اخر الاخبار

لم يعد المفهوم التقليدي للسيادة يتناسب ومخرجات ما تنتجه الدول من أسلحة وأعتدة له، تارة عابرة للحدود، وتارة عابرة للقارات، وأصبحت الفضاءات الدولية ساحات قتال، ربما، لدول ليست أطرافا في هذا النزاع او ذاك. وان مطالبتها بحق السيادة لم يعد مسموعا، مما يتطلب اجتهادا متطورا للفقه الدولي كي يتوصل إلى أحكام جديدة بحق سيادة الدول واستقلالها الجغرافي..

المفهوم التقليدي للسيادة

تعرف السيادة، بانها قدرة الدولة على فرض قوانينها على مواطنيها وأراضيها، وأنها تعني الاستقلال التام. هذا وقد ارست معاهدة وستفاليا عام 1648 لأول مرة مبدأ السيادة بين الدول، ونادت المعاهدة بمبدأ عدم تدخل في الشؤون الداخلية للدول بعد إقرارها مفهوم الدولة القومية وسلطتها القانونية داخل حدودها الاقليمية. وان الدول متساوية بغض النظر عن حجوم تلك الدول، وقد اقر مؤتمر فيينا عام 1814 مبدأ سيادة الدول، وأكد على ان التمثيل الدبلوماسي المتبادل بين الدول هو تأكيد لمبدأ السيادة، ويكتب الدكتور فؤاد شباط في كتابه الدبلوماسية (ص5)، من الملاحظ اليوم أن الدول ذات السيادة اصبحت تتوسع في تمثيلها الدبلوماسي وفي علاقاتها الدولية، وهو عمل يشير إلى ممارسة السيادة على انها تكريس للسيادة. وتعد السيادة وفقا لميثاق الأمم المتحدة ركنا اساسيا يقوم على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع الدول الاعضاء، وحقها في إدارة شؤونها الداخلية على وجه يحقق لها مبدأ الاستقلال الدولي. 

المفهوم المعاصر للسيادة

وفقا لمبدأ التطور التلقائي للمفاهيم، فان مفهوم السيادة التقليدي يمر اليوم باختبار صعب جراء التطور التكنولوجي الهائل الذي أصاب العالم، وجراء تعقد العلاقات الدولية وتحولها إلى علاقات بدأت تؤمن بمبدأ (أن العالم قرية واحدة) جراء شيوع مبدأ الحرية وتنوع معروضات الشبكة الدولية، وان الطيران والصواريخ اختصرت الزمن وقربت المسافات بالتالي غيرت من المفهوم التقليدي للسيادة، فقد اصبحت الدول اليوم على سبيل المثال لا تتمكن من فرض ارادتها على شعوبها في الكثير من المواضيع، وان ما يعد من حق الدولة على شعبها قد تعتبره الأمم المتحدة عملا مخلا بالقانون الدولي الانساني، أو أن المنظمات الدولية تعتبر كثيرا من اختصاصات الدول عملا ضد انسانية البشر او ان عملا أخر تمارسه الدولة يقع في خانة قمع الحريات.

إن المفهوم التقليدي للسيادة كان لا يتيح لاي جهة، حتى وان كانت دولية، التدخل في شؤون إدارة الدولة لرعاياها، غير ان اتفاقيات فينا، ومعاهدات جينيف بشأن الحروب وشؤون الأسرى تتدخل في ممارسة الدول للكثير من صلاحياتها، وان الاعلان العالمي لحقوق الانسان صار سيفا مسلطا على رقاب الدول في كل ما يخص الدول من صلاحيات تتعلق بحق الانسان على سبيل المثال في الحياة (تمنع الاعدام). وحق الانسان في الحرية (تمنع قمع الدول للمتظاهرين.) وحق الانسان في التعليم (تحث الدول على انشاء المدارس) واليوم يذهب القانون الدولي إلى منع الدول من انتاج اسلحة الدمار الشامل، او انتاج الاسلحة الكيمياوية والبايلوجية والنووية، وهي موانع كانت تتعارض مع مبدأ السيادة التقليدي، وبرغم كل شيء فان الدول اليوم وحتى الدول العظمى تخشى في الكثير من مواقفها وسلوكها قواعد القانون الدولي.

الحروب الحديثة ومبدأ سيادة الدول.

لم تعد الحروب بين الدول حروب مواجهة تقليدية بين الجيوش، او انها حروب بنادق او حتى حروب الدبابات، بل اصبحت اليوم الحروب بين الدول تتكون من حروب سيبرانية، "Cyberwarfare" وهي حروب تستخدم الحواسيب وشبكة الانترنت في تدمير البنى التحتية لدولة العدو، وهي حروب ناتجة عن المهارات العلمية بين الدول القادرة على تخطي الحدود وتدمير مبدأ السيادة، كما وان تقدم العلوم الرقمية جاء بحروب أخرى الا وهي حروب التجسس وتدمير العدو عن طريق اختراق مكنونات أسراره والوصول إلى مصادر قوته، كما وان السيادة الاقليمية على الاجواء والمياه الاقليمية لم تعد قادرة على الصمود امام الطيران الخفي، امام تحريف فعاليات الرادارات، وضرب الاهداف على أراض الغير من الدول دون ان تكتشف ذلك الدول المدافعة عن نفسها، وليس اخرا في تطور علوم الدمار هو دخول الصواريخ البالستية (القوسية التي تخرج إلى خارج الغلاف الجوي) العابرة للحدود والعابرة للأجواء، والعابرة للمياه الإقليمية، والعابرة للقارات، تلك الصواريخ التي ربما تحمل رؤوسا نووية لم تعد تدع لسيادة الدول قيمة على الاطلاق. وان الحرب العدوانية الامريكية الاسرائيلية على ايران مؤخرا، وهجمات إسرائيل على لبنان، كانت كل منها نموذجا حيا لخرق سيادة الدول، كما خرقت إيران هي الاخرى سيادة دول الخليج، وان حروب الدول المعتدية على إيران سبقتها وتخللتها حروب سيبرانية خفية، وكل منها كان خرقا فاضحا لسيادة دول الشرق الاوسط، كما خرق حزب الله سيادة اسرائيل، خروقات متبادلة للسيادة، نبهت الامم المتحدة إلى حقيقة واحدة لا غيرها ان ميثاقها لم يعد صالحا في مسألة حماية السيادة، وانها اي السيادة ازاء التطور العلمي اصبحت في مهب الريح، وما على الفقه الدولي الا الاجتهاد لوقف رياح تدمير سيادة الدول وكرامتها، لان العلم الحديث اعاد العالم إلى شريعة الغاب، ولكن هذه المرة بوحشية الانسان لا وحشية الحيوان.