اخر الاخبار

بات الوضع الجيوسياسي للسودان مهدِّداً للأمن الدولي والإقليمي، ويقترب به من أن يكون أرضاً خلاء مفتوحة أمام تنافس النفوذ العالمي. وذلك لا يعود إلى قوة السودان بقدر ما يعود لضعفه الناتج عن تفكك الدولة وعدم قدرتها على بسط سيطرتها على كامل الجغرافيا التي يفترض أنها تخضع لسيطرتها، مما يجعل البلاد مفتوحة بالكامل أمام نشاط منظمات الاتجار في السلاح والبشر والمخدرات، ويوفر بيئة جاذبة للإرهاب الذي ينشط في الجغرافيا التي تضعف أو تنعدم فيها سيطرة الدولة.

كما أن هذا الوضع يُغري بتمدد النفوذ العالمي والإقليمي، خاصة في الأراضي المشاطئة للممرات المائية مثل البحر الأحمر، مما يؤثر على الملاحة وانسياب التجارة الدولية. ولن تنتظر الدول الكبرى، خاصة أمريكا، حتى يصبح أمر مثل هذا واقعاً معاشاً، بل ستسعى للحد من إمكانية وقوعه بالأساليب السياسية، ثم توجيه ضربة عسكرية إن هي فشلت في مساعيها السلمية. وتوضح كل المؤشرات أن هذه المساعي لا تحقق نجاحاً ملموساً، خاصة الآلية الرباعية التي تتعثر أمام تعنت الجيش السوداني الذي يربط ما بين وقف إطلاق النار واستسلام "الدعم السريع" وتسليم أسلحته، وهو الشيء الذي يعتبره الوسطاء بمثابة إعلان موقف تفاوضي قبل الوصول إلى مائدة الحوار. في حين اعتبره "الدعم السريع" موقفاً تنقصه الواقعية السياسية، وأقرب إلى الأحلام منه إلى التفكير الذي يسعى إلى إيجاد حل سلمي، وأن لا شيء يُجبر "الدعم السريع" على الموافقة عليه، وهو الذي يسيطر على كامل إقليم دارفور وأجزاء كبيرة من كردفان.

الوضع السوداني المشار إليه والمزعج للمجتمع الدولي، خاصة أمريكا، هو الذي يدفع إدارة ترامب إلى أن تُبقي على الملف السوداني مفتوحاً رغم مشغوليات البيت الأبيض في مضيق هرمز، لتعلّق ضعف الدولة السودانية وقابلية القضية السودانية للتدويل، الذي قطعت فيه شوطاً بعيداً، بالأمن القومي الأمريكي وتهديد حرية التجارة في البحر الأحمر وبلدان شرق ووسط وغرب أفريقيا. وهو ما يجعل من الصعب تعقب النشاط الإرهابي والتجارة غير المشروعة بطول وعرض القارة الأفريقية، إلى جانب الخوف من تمدد الأسطولين الروسي والصيني في الممر المائي الحيوي في العالم.

تعتقد أمريكا أن رفض الجيش للآلية الرباعية يعود إلى سيطرة نظام الإخوان المسلمين عليه، ففرضت عقوبات على الذراع العسكري للتنظيم ممثلاً في جماعة البراء بن مالك، والتي سارعت قيادة الجيش إلى حلها سداً للذرائع. وهددت تلك المجموعة بأنها لن تُسلم سلاحها، كما إنها لن تتخلف عن ميادين القتال، فقبضت البلاد أنفاسها استعداداً لمواجهة عسكرية قد تندلع في أي لحظة بين الجيش والتنظيم الإسلامي. لكن قائد الجيش امتص هذه الصدمة بمناورة محسوبة قام بمقتضاها بتعيين الفريق ياسر العطا قائداً لهيئة أركان الجيش، وهو جنرال معروف بمواقفه المتشددة التي يدعو من خلالها إلى مواصلة الحرب حتى القضاء المبرم على "الدعم السريع". كما تشير قرائن أحوال عديدة إلى ارتباطه بالتنظيم الإسلامي، وعلى كل حال فإنه القائد الذي يلقى قبولاً وسط الإسلاميين ربما لمواقفه المذكورة.

وهذه الخطوة اعتبرها مراقبون إعادة تموضع للإسلاميين داخل الجيش من جديد، مما يعني عدم التراجع عن المواقف الرافضة للحلول السلمية، وهو ما يُبقي الباب مفتوحاً أمام الخيار العسكري الأمريكي أو مزيد من الضغوط، وذلك بغض الطرف عن طرق إمداد قوات "الدعم السريع" بصورة تمكنها من جعل ميزان القوة العسكرية يرجح لصالحها ويفرض على قيادة الجيش قبول التفاوض، أو العمل على تغيير نظام الحكم من الداخل.

كل هذه الاحتمالات واردة، ولكن الاحتمال الوحيد غير الراجح هو أن يبقى السودان على ما هو عليه كساحة لتقاسم النفوذ الدولي ومسرح للنشاطات التي تهدد الأمن الدولي والإقليمي.