوليبرالي، وجدت الأحزاب والحركات اليسارية نفسها أمام واقع جديد لم تستطع في كثير من الأحيان التكيف معه بالسرعة والفاعلية المطلوبتين، وبينما أعادت قوى يسارية عديدة في العالم صياغة برامجها وأدواتها وخطاباتها بما يتلاءم مع التحولات الجديدة، ظل جزء من اليسار العربي أسير مقاربات تقليدية لم تعد قادرة على تفسير الواقع أو استقطاب الأجيال الجديدة.

لقد ارتبطت الحركة اليسارية العربية تاريخياً بالنضال من أجل التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والدفاع عن حقوق العمال والكادحين والفئات المهمشة، وأسهمت في بناء الوعي الوطني والتقدمي في العديد من البلدان العربية، وقدمت تضحيات كبيرة في مواجهة الاستعمار والاستبداد والاحتلال، غير أن التحولات التي شهدتها المجتمعات العربية خلال العقود الأخيرة فرضت تحديات جديدة تتطلب مراجعات فكرية وسياسية عميقة تتجاوز منطق التمسك بالموروث التنظيمي أو الأيديولوجي دون إخضاعه للنقد والتطوير.

فالمجتمعات العربية اليوم ليست هي ذاتها التي تشكلت فيها الأحزاب اليسارية خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، فقد تبدلت البنية الطبقية، وتغيرت أنماط الإنتاج والعمل، وبرزت قطاعات اقتصادية جديدة مرتبطة بالتكنولوجيا والخدمات والاقتصاد الرقمي، كما ظهرت قضايا لم تكن حاضرة بالقدر نفسه في العقود السابقة، مثل العدالة البيئية، والتحول الرقمي، وحقوق الفئات المهمشة، والهجرة، والذكاء الاصطناعي، ومستقبل العمل في ظل الثورة الصناعية الرابعة، وأمام هذه التحولات، يصبح تجديد الفكر اليساري ضرورة موضوعية وليس مجرد خيار سياسي.

ومن أبرز مظاهر الأزمة التي تواجه قوى اليسار العربي ضعف قدرتها على بناء حواضن اجتماعية واسعة ومستدامة، ففي الوقت الذي نجحت فيه أحزاب يسارية وتقدمية في أوروبا وأمريكا اللاتينية في نسج تحالفات متينة مع النقابات والحركات النسوية والشبابية والبيئية ومنظمات المجتمع المدني، لا تزال قطاعات من اليسار العربي تعاني من الانكفاء التنظيمي والانشغال بخلافات داخلية تستنزف طاقاتها وتحد من قدرتها على التوسع والتجدد.

كما أن حالة التشرذم والانقسام التي تعاني منها القوى التقدمية العربية أسهمت في إضعاف حضورها السياسي، فبدلاً من بناء جبهات اجتماعية وسياسية واسعة تستند إلى البرامج والمصالح المشتركة، استهلكت كثير من القوى اليسارية جزءاً كبيراً من جهودها في صراعات جانبية ذات طابع أيديولوجي أو تنظيمي، الأمر الذي أدى إلى تراجع قدرتها على التأثير في المجال العام ومنافسة القوى الأخرى الأكثر تنظيماً أو حضوراً.

غير أن الحديث عن أزمة اليسار العربي لا ينبغي أن يقود إلى استنتاجات متشائمة أو نهائية، فالمفارقة أن الظروف الموضوعية التي أنتجتها السياسات الاقتصادية السائدة تخلق في الوقت ذاته فرصاً حقيقية أمام عودة المشروع اليساري بصيغ جديدة، فالتفاوت الاجتماعي يتسع على نحو غير مسبوق، وتزداد معدلات الفقر والبطالة والهشاشة الاقتصادية، وتتراجع الخدمات العامة، فيما تتعرض الطبقات الوسطى لضغوط متزايدة تهدد استقرارها الاجتماعي والاقتصادي.

لقد أظهرت الأزمات المالية العالمية، وجائحة كورونا، والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة، حدود النموذج النيوليبرالي الذي ساد خلال العقود الماضية. كما أعادت هذه الأزمات الاعتبار لدور الدولة في التخطيط الاقتصادي والحماية الاجتماعية وضمان الحقوق الأساسية للمواطنين، وهذه كلها قضايا شكلت جوهر الفكر اليساري منذ نشأته، ما يمنح قوى اليسار فرصة لإعادة تقديم نفسها بوصفها حاملة لمشروع اجتماعي واقتصادي أكثر عدالة وإنسانية.

إن مستقبل اليسار العربي مرهون بقدرته على إنتاج خطاب جديد يجمع بين الأصالة والتجديد، ويزاوج بين النضال من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية، فلا يمكن لأي مشروع تقدمي أن ينجح في ظل غياب الحريات السياسية، كما لا يمكن للديمقراطية أن تترسخ في ظل الفقر والتهميش واللامساواة، ومن هنا فإن المهمة التاريخية المطروحة أمام اليسار العربي تتمثل في إعادة بناء العلاقة بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي والديمقراطي ضمن رؤية شاملة ومتكاملة.

وفي السياق الفلسطيني، كما في العديد من الأقطار العربية، تكتسب هذه المهمة أهمية مضاعفة، فالتحديات الوطنية المرتبطة بمقاومة الاحتلال والدفاع عن الحقوق الوطنية لا تنفصل عن القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تمس حياة المواطنين اليومية، لذلك فإن المشروع اليساري القادر على التأثير مستقبلاً هو ذلك الذي ينجح في الربط بين النضال الوطني ومتطلبات العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة والديمقراطية الشعبية.

كما أن تجديد العمل النقابي يمثل أحد المفاتيح الأساسية لاستعادة دور اليسار وتأثيره، فالعلاقة التاريخية بين الحركة العمالية وقوى اليسار لا تزال تشكل ركيزة استراتيجية لأي مشروع تقدمي، غير أن التحولات التي طرأت على سوق العمل تستدعي تطوير أشكال جديدة من التنظيم النقابي تستوعب العمال في القطاعات الحديثة والعاملين في الاقتصاد الرقمي والعمل غير المنظم، وتدافع عن حقوقهم ومصالحهم في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها عالم العمل.

إن التحدي الأكبر الذي يواجه اليسار العربي اليوم لا يتمثل فقط في نقد الواقع القائم، بل في تقديم بدائل عملية ومقنعة وقابلة للتنفيذ، فالجماهير لا تبحث عن الشعارات بقدر ما تبحث عن حلول لمشكلاتها اليومية المرتبطة بالعمل والسكن والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية، ومن هنا تصبح مهمة بناء البرامج الواقعية والمرتبطة بحاجات الناس شرطاً أساسياً لاستعادة الثقة الشعبية.

لقد أثبتت تجارب التاريخ أن الأفكار لا تموت ما دامت تعبر عن مصالح حقيقية وقيم إنسانية راسخة، والعدالة الاجتماعية، والمساواة، والحرية، والتضامن الإنساني، لا تزال تمثل قيماً مركزية في عالم يزداد انقساماً وتفاوتاً، ولذلك فإن مستقبل اليسار العربي لا يتوقف على استعادة أمجاد الماضي، بل على قدرته على قراءة الحاضر واستشراف المستقبل وصياغة مشروع نهضوي جديد يجيب عن أسئلة العصر ويستجيب لتطلعات الأجيال الجديدة.

إن اليسار العربي يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي. فإما أن يظل أسير أزماته التنظيمية والفكرية وتراجعه الجماهيري، وإما أن ينخرط في عملية تجديد شاملة تعيد تعريف أدواره وأدواته وأولوياته، وفي هذا الخيار الأخير تكمن إمكانية تحوله مجدداً إلى قوة اجتماعية وسياسية فاعلة، قادرة على المساهمة في بناء مجتمعات عربية أكثر عدالة وديمقراطية وكرامة وإنسانية.

ـــــــــــــــ

• كاتب وباحث فلسطيني، وعضو المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني