اخر الاخبار

يمثل الشباب اليوم القوة الأكثر تأثيراً في تشكيل العلاقة بين المجتمعات المعاصرة والتحولات التكنولوجية المتسارعة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي الذي أصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية والإنتاج المعرفي والاقتصادي. فهم لا يتعاملون مع هذه التقنيات بوصفها أدوات خارجية، بل كامتداد طبيعي لطرق التعلم والعمل والتواصل. وفي السياق العراقي تحديداً يبرز الشباب كعنصر حاسم في إمكانية الانتقال نحو اقتصاد رقمي أكثر كفاءة وعدالة. إذ تتقاطع طموحاتهم مع الحاجة الوطنية إلى تحديث البنية التحتية المعرفية والتكنولوجية. كما أن قدرتهم على التكيف السريع مع الأدوات الرقمية تمنحهم موقعاً محورياً في أي مشروع يتعلق بالذكاء الاصطناعي. ومن هنا تتحدد أهمية دراسة هذا الدور بوصفه مدخلاً لفهم مستقبل التنمية والتحول الرقمي في البلاد.

يشكل الذكاء الاصطناعي اليوم أحد أهم التحولات البنيوية في الاقتصاد العالمي، حيث لم يعد مجرد تقنية مساعدة، بل أصبح نظاماً إنتاجياً يعيد تشكيل أسواق العمل والتعليم والإدارة. وفي العراق، حيث ما تزال البنية التحتية الرقمية في طور التكوين، يظهر الشباب باعتبارهم الحلقة الأكثر قدرة على استيعاب هذه التحولات واستثمارها. إن امتلاك جيل شاب واسع ومرتبط بالتكنولوجيا يمنح البلاد فرصة لإعادة بناء مسارات التنمية على أسس معرفية جديدة، بشرط توفير بيئة تعليمية وتقنية مناسبة. تتجلى أولى ملامح هذا الدور في مجال التعليم والتكوين المهني، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من المهارات الأساسية التي يحتاجها الطالب والباحث. فالشباب العراقي اليوم قادر على الوصول إلى مصادر معرفية عالمية عبر المنصات الرقمية، ما يفتح أمامه إمكانيات واسعة للتعلم الذاتي وتطوير المهارات. غير أن هذه الإمكانية تظل مرتبطة بمدى توفر البنية التحتية الرقمية، مثل الإنترنت المستقر ومراكز التدريب الحديثة، وهو ما يتطلب استثماراً حكومياً ومؤسسياً واضحاً. في سوق العمل، يغير الذكاء الاصطناعي طبيعة الوظائف التقليدية، ويخلق في المقابل وظائف جديدة تعتمد على تحليل البيانات، وتطوير الخوارزميات، وإدارة الأنظمة الذكية. هذا التحول يضع الشباب العراقي أمام تحدٍ مزدوج: التكيف مع الوظائف القديمة التي تتراجع، والاستعداد للوظائف المستقبلية التي تتطلب مهارات تقنية عالية. ومن هنا تظهر الحاجة إلى إعادة صياغة التعليم الجامعي والتقني بما يتناسب مع متطلبات الاقتصاد الرقمي. كما يلعب الشباب دوراً مهماً في الابتكار وريادة الأعمال الرقمية، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفتح المجال أمام مشاريع صغيرة ومتوسطة تعتمد على الحلول التقنية منخفضة التكلفة. هذا النوع من الاقتصاد يتيح فرصاً واسعة في بيئة تعاني من محدودية فرص العمل التقليدية. إلّا أن نجاح هذا المسار يتطلب بيئة تنظيمية داعمة، وتشريعات مرنة، وإمكانية الوصول إلى التمويل.

من جانب آخر، يثير الذكاء الاصطناعي أسئلة تتعلق بالأخلاقيات والخصوصية والتحكم في البيانات، وهي قضايا يشارك الشباب في طرحها ومناقشتها بشكل متزايد عبر الفضاء الرقمي. فهم ليسوا مجرد مستخدمين للتكنولوجيا، بل أيضاً فاعلين في تشكيل النقاش حول حدود استخدامها. وهذا الدور النقدي مهم لضمان أن لا تتحول التقنيات الحديثة إلى أدوات لإعادة إنتاج الفجوات الاجتماعية.

 يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تحسين الخدمات العامة، مثل التعليم والصحة والإدارة الحكومية، إذا ما تم دمجه ضمن استراتيجية وطنية واضحة. وهنا يبرز دور الشباب كحلقة وصل بين المعرفة التقنية واحتياجات المجتمع، حيث يمكنهم المساهمة في تصميم حلول محلية تناسب الواقع الاجتماعي والاقتصادي. كما أن مشاركة الشباب في مشاريع البيانات المفتوحة والتحليل الرقمي يمكن أن تعزز من شفافية المؤسسات وتطوير الأداء الحكومي. فالتقنيات الذكية تتيح إمكانيات واسعة لرصد المشكلات وتحليلها بشكل أكثر دقة، وهو ما يمكن أن يساهم في تحسين اتخاذ القرار. غير أن هذا الدور لا يمكن أن يتحقق دون مواجهة تحديات أساسية، أبرزها ضعف البنية التحتية الرقمية، ومحدودية برامج التدريب المتخصصة، والفجوة بين التعليم وسوق العمل. لذلك فإن الاستثمار في الشباب لا يقتصر على التعليم فقط، بل يشمل بناء منظومة متكاملة من الدعم التقني والمؤسسي.

 يمكن القول إن مستقبل الذكاء الاصطناعي في العراق يرتبط بشكل وثيق بقدرة الشباب على تحويل هذه التقنية من أداة استهلاك إلى أداة إنتاج وإبداع. فكلما توسعت فرصهم في التعلم والتجربة، كلما أصبح بالإمكان بناء اقتصاد معرفي أكثر استقراراً وتنوعاً. إنهم ليسوا مجرد متلقين للتحول الرقمي، بل صناعا محتملين لمساره واتجاهه، وهو ما يجعل الاستثمار في قدراتهم خياراً استراتيجياً لا يمكن تأجيله.