“ فليس هناك من هو غير عاقل لدرجة أن يختار الحرب على السلام، ففي السلم يدفن الابناء آباءهم، وفي الحرب يدفن الآباء ابناءهم” هذا ما كتبه هيروديت، في كتابه “التواريخ” قبل اكثر من 2400 عام.
عند التفكير في موضوع الحروب يقول البعض انها ظاهرة عرفها الكون بعد ظهور الحياة على الارض، وان هناك ثلاثة انواع فقط من الكائنات الحية تنخرط في الحرب: البشر، والشمبانزي والنمل.
بالنسبة للبشر فالحرب ظاهرة شائعة رافقت تاريخهم، وكثيرون يعزوها الى ميل فطري للقتل واحيانا يقولون انه جين يتجلى بصورة هرمون قاتل.
اقدم دليل اثري على الحروب يعود الى 12 الف عام، اي قبل ظهور تشكيلات ومؤسسات اجتماعية مثل الرأسمالية والمدينة والدولة وقبل بدايات الحياة الزراعية المستقرة. ونجد ميلا للحروب لدى مجتمعات الصيد وجمع الثمار ومجتمعات الرعي والزراعة ولاحقا لدى المجتمعات الصناعية وحتى ما بعد الصناعية، والجمهوريات الديموقراطية والديكتاتورية المؤدلجة عقائديا، كما نشهده اليوم.
ويبدوا ان التفسير الشعبي القائم على هرمون الذكورة -التستوستيرون- يتوافق في الظاهر وللوهلة الاولى مع الحقائق. ولكن اذا تمعنا بعمق نجد ان الحرب ظاهرة اجتماعية بالغة التعقيد، ولايمكن تفسيرها بمجرد غريزة حرب كامنة عند البشر، فالمعارك التي يقع فيها العنف ليست سوى جزء من عمليات الحرب المعقدة. فاهم عمليات الحرب تتألف من نشاطات التحضير والتعبئة لها - كتنظيم الجيوش وتعبئة وعي المقاتلين فكريا و حشد الموارد وخطط تصنيع الاسلحة والتعبئة الجماهيرية والسياسية الخ- فلا نجد هنا مجرد رجال يتركون منازلهم ويخرجون منها ويقصون شعرهم و يصنعون ويطورون الاسلحة ويتدربون على استعمالها ويتنظمون في تشكيلات عسكرية بدافع الغريزة والهرمونات.
وخلافا للنظريات البيولوجية للحرب، فليس من السهل حث الرجال على القتال. فقد شهدت القرون الاخيرة لجوء الرجال الى اساليب شتى لتجنب الانخراط في الحروب، كالهروب والفرار وترك اوطانهم، وحتى قطع اعضاء من جسدهم كالاصابع والاقدام او التظاهر بالجنون. مثلا بلغ مستوى عدم الثقة بالجنود في الجيش البرويسي الشهير في القرن الثامن عشر حدا جعل القيادات العسكرية تصدر اوامر بمنع التخييم قرب مناطق الاحراش والغابات، خشية ان يختفي الجنود خلف الاشجار. وحتى عندما يتجمع الرجال للمعركة فلايبدو القتل فطريا لديهم، فكما أوضح المقدم ديف غروسمان في كتابه “عن القتل: التكلفة النفسية لتعلم القتل في الحرب والمجتمع” فان احد اكبر تحديات التدريب العسكري الحربي هو حث الجنود على اطلاق النار مباشرة على الاعداء.
ظهرت الحرب في التاريخ البشري كنزاع مسلح عنيف وصراع قتالي منظم بين جماعات ولاحقا بين دول باستخدام الاسلحة. وفي العادة يكون هناك مراكز لقيادة الحرب. وتهدف الحروب الى تحقيق وفرض اهداف سياسية واقتصادية وايديولوجية عقائدية، وغالبا ماتخلف دمار واسع ومعاناة وسقوط العديد من الضحايا المدنيين.
من الخصائص الرئيسية للحروب:
1. استخدام القوة في نزاع مسلح مستمر لا يقتصر على اشتباكات عفوية،
2. التنظيم، وزج جماعات منظمة ( مثل جيوش او مليشيات او منتفضين) تكون لهم بنية قيادية.
3. لها جهات فاعلة، كصراعات بين دول (حروب دولية) او صراعات داخل دولة واحدة (حرب اهلية) او خليط من ذلك.
4. لها اهداف، كانتزاع السلطة او اراضي او سيطرة على موارد او فرض معتقدات وايدولوجيات او خليط من هذه الاهداف.
وغالباً ما تنشأ الحروب بعد فشل الوسائل الدبلوماسية و عدم حل النزاعات المتعلقة بالسعي وراء السلطة وبالموارد مثل (النفط والمياه) او الأراضي والمناطق الاقليمية أو الهيمنة السياسية أو الاختلافات الدينية/الأيديولوجية، فتقوم السلطة المهيمنة باللجوء الى العنف لفرض ارادتها.
و تكمن العوامل الاساسية للحرب في :
- الصراع على السلطة والنفوذ، فتدفع النزاعات نتيجة رغبة الدول والجماعات لتوسيع أو تأمين نفوذها او غزو الاراضي الى اندلاع الحروب.
- النزاعات حول تقسيم او السيطرة على الموارد، فقد تسبب الخلافات على المواد الخام والموارد كالماء والنفط والاراضي الزراعية الخصبة الحرب.
- التوترات السياسية والاجتماعية، التي تحدث نتيجة السخط من الظلم وقمع الحريات قد تسبب الحروب.
- الاختلافات العقائدية والايديولوجية والدينية: وتنبع هذه النزاعات بين المتطرفين دينيا او مذهبيا، من الذين يسعون لفرض وتصدير معتقداتهم وطرق تفكيرهم بالقوة مما يؤدي الى مواجهات عنيفة.
- مخاوف امنية، عندما تقوم مجموعة او دولة بتسليح نفسها بدافع التفوق او الخوف قد يدفع هذا جيرانها او شركائها في الوطن بالشعور بالتهديد والخوف فيقومون ايضا بتسليح انفسهم، مما يؤدي الى تصعيد وزيادة التوتر الذي قد يدفع الى نشوب حرب.
الحرب في الفكر الماركسي
يقدم الفكر الماركسي الكلاسيكي اطار نظري بالغ الاهمية لتحليل اسباب الحرب، وحسب تطور المجتمعات وتراكم المعارف عن علاقاتها الجارية، تطورت هذه النظرة لتعطي تفسير شامل للحروب في عصرنا الحالي، فقد ركز الفكر الماركسي الكلاسيكي في السابق على العوامل الاقتصادية والهيكيلية البنيوية ولم يراعي العوامل المتعلقة بالوعي الاجتماعي و صراع العقائد والاديان ومشاعر المخاوف الامنية وتأثيراتها السيكولوجية.
وكان من اهم النقاط التي ركز عليها الفكر الماركسي الكلاسيكي:
- الامبريالية وتنافس المصالح الاقتصادية، وهذا ما طوره لينين في طرحه ان الحرب، في ظل الرأسمالية، غالبا ماتتولد نتيجة المنافسة بين الدول الرأسمالية وتنازعها على الاسواق والمواد الخام وفرص الاستثمار.
- الصراع الطبقي وعلاقات الانتاج، فنتيجة لعلاقات الانتاج الغير عادلة في الرأسمالية تبرز صراعات بين الطبقات والفئات الاجتماعية، ويتم استخدام الحرب كوسيلة لتفريغ التناقضات الطبقية الداخلية ولاحكام السيطرة على الطبقات المقهورة ولضمان ديمومة ارباح مؤسسات التسلح.
- الفكر الايديولوجي القومي والديني المتعصب، فمن منظور الفكر الماركسي ان التعصب القومي والديني، كايديولوجية، غالبا مايستخدم لدفع الفئات الكادحة وزجها في الحروب واستغلالها لمصالح الفئات والطبقة الحاكمة.
ورسخت العلوم الاجتماعية المعاصرة هذه المفاهيم وقامت باضافات مهمة لافكار ماركس وانجلز الاساسية الصحيحة. فتم التعمق في دور العوامل العقائدية والايديولوجية، فقد حدثت الكثير من الحروب ولاتزال تحدث نتيجة دوافع قومية او دينية عقائدية او عرقية او نتيجة السعي وراء ابراز وهيمنة هوية اجتماعية وفرضها على الاخرين، وليس نتيجة دوافع اقتصادية ربحية بحتة.
كما وتطور فهم الدولة بشكل اعمق ، فحين ركزت النظرة الكلاسيكية الى الدولة على جانب احادي واعتبرتها كاداة قمعية في يد الطبقة الحاكمة فقط، نشهد اليوم الدول الديموقراطية الحديثة تمثل مصالح شريحة عريضة من فئات مجتمعاتها (مصالح انية ومصالح مستقبلية استراتيجية)، فنجد هناك حروب تنشأ عن مصالح جيوسياسية معقدة لاتعزى مباشرة ولا تنحصر في مصالح انية للطبقة المهيمنة اقتصاديا، مثلا نزاعات الدول حول المنافذ البحرية والجغرافية او حول تقاسم الموارد المائية.
ونعتبر اليوم دور الفرد كعامل في الحروب، فالافراد الذين يسيطرون على اتخاذ القرار ونفسياتهم يلعبون دورا في اشعال الحروب، وهذا ما لم تفسره النظرة الكلاسيكية بشكل كافي.
كخلاصة فقد قدمت الماركسية الكلاسيكية اداة فعالة لتحليل الخلفيات الاقتصادية والنزعات الامبريالية التي تدفع للحروب بعد الثورة الصناعية الاولى والثانية. ولكن التطور سنة الحياة، فحدث تطور واضافات للنظرة العلمية الماركسية تجاه الحروب نتيجة لتراكم المعارف وايضا نتيجة لحركة تطور العلاقات الاجتماعية والدولية بعد الثورة الصناعية الثالثة والرابعة وديناميكية تغييرات مراكز الصناعة والاقتصاد وضغط توسع وانتشار وتفاعل الثقافات تحت شروط العولمة.
ولكن يبقى المبدأ و الموقف الشيوعي الماركسي اللينيني يقوم بالاساس على رفض الحروب. وقام لينين بتحديد مفهوم الحروب العادلة بحروب التحرر الوطني و حروب الدفاع عن “الاوطان الاشتراكية” فقط. فمن غير الصحيح اطلاق مثل هذه الصفات على حرب بين اطراف تتقاتل كلها على بسط النفوذ والاستغلال والتوسع وفرض العقائد والايديولوجيات على شعوب المنطقة، ويلعب العامل العقائدي والديني الطائفي المتعصب دورا كبيرا فيها، وهذا ماتعكسه خطابات جميع اطرافها.
نظرة الفكر العلمي الماركسي الى الدين
لاتعتبر الماركسية الدين سببا مباشرا للحرب، ولكنها ترى ان البعض يقوم باستغلاله للتغطية والتستر على مايضمرونه لتحقيق اطماعهم في الهيمنة والتوسع.
فينظر الفكر العلمي الى الدين من ناحيتين، فمن ناحية هو اسلوب حياة روحية تدعو للسلام والمحبة والامن وطمأنينة البشر ونقائهم الروحي، ولكن من ناحية اخرى تقوم طبقات سياسية مسيطرة متعصبة باستخدامه كأداة ايديولوجية زائفة للسيطرة على وعي الجماهير لتحشيدها وزجها في حروب وصراعات مدمرة لخدمة اهدافها ونزعاتها التوسعية وبالضد من مصالح ابناء الشعب الحقيقية. فتستخدم شعارات تحريضية استفزازية لدفعهم لاعمال عنف عدائية وحروب لخدمة اغراضها.
لقد ركز ماركس على جانب استخدام الدين لتخدير الجماهير اما انجلز فقد رأى طبيعة مزدوجة لاستخدام الفكر الديني‘ وخاصة في مؤلفه “حرب الفلاحين في المانيا” فمن ناحية تقوم قوى القهر والطبقات المهيمنة باستخدامه لتبرير حروبها وتوسعها ومن ناحية اخرى يمكن ان يكون الدين عامل توعية للجماهير الفقيرة في كفاحها ضد سيطرة طبقات القمع الاجتماعي وضد نشوء الحروب ومن اجل سيادة الامن والسلام، ومن الامثلة على استخدام الدين لصالح تحرر الشعوب هو نضال نيلسون مانديلا في جنوب افريقيا ومهاتما غاندي في الهند ومارتن لوثر كنغ في الولايات المتحدة الامريكية، وكل هذه الامثلة كانت نضالا جماهيريا سلميا دؤوبا تكلل بالنصر.
الدمار نتيجة الحروب
لاتسبب الحروب الا الدمار والخسائر للاوطان والشعوب، ولا تقتصر هذه الاثارعلى فترة العمليات الحربية بل تشمل كذلك ماتخلفه الحروب من تأثيرات في كافة مناحي الحياة في فترة مابعد انتهاء الحرب. وتتضمن هذه الاضرار التأثيرات في النواحي النفسية والتدهور الاجتماعي، اضافة للاضرار والخسائر المادية والاقتصادية والبيئية والبشرية. وتتسبب الحروب بنزوح البشر وبالتغييرات الديموغرافية وانتشار الاوبئة والامراض. وتؤدي الى انهيار المؤسسات الادارية والخدمية وانتشار الفساد والفوضى. مما يتطلب جهودا هائلة لاعادة البناء والاعمار والذي يكلف موارد هائلة ويحتاج لعقود من السنين.
لذا فان تأكيد العراق الرسمي واجماع قواه الوطنية على تمسكهم بسياسة “النأي بالنفس” عن الصراعات المسلحة والتصعيد العسكري الجاري حاليا في المنطقة والجوار وحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة هو قرار وطني استراتيجي صحيح، يجب الالتزام به ومحاسبة كل من يحاول اضعافه او خرقه. واعتبار اي سلوك يخالف هذا الاجماع ارهاب وخيانة للوطن وللشعب.
ان السلم هو مفتاح اعمار وبناء الاوطان، والوطن هو المقدس فقال الامام علي (عليه السلام):
“عمرت البلدان بحب الاوطان”.