اخر الاخبار

رحلتي الأولى في آب 1994 قادتني إلى كوبا. حينها، كانت كوبا تعاني من وضع اقتصادي بالغ الصعوبة عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، وتعيش ما عُرف بـ "الفترة الخاصة". كنتُ في الخامسة عشرة من عمري، ولم يمضِ على انضمامي إلى رابطة الشبيبة الشيوعية الإسبانية سوى أقل من عام. نظمت الرابطة رحلة لمجموعة من الشباب إلى كوبا. هناك، توجهنا إلى الحقول للعمل جنبًا إلى جنب مع أقراننا الكوبيين وغيرهم من النشطاء الأمميين الشباب.

زرنا عدة أماكن مرتبطة بالأحداث الثورية، وشاركنا في فعاليات واجتماعات متنوعة. في رحلة كوبا هذه، لم أتعلم فقط كيفية حصاد قصب السكر بالمنجل، بل هناك ترسخ اهتمامي السياسي بأمريكا اللاتينية، وهناك بدأت أفهم الكثير من الأشياء.

خلال الرحلة، أدركتُ أنه لا وجود لعالم اشتراكي أو شيوعي مثالي. وفهمتُ أن السياسة الواقعية مليئة بالتناقضات والتعقيدات والعيوب، بل وحتى الظلم. ورأيتُ أن الثورة الكوبية لم تكن منفصلة عن هذا الواقع.

خلال تلك الرحلة، ولاحقًا، من خلال قراءتي، أدركتُ ما تعنيه كوبا وثورتها لأمريكا اللاتينية وللعالم أجمع أيضًا. فالثورة الكوبية لم تبدأ برجل ملتحٍ في جبال سييرا مايسترا، بل باستقلال البلاد عن الاستعمار الإسباني؛ ثم استمرت كنضال من أجل الاستقلال عن الاستعمار الأمريكي، نضال قاده ثوار كوبيون تحت قيادة فيدل كاسترو.

إن تزامن هذه العملية مع ذروة الحرب الباردة حسم، في نهاية المطاف، مصيرها. لقد وجد الوطنيون الكوبيون، في الكتلة الاشتراكية، حليفاً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً في مقاومتهم للولايات المتحدة.

لقد حققت الثورة الكوبية مستوىً من العدالة الاجتماعية والتنمية لم يسبق له مثيل في أمريكا اللاتينية. فقد ساهم موقع كوبا المتقدم في مؤشر التنمية البشرية، المعترف به من قبل الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات الدولية، والانتصارات الأولمبية التي تحققت بفضل التدريب المجاني في المدارس الرياضية، والإنجازات العلمية والأكاديمية، وتوفير الخدمات العامة المجانية للجميع، في جعل كوبا منارة أمل لجميع شعوب الأطراف المستعمرة، فضلاً عن المنظمات اليسارية في العديد من البلدان.

لقد أثبتت كوبا التزامها بقضية حرية الشعوب المضطهدة بإرسالها أفضل جنودها لمكافحة الاستعمار في أفريقيا. وعندما فاز نيلسون مانديلا في الانتخابات وأصبح رئيسًا لجنوب أفريقيا، تساءل كثيرون ممن لا يعرفون شيئًا عن سبب وجود فيدل إلى جانبه.

دربت كوبا سياسيين وقادة حركات كفاح مسلح في أمريكا اللاتينية، كان لهم دور حاسم في تغيير تاريخ الظلم الممتد لقرون في بلدانهم. ووفرت كوبا ملاذاً آمناً لشعوبٍ اضطُهدت من قِبل أشد الديكتاتوريات وحشية، مثل ديكتاتورية بونشيه في تشيلي، ومكّنت مئات الآلاف من والشابات الشبان من أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا من الدراسة في جامعاتها. ودعمت كوبا النضال الفلسطيني ونضال شعب الصحراء الغربية، وكانت دائماً منارةً للقوميين السود في الولايات المتحدة. قال مالكوم إكس إن شعبه كان بإمكانه بسهولة التعامل مع العناصر "المعادية لكاسترو"، وقد كانت الثورة الكوبية ملهمة لحزب الفهود السود. زعيمة الحزب، أساتا شاكور، التي اضطُهدت في وطنها، اضطرت إلى طلب اللجوء في كوبا.

منذ نشأتها، كانت كوبا هدفًا لحرب اقتصادية وحصار ومئات الهجمات الإرهابية التي دبرتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة وحلفاؤها. ماذا يعني أن تكون دولة وحكومتها ومجتمعها ككل غارقة في حرب اقتصادية وإرهاب ترعاه القوة العظمى في العالم؟ يعني ذلك العيش في حالة حرب دائمة، بكل ما يترتب على ذلك من قيود على الحريات. ومع ذلك، ورغم كل شيء، أثبتت كوبا للعالم سلطتها كقوة ثقافية ورياضية وعلمية عظمى.

أدى انهيار الاتحاد السوفيتي إلى صعوبات بالغة الخطورة، واستلزم "انفتاح" الاقتصاد - أي إدخال الليبرالية فيه - الأمر الذي أدى إلى ظهور صراعات اجتماعية جديدة وتفاقم عدم المساواة. وقد ساهمت الثورة البوليفارية في فنزويلا في تحرير الجزيرة من اعتمادها على الوقود؛ وفي المقابل، أرسلت كوبا أفضل أطبائها إلى فنزويلا وقدمت لها دعمًا استشاريًا استراتيجيًا.

خلال رئاسة باراك أوباما للولايات المتحدة الأمريكية، ورئاسة راؤول كاسترو للحكومة الكوبية، تم تخفيف الحصار إلى حد ما، من خلال سلسلة من الإصلاحات الطموحة، وفي ظل انتعاش اقتصادي كبير، ساد جو من الأمل.

بعد تفكك الاتحاد السوفيتي حولت كوبا اهتمامها إلى الصين وفيتنام، واليوم سيقر أي خبير اقتصادي معقول بأنه لولا الحصار والحرب الاقتصادية، لكانت كوبا في وضع أفضل من أي دولة أخرى من بلدان أمريكا الوسطى والبحر الكاريبي.

اليوم، يخنق دونالد ترامب الشعب الكوبي بالعقوبات الاقتصادية وحصار هو الأشد قسوة من جميع الحصارات السابقة، ويهدد بالتدخل العسكري أسبوعياً.

فكّروا فيما يعنيه ذلك فقط. تخيّلوا المعاناة التي سيسببها الحصار وحظر استيراد الوقود للناس.

لماذا يُعاملون كوبا بهذه الطريقة؟

لماذا، وهي لا تملك نفطاً مثل فنزويلا أو إيران؟

إذا كان النظام الاشتراكي الكوبي قد انهار، كما يقولون فلماذا فرض حظر على كوبا؟ ولماذا لا يتركوها ببساطة تغرق في مشاكلها الخاصة؟

الجواب واضح: إن كوبا التي تستطيع المنافسة على قدم المساواة مع الدول الأخرى في المنطقة ستعلم العالم دروساً كثيرة، وهذا شيء لا تستطيع الولايات المتحدة وشركاؤها تحمله.

بعد مرور اثنين وثلاثين عاماً على زيارتي الأولى، عدتُ إلى كوبا، حيث دُعيتُ للمشاركة في فعاليات الأممية التقدمية وقافلة المساعدات الإنسانية. رأيتُ كوبا تُعاني من صعوباتٍ أكبر من تلك التي واجهتُها عام ١٩٩٤. رأيتُ كوبا مُنهكة من الحصار ونقص الوقود.

أدرك تمامًا مدى استياء قطاعات واسعة من الشعب الكوبي من الحكومة. لقد قرأت معظم روايات ليوناردو بادورا، حيث يصوّر فيها حياة الكوبيين ببراعة ويرسم صورة قاتمة للحكومة.

لكن ما هو دوري بالضبط كيساري أوروبي؟

هل الهدف هو انتقاد الحكومة الكوبية؟ أم التركيز على صعوباتها أو أخطائها؟ أم توفير منصة للقوى المناهضة لكاسترو التي تتمتع بالفعل بحضور دائم في جميع وسائل الإعلام الغربية الرئيسية؟ أم أن نصبح مثل أولئك اليساريين الذين يؤكدون مرارًا وتكرارًا: "كانت كوبا رائعة في عهد تشي جيفارا وتحت قيادة فيدل الشاب"، ولكن الآن، مع احتمال العدوان الأمريكي الذي يلوح في الأفق، يفضل الناس مهاجمة الحكومة؟

لا تبحثوا عني في هذا المعسكر. أنا لا أتبنى نهجاً مغلقا أو عقائدياً، ولا أتبنى مواقف ترفض الاعتراف بأخطاء الاشتراكية وإخفاقاتها، ولكني مقتنع بأن الدفاع عن الشعب الكوبي وحكومته اليوم هو مسألة أخلاقية..

خلال إقامتي في هافانا، طلبتُ من الرئيس دياز كانيل إجراء حوار صحفي معه، فوافق دون شروط. سألته كل ما رأيته ضرورياً، بما في ذلك عن الانتقادات التي يوجهها إليه العديد من الكوبيين، ومنحتُ صوتاً لمن لم تُتح لهم الفرصة قط للتعبير عن أنفسهم في وسائل الإعلام الإسبانية الرئيسية.

رغم كل إخفاقاتها، فإن الحكومة الكوبية مهددة حاليًا من قبل مجرم يترأس الولايات المتحدة. ورغم كل انتكاساتها، فقد صمدت لعقود من الحرب الاقتصادية الوحشية والعديد من الهجمات الإرهابية، وتواجه الآن تهديدًا إرهابيًا هائلًا من ترامب.

في رأيي، تعني النزاهة اليوم، قبل كل الاعتبارات الأخرى، الدفاع عن كوبا وحكومتها.

ــــــــــــــــــــ

*- أستاذ في جامعة كومبلوتنسي، مؤسس مشارك لحزب بوديموس (إسبانيا)، وسكرتير الحزب العام (2014-2021)، ووزير الحقوق الاجتماعية ونائب رئيس الوزراء في حكومة سانشيز (2020-2021)، ومدير قناة ريد. والترجمة لمقالته المنشورة في موقع "شيوعيون الألماني في 20 أيار 2026.