منذ العام 2003 ومجتمعنا دخل بشكل سريع ومفاجئ عالم الاستهلاك بكل تشعباته وتعقيداته، بعد ان كان مقيدا بنمط استهلاكي ضيق فرضته قواعد الدولة الشمولية، والتي كانت سلوكياتها الاقتصادية عامة (تنسحب على الجميع) تتراوح بين اقتصاديات الحرب ومتطلبات نظام الانتاج العام، وقد كانت سياسة حزب البعث الاقتصادية مزيجا من مخرجات رأسمالية الدولة المنتجة واستهلاك اجتماعي مقيد، أدى ذلك إلى ظاهرة الحرمان، إلا من توفر المواد الأساسية للعيش وبأسعار منافسة، وان ثمة تزاحم مستديم كان على بقية حاجات الانسان الاخرى، بدءا من الملابس مرورا بالأجهزة المنزلية والمواد الانشائية وصولا إلى الحاجات شبه الضرورية، أما الحاجات الكمالية فقد كانت نادرة العرض في الأسواق المركزية او عند الوكلاء، وقد حرص النظام الجديد بمساعدة بريمر على استغلال ذلك الاشباع الناقص للحاجات إلى اطلاق الاستيراد في جميع أبوابه المفتوحة، وقد ساعد على نجاح الاطلاق ذاك توفر العملة لدى الشرائح الطارئة (سارقوا المال النقدي العام أثناء السقوط ومجردو الدولة من امكانياتها المخزنية الصناعية والزراعية والتجارية والسياحية) إضافة إلى تشكل فئات جديدة استمرت في استحلاب منشآت الدولة النفطية والكمركية والضريبية والرسوم الأخرى التي كانت في مقدمة وسائل تمويل الخزانة العامة في ظل تلك الدولة الشمولية.
الشرائح المالكة للأموال ونمطها الاستهلاكي.
بعد انفراط عقد الدولة بعيد الاحتلال وتعمد بريمر على تجريد الدولة من وسائل حمايتها، الجيش والشرطة وقوى الأمن الأخرى توجه النهابون صوب ممتلكات الدولة النقدية والعينية وكونوا لأنفسهم، اضافة لأشباههم ممن نهبوا الكويت، شريحة اجتماعية جديدة ترقى إلى مفهوم الطبقة لتشابه ظروف تكوينها وتوحد أساليب اغتنائها، وهذه الشريحة هي نتاج أهل الفقر وعصارة الخارجين على القانون، وبسبب انكفاء الخيرين تصدرت هذه الفئة المشهد الاقتصادي مبتدئة بتجارة الجملة (بعد فتح الاستيراد دون ضوابط ومحددات) مرورا بالمتاجرة بالعملة وصولا إلى مقاولات الدولة، والشريحة هذه ضمت فيما بعد الحزبيين الذين تولوا مناصبها كافة ليستمر الاغتناء من أموال الدوائر ومشاريعها. وهذه الشريحة تمردت على أصولها وغادرت مكامنها الأصلية نحو المنصور والجادرية، وتملكت العقارات الغالية وسكنت الفلل والعمارات العالية واخذت مسلكا استهلاكيا مغاليا في المسكن والملبس والتنقل، وكانت أول من امتلك السيارات المظللة والماركات المذهلة، وامتطت المواكب واصواتها المجلجلة معبرة عن نقص مستأصل في نفوسها آخذة المجتمع نحو مبتذلاتها، مشكلة انماطا استهلاكية غريبة عن مجتمعها، وأصاب الاقتصاد جراء سلوكها عسرة النمو الحقيقية مقابل استثمارات ذات نتائج عكسية، ثمارها المولات التجارية (وهي تعرض السلع المستوردة الأجنبية) وأقامت المطاعم بعمالتها الاجنبية وتوسعت في إنشاء الكافيهات التي تقدم النارگيلة والتبوغ المعسولة والمشروبات وجميعها مستوردة، وأقامت شركات توريد العمالة الأجنبية، حتى بلغ عدد العمال الأجانب غير الشرعيين مليون عامل حسب وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، وان عدد العمال الشرعيين هم 30 إلى 40 ألف عامل، تاركة جيوش العاطلين تنمو على نحو يسير مع نسبة زيادة عدد السكان.
إن الشريحة المالكة للمال هي قليلة جدا بالقياس إلى عدد نفوس أهل البلاد، وهي إما من منتسبي الدولة أو من حواشيهم، او ممن كون ثروة جراء الاستيلاء على الاراضي او ممتلكات الغير، او ممن تاجر بالمخدرات او ممن تعاطى بتجارة السلاح المنهوب من معسكرات الجيش السابق او ممن يهربه اليوم عبر الحدود، او من تجارة الأدوية الرابحة او من التجاوزات على عقود الدولة ومشاريعها المتنوعة وسبل اغتناء لا حصر لها، وهي شريحة اصبحت تستهلك خارج المألوف وترتاد النوادي الليلية وتمتلك شقق الرفاهية، وهي تشكل اليوم إحدى دعائم الاستهلاك المظهري، وواحدة من اساليب تدمير الناتج المحلي.
الاستهلاك لدى الشرائح الاجتماعية الاخرى
بغض النظر عما جاء بنتائج الإحصاء الاخير، فان تقلص الريف أمام توسع المدن غير النظامي في العراق كان من أهم أسباب تراجع الناتج المحلي، ذلك أن التجاوز الإجباري للمدن على الريف بسبب شحة المياه كان واحدا من أسباب انتشار الفقر والبطالة والتشوه العمراني في تلك المدن وانتشار ظاهرة التجاوز، وهذا التحول المشوه ترك اقتصاد البلاد هو الآخر مشوها، قل فيه الانتاج وزاد فيه الاستهلاك جراء الزيادة السنوية للسكان البالغة 2،6 في المئة، وان قلة الانتاج لم تكن عاملا لزيادة الاستيراد، انما كان العكس هو ان الحكومات شجعت نظام الاستيراد وكانت إضافة إلى شحة المياه عاملا آخر لتقلص الانتاج في الريف، ومن هنا تشكلت عادات استهلاكية جديدة شجعت على انتشار المطاعم او انتشار الكافيهات، او انتشار عادات الاستهلاك المظهري في المولات، كما وان توجه الشباب من الريف إلى مراكز المدن طلبا للعمل (بعد التسرب من المدارس) سيما من انخرط في الأعمال الإنشائية وهم الشريحة الاكبر بسبب نمو قطاع الاسكان المرفه في مراكز بغداد المهمة او مراكز المحافظات، وعلى حساب المناطق الخضراء، وأن إقبال هذه الشريحة على المطاعم والمقاهي، خلق بذره زيادة مشوهة هي الأخرى في انماط الاستهلاك، وعلى حساب تقلص عمل المطابخ في الدور السكنية، كما وان انتشار المال العام المسروق والمبدد ساعد على انتشار ظاهرة الايصال إلى الدور (الديليفري،Delivery) والغريب في مظهر استهلاكي ملفت للنظر، (ربما سينتشر هو الاخر) هو ديليفري الفطور الصباحي مع ترمس الشاي، او توجه العوائل للإفطار الصباحي في المطاعم او دعوات الافطار خارج المنازل،
ان التغيير في انماط السلوك الاستهلاكي لم يكن وليد تقدم اقتصادي طبيعي ناتج عن زيادة المصانع وزيادة الانتاج السلعي او زيادة التنوع في الانتاج السلعي، انما كما يلاحظ الجميع جاء نتيجة زيادة الدخل اما من النشاط التجاري المخرب للاقتصاد، او جراء زيادة وتنوع الاستحواذ على المال العام دون وجه حق، او جراء زيادة مدخولات الشرائح الاجتماعية التي تعتاش على ما يمنح المسؤولون لحواشيهم وحماياتهم من أموال جراء الخدمة والحماية الشخصية.
الخلاصة.
ان المتمعن بمصادر الدخل، والانفاق في بلادنا، يجد ان هذه المصادر تتلخص بما يلي.
1- الرواتب والأجور لموظفي الدولة والمتقاعدين، وهم في الغالب غير منتجين، منهم منتسبي القوات المسلحة، والجهات الامنية الاخرى، ومنهم موظفي الدوائر الخدمية والادارية، وهم غير منتجين ايضا، اما موظفي القطاع الانتاجي فهم في الغالب يعتمدون في رواتبهم واجورهم على الخزانة العامة باستثناء بعض المشاريع الحكومية المربحة. والسبب هو عدم تفعيل الشركات المنتجة ودفعها فقط نحو الانتاج المكمل وهو انتاج مشوه لا يدر أرباحا حقيقية، كان تقوم الشركة الفلانية الحكومية باستيراد جهاز، وتقوم بتعليمه وبيعه بسعر يدر ربحا لا يسد نفات الشركة الحقيقية.
2- القطاع التجاري. وهو قطاع واسع ومتشعب بدأ في منطقة جميلة الصناعية ومناطق المحافظات الصناعية المعروفة على حساب مصانعها العظيمة والتي كانت تعد بعشرات الالاف من المصانع والورش المنتجة للسلع ومكملات البناء وأثاث الدور والكثير من الحاجات الضرورية للإنتاج والاستهلاك في كنف الدولة الشمولية، والقطاع التجاري هذا نما بشكل مدهش على حساب الصناعة الوطنية لعاملين أساسيين:
الاول، الوكالات التجارية، ومالكوها هم اصحاب القرار السياسي، او اصحاب رؤوس الاموال المسروقة من دوائر الدولة ومصارفها الحكومية، ومخازنها الصناعية والتجارية والزراعية والتي تخلى القضاء عن البحث عن مصادر هذه الاموال والتي يتم غسيلها بواسطة النشاط التجاري، الذي وصلت مبالغ استيراداته السنوية إلى حدود 65 مليار دولار سنويا مضافا اليها تحويلات الاستيرادات الحكومية واستيرادات اخرى والتي وصلت أقيامها عام 2025 ما يقارب 20 --25 مليار دولار ليصل اجمالي الاستيراد العام إلى 85 --90 مليار دولار. وكان يمكن ان يكون عائد الرسوم الكمركية منها إذا ما احتسب متوسط معدل الرسم الكمركي 15 في المئة. لكل السلع باستثناء فقرة المواد الغذائية والاساسية والتي يمكن تقديرها بالثلث اي 30 مليار دولار ومتطلبات الاستيراد الحكومي المعفى من الرسوم 10 مليار دولار، فان المبلغ الخاضع للرسم الكمركي سيكون على الاقل 50 مليار دولار مضروبا في 15 في المئة اي ان الايراد الكمركي السنوي كان سيكون7،5 مليار دولار.
ان ما يثير الاستغراب، هو تراجع الناتج المحلي امام تزايد عدد السكان، وهي معادلة اقتصادية معكوسة، وان تغير النمط الاستهلاكي هو الاخر في معادلة معكوسة حيث ان الاستيراد صار منسحبا حتى على تغيير عادات الاستهلاك وصارت هي الاخرى مستوردة.