اخر الاخبار

يتناول كتاب جديد من تأليف منى دملوجي، الأستاذة بجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، تقاطعًا غير متوقع بين الثقافة والصناعة: العلاقة بين صناعة الأفلام الوثائقية وصناعة النفط في الشرق الأوسط. يتتبع كتاب "سينما خطوط الأنابيب: البنية التحتية الثقافية لاستخراج النفط في إيران والعراق" (منشورات جامعة كاليفورنيا، 2025) كيف استخدمت شركات النفط الأفلام لتشكيل الرأي العام، بينما ساهمت دون قصد في تعزيز إنتاج ثقافي نابض بالحياة.

تقول دملوجي، الأستاذة المساعدة في دراسات السينما والإعلام: "يقدم الكتاب تاريخًا يُسلط الضوء على العلاقة بين صناعة النفط وتاريخ السينما في أوائل القرن العشرين". وتبدأ دملوجي، من خلال شركة النفط الأنجلو- فارسية - السلف لشركة بريتيش بتروليوم (BP) - بتوضيح كيف كانت جهود الشركة للسيطرة على موارد النفط في إيران والعراق مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بإنتاج وتوزيع الأفلام.

وتُبين دملوجي أن هذه الأفلام لم تكن مجرد مواد ترويجية، بل شكلت جزءًا من بنية تحتية ثقافية أوسع امتدت من حقول النفط وخطوط الأنابيب إلى دور السينما والمجلات. موّلت شركات النفط وحدات إنتاج الأفلام، ودربت صانعي الأفلام المحليين، وعرضت أفلامًا وثائقية في جميع أنحاء المنطقة. نتج عن ذلك مشهد ثقافي معقد تداخلت فيه الدعاية المؤسسية مع التعبير الفني.

وأوضحت دملوجي قائلة: "منذ البداية، اعتمدت شركات النفط الأجنبية في استخراج الموارد على إنتاج وتوزيع الأفلام كجزء من عملياتها وجهودها للسيطرة على النفط في المنطقة".

واكتسب المشروع بعدًا شخصيًا غير متوقع. ففي بداية بحثها، اكتشفت دملوجي أن جدها الأكبر كان جزءًا من هذا النظام الثقافي. كان كاتبًا وناقدًا، وكانت أعماله تُنشر بانتظام في مجلة نفط العراق.

وقالت: "بدأت بحثي بافتراض أن شركة النفط هذه موجودة تمامًا خارج نطاق تجربتي أو واقعي كباحثة نقدية. ولكن عندما اكتشفت أن جدي شارك في العمل الثقافي لهذه الصناعة الاستخراجية، ككاتب متخصص في الطعام والسفر، تلاشت المسافة الشاسعة التي كنت أتصورها بيني وبين موضوع بحثي بشكل كبير، مما دفعني إلى طرح أسئلة جديدة".

غيّر هذا الاكتشاف مسار بحثها، وشجعها على تجاوز الأرشيفات المؤسسية والبحث عن الأفراد الذين أنتجوا ونشروا مواد شركات النفط الإعلامية. تمكنت دملوجي في نهاية المطاف من الوصول إلى مواد خاصة تعود لمخرج أفلام عمل في وحدة الأفلام التابعة لشركة نفط العراق، بما في ذلك رسائل ونصوص لم تُحفظ في الأرشيفات الرسمية.

وقالت: "كشفت هذه الرسائل عن شخصيات وعلاقات وتوجهات الأشخاص المعنيين". كما قدمت نظرة ثاقبة على مجموعة متنوعة من الكتّاب والمصورين السينمائيين والفنانين الذين أطلقت عليهم اسم "العاملين الثقافيين في قطاع النفط".

تركز إحدى دراسات الحالة الرئيسية في الكتاب على العراق في خمسينيات القرن الماضي، عندما بدأت شركة نفط العراق بإنتاج أفلام وثائقية باللغة العربية للجمهور المحلي. في السابق، كانت شركات النفط تعتمد بشكل كبير على طواقم تصوير بريطانية كانت تصنع الأفلام في المنطقة، ثم تقوم بتحريرها وعرضها في الخارج. بعد أن أمّمت إيران صناعة النفط لديها عام 1951، أدركت الشركة أنها بحاجة إلى مخاطبة جمهور أقرب إلى الوطن.

وقال دملوجي: "لقد أطلقوا استراتيجية لإنشاء وحدة أفلام تعتمد على المواهب المحلية وتدرب صانعي الأفلام العراقيين الشباب على إنتاج أفلام برعاية جهات محلية باللغة العربية للجماهير داخل البلاد".

كانت النتيجة تعاونًا فريدًا بين الشركات الراعية والمشهد الثقافي النابض بالحياة في بغداد منتصف القرن العشرين. ساهم فنانون وشعراء ومصورون وموسيقيون في مشاريع الأفلام الوثائقية، مُضفين أساليب فنية جديدة وتقنيات سرد قصصية مبتكرة على ما كان يُعتبر في ظاهره إنتاجات تجارية.

ومن الأمثلة على ذلك فيلم وثائقي عن الفيضان الكارثي لنهر دجلة في بغداد منتصف خمسينيات القرن الماضي. يُوثّق الفيلم جهود الإنقاذ وردود فعل الحكومة، ولكنه يُبرز أيضًا مساهمات قيّمة من شخصيات ثقافية بارزة. تقول دملوجي: "كان هذا فيلمًا برعاية شركة، ولكنه قدّم أيضًا منظورًا إنسانيًا أعمق للتجربة العراقية لم يُرَ مثله من قبل. إنه مثال على كيفية استكشاف المبدعين العرب لإمكانيات التعبير الفني وسرد القصص ضمن حدود البنية التحتية الثقافية لشركات النفط".

حظيت هذه الأفلام الوثائقية بانتشار واسع. فقد شاهدها الجمهور في دور السينما قبل الأفلام الروائية، على غرار نشرات الأخبار التي كانت تُعرض في دور السينما حول العالم آنذاك. كما عرضتها شركات النفط على العاملين في مواقع الاستخراج النائية ومستوطنات الشركات.

وقد عُرضت هذه الأفلام الوثائقية على نطاق واسع. ومع ذلك، تجادلت دملوجي بأن الأفلام فشلت في نهاية المطاف في مهمتها الأساسية: إعادة تشكيل الرأي العام حول صناعة النفط. فعلى الرغم من جهود الشركات لتصوير النفط كقوة دافعة للتحديث والازدهار، استمرت الاضطرابات العمالية والحركات السياسية في تحدي السيطرة الأجنبية على الموارد.

وقالت: "يتجلى غطرسة مديري شركات النفط في اعتقادهم بقدرتهم على إنتاج أفلام جميلة تُغير الرأي العام في الدول المنتجة. إلا أن الواقع على الأرض أوضح للناس أن شركات النفط الأجنبية تتمتع بنفوذ هائل على حكوماتهم، حيث تقمع انتفاضات العمال وترفض مطالبهم بأبسط مقومات الحياة الكريمة".

سرعان ما أعادت الاضطرابات السياسية تشكيل هذه الصناعة. فبعد ثورة العراق عام 1958 ونهاية النظام الملكي المدعوم من بريطانيا، توثق دملوجي كيف أنشأت البلاد مؤسسات حكومية جديدة لصناعة الأفلام والإنتاج الثقافي. وقد لعب بعض صانعي الأفلام الذين عملوا في وحدات إنتاج الأفلام التابعة لشركات النفط أدوارًا محورية في هذه البرامج الوطنية.

وتشير إلى أن الأفلام نفسها اكتسبت أهمية جديدة بعد عقود. مع قيام الأرشيفات برقمنة اللقطات القديمة، عادت العديد من هذه الأفلام الوثائقية إلى الظهور على الإنترنت، وانتشرت على نطاق واسع بين المؤرخين وصانعي الأفلام وأفراد الجاليتين الإيرانية والعراقية.

وقالت دملوجي: "هذه الأفلام تُبعث من جديد". يتشاركها المشاهدون على منصات مثل يوتيوب، وغالبًا ما يتأملون في صور مدن ومناظر منتصف القرن التي تبدو مختلفة تمامًا عن واقع المنطقة اليوم.

بالنسبة لدملوجي، تُبرز هذه العودة أهمية التاريخ الدائم الذي تتناوله في كتابها "سينما خطوط الأنابيب". وتجادل بأن النفط لم يُشكّل الاقتصادات والجغرافيا السياسية فحسب، بل شكّل أيضًا الروايات الثقافية ووسائل الإعلام المرئية.

وأضافت: "إن إدراك أصول ثقافة النفط في إيران والعراق أمرٌ أساسي لفهمٍ أوضح للتاريخ الطويل للتدخل الإمبريالي الغربي وجهود السيطرة على النفط في الشرق الأوسط، والتي لطالما انطوت على محاولات للسيطرة على قصة النفط".

كتاب "سينما خطوط الأنابيب" متاح ككتاب إلكتروني مجاني مفتوح المصدر من خلال برنامج لومينوس التابع لدار نشر جامعة كاليفورنيا.

ــــــــــــــــ

* باحثة من جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا تدرس تقاطع الثقافة والتاريخ

من برنامج "ذا كارنت" بجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا الثلاثاء 24 مارس 2026

ملاحظة: المصدر

(The Santa Barbara Independet)

How Oil Companies Shaped Early Cinema in Iran and Iraq