استطرادا لما ما نشرته صحيفة طريق الشعب الغراء، في عددها الصادر يوم الأحد الموافق السابع من حزيران الجاري. تحت عنوان أية اشتراكية نغادر واي اقتصاد نريد في معرض ردها على دعوة السيد رئيس الوزراء لتبني اقتصاد يدير الدولة، لا دولة تدير الاقتصاد، نود أن نقول إن حكومات دول (قمة الرأسمالية ) بعد تعثرها الصارخ في معالجة أزمة كورونا وفشل القطاع الخاص في إدارة الأزمة، وبعد سبات القطاع الصحي العام فيها، وبعد ما تركته الأزمة المالية لعام 2008، دعت إلى ضرورة تدخل الدولة في إيجاد قطاع عام قادر على استيعاب الازمات، واليوم تتعثر الرأسمالية بثوابت العولمة حين دخلت دولها في معارك التعرفة الكمركية متجاهلة شعارها الأقدم، دعه يعمل دعه يمر، أي أن الدول هي من تتحكم بالاقتصاد وتديره وفقا لمسلماتها، وأن دولة البعث كانت دولة شمولية لم تكن دولة اشتراكية، انما هي وجدت نفسها أمام قطاع عام منتج ومنظم منذ أن كان يديره اختصاصيون مشهود لهم بالكفاءة والنزاهة أمثال خير الدين حسيب وأديب الجادر وعبد العال الصگبان وعبد الصاحب العلوان وغيرهم، حيث تم التأسيس لصناعة وطنية وزراعة ناجحة في ظل غياب رأسمالية حقيقية في العراق في فترة الستينيات، وقد طور النظام آنذاك القطاع العام وتوسعت صناعاته، وتم تنظيم القطاع التجاري ليكون ملما بكل تفاصيل حاجة المجتمع ولكن بعقلية رأسمالية الدولة، ولم تكن دولة البعث دولة اشتراكية، حيث لم توظف الأرباح الطائلة للقطاع العام لصالح إسكان العمال والموظفين او لزيادة مرتباتهم وأجورهم إنما وظف الفائض لإدارة الحروب الداخلية والخارجية ورفاه الطغمة الحاكمة وحواشيها، وظل راتب الموظف وأجر العامل في القطاع العام عند أجر الكفاف، واليوم وبعد قرارات بريمر يدير الاقتصاد الدولة بصيغة البارا - رأسمالية، أي بما هو ما وراء الرأسمالية حيث الاستيراد المفتوح على مصاريعه ودون قيود تقرها حتى الدول الرأسمالية، منها مطابقة المواصفات الدولية والمحلية، وشهادة الاستعمال في دول المنشأ، وخضوع المستورد لقيود وضوابط الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية، أو صدور قرار مختبر الصحة المركزي بسلامة المواد الغذائية المستوردة وصلاحيتها للاستهلاك البشري، ومن مظاهر إدارة الاقتصاد لدولة العراق انه بات اقتصادا مشوها يعتمد على الاستثمار لصالح الغير في المولات لا المعامل في عرض المستورد لا المحلي يشجع على الاستهلاك المظهري بدءا من إقامة المطاعم بدلا من الورش الصناعية، والكافيهات بدل المتنزهات، وأنه يغلف كل هذه العملية بفقاعة الاقتصاد الذي يعتمد على النفط دون الانتاج، ويعتمد السوق المحلي على ضخ رواتب وأجور الملايين العاملين في دوائر الدولة وقطاعها العام ومخرجات تنفيذ العقود الحكومية، ورواتب المتقاعدين الذين بلغوا هم أيضا الملايين، واي تعثر في تسديد هذه الرواتب والأجور او مستحقات تلك العقود من قبل الدولة تنفجر الفقاعة مولدة الكساد والتظاهرات، هذه هي مخرجات الاقتصاد الذي يدير الدولة .
إن محاربة تدخل الدولة في إدارة الاقتصاد، وتدمير قطاعها العام، ووضع العراقيل أمام نمو حقيقي ومدروس لدور القطاع الخاص نتج عنه جنوح هذا القطاع نحو الاستثمار في إسكان الأغنياء لا إسكان الفقراء، وفي مناطق كان لها أن تكون خضراء على الأقل في العاصمة بعيدا عن متطلبات دولة التخطيط السنوي المبرمج، وأن الاستثمار الجديد لم يكن في معامل انتاج الخيرات إنما في الاستيراد، وحول معامل منطقة جميلة الصناعية على سبيل المثال إلى مخازن لتجارة المستورد، وحول عمالها الفنيين إلى عتالين، (وهذه هي الكارثة.) أيضا بعيدا عن الدولة، ان مناداة دولة الرئيس بان يقود الاقتصاد الدولة كمن يريد ان تقود العربة الحصان .
متطلبات بناء الاقتصاد العراقي .
بدأ الاقتصاد العراقي منذ ولادة دولته عام 1921 على قطاع عام يبدأ بالسكك الحديدية ومصلحة نقل الركاب ومصلحة الموانئ العراقية والخطوط الجوية العراقية ومصلحة البرق والبريد وجمعية التمور العراقية ومصفى الدورة وشركة النفط الوطنية، ونهاية الخمسينيات مصلحة المبايعات الحكومية ومعامل الجيش وكثيرا من القطاعات الحكومية الاخرى، وكانت في كمال النجاح، إلى جانبها قطاع مصرفي تجاري متمثلا في مصرف الرافدين والرشيد ومصارف قطاعية كالمصرف الصناعي والمصرف الزراعي والمصرف العقاري ومصرف الرهون، وكانت غاية في النزاهة والنجاح والانضباط، وبعد عام 1964 توسع القطاع العام وكان ناجحا يستخدم آلاف الأيدي العاملة، وكانت إداراته وحساباته دقيقة تحت ولاية ديوان الرقابة المالية، غير أن ادارة الاقتصاد للدولة بعد العام 2003 هو من أفشل هذه القطاعات الانتاجية، حيث أضعف الدولة وقوانينها وشل الفساد مرافقها وحولها بإرادة مبيتة إلى مشاريع فاشلة لأنها مشاريع دولة . وقد وقف البنك المركزي في مقدمة من دعا لـن يقود الاقتصاد الدولة عندما أخذ بمزاد العملة، وجعل الدينار العراقي في مهب رياح العرض والطلب، ولم ينجح البنك المركزي لغاية هذه اللحظة من ضبط إيقاع الاقتصاد الوطني لأنه أخذ بمقولة إدارة الاقتصاد للدولة لا أن تدير الدولة الاقتصاد من خلال وزارة التخطيط، التي كانت في زمن الدكتور هاشم جواد أم الوزارات، لأنها كانت تمثل إرادة الدولة في إدارة الاقتصاد، والمطلوب اليوم أن ترسم الدولة شكل الاقتصاد من خلال الايمان بدورها في تنظيم حياة المجتمع، بدءا من تهذيب الاستيراد وضبط إيقاعه ومحاربة استيراد كل ما يتعلق بالاستهلاك المظهري، وان يتمسك البنك المركزي بالدورة الاستيرادية المستندية وان يجد هو المصارف المراسلة الرصينة وان يتم إصدار قائمة الأهمية النسبية لسلم الحاجات الاجتماعية بالتنسيق مع وزارة التجارة ووفق إجازة استيراد أصولية حقيقية، يقابلها عائدات كمركية بنسبة لا تقل عن 15 في المئة للبضائع المستوردة جراء مبيعات المركزي السنوية من العملة الصعبة، وأن يصار في هذه المرحلة أن تقود الدولة الاقتصاد بتنشيط القطاع العام وتسهيل مهمة انتاجه وتحديث مكائنه وفرض حماية على منتجاته، وأن يقوم دولة الرئيس برفع الأثقال الشاقة عن القطاع الخاص الانتاجي لغرض توفر الاحتياجات محليا وفرض حماية حقيقية لمنتجاته، وهناك الكثير من المقترحات منها تشجيع التعاونيات الزراعية ومدها بكل مستلزمات الانتاج الزراعي وان تشجع الدولة دون أية قيود لتسويق منتجاته باتجاه السوق المحلية أو إلى صوامع الدولة وسايلواتها، بالمختصر فإن شراء الدولة حبوب الفلاحين، على سبيل المثال، هو تدخل منها لتوجيه الاقتصاد لإنتاج السلع الاستراتيجية أسوة بجميع دول العالم، كما وان دعوة دولة الرئيس للدولة للأخذ بزمام الرقابة انما تأتي من معرفة دولته، ان غياب دور الدولة الرقابي بشقيه الإداري والقانوني يفقدها القدرة الحقيقية على البقاء، اما التنظيم فان الدول تضعه في أولوياتها لأنه من مستلزمات الإدارة العامة لكل الأنشطة الحكومية ، اما السياسة فهي التعبير المركز عن الاقتصاد، والدولة هي من يمارس السياسة فهي الأولى بإدارة الاقتصاد.