يمكن الحديث كثيرًا عن عطاء رفيقنا الفقيد (حميد مجيد موسى - أبو داود) في جميع الميادين الحزبية والسياسية والفكرية والتنظيمية وحتى الجماهيرية، فهي معروفة للجميع، ويشهد له بذلك الأعداء والأصدقاء. ولا أريد تكرار ذلك، فهو شخصية عُرفت بالبساطة والدقة، لكنني هنا سأتحدث عن ممارسات عملية كنت شاهدًا عليها تعكس حكمته وقدراته القيادية في اتخاذ القرارات الدقيقة في ظروف صعبة ومعقدة ميدانيًا، كذلك هنالك مواقف أخرى تعكس قدرات الرفيق ومبادراته عندما يتطلب الأمر ذلك دون تردد.
-أول لقاء لي مع الرفيق أبو داود كان عام 1982 في براغ، عندما كان ممثل الحزب في مجلة السلم والاشتراكية، بعد أن قدمت استقالتي من العمل لألتحق بحركة الأنصار استجابةً لنداء الحزب. فوصلت إلى براغ، وكان هو في استقبالي مع رفيق آخر لا أتذكر اسمه، فسلمته البريد الحزبي، ومكثت هناك حوالي أسبوع. بعدها زودني بالبريد الحزبي وبعض التوصيات الرفاقية المهمة، وأوصلوني إلى مطار براغ لأتوجه إلى دمشق، ومن هناك إلى كردستان.
- اللقاء الثاني كان بعد بضع سنوات، عندما التحق هو أيضًا بحركة الأنصار المسلحة، حيث كنا معًا في مقر قاطع بهدينان في موقع قيادي. وأتحدث هنا عن وضعنا عندما قام النظام الدكتاتوري المجرم بالهجوم علينا بالأسلحة الكيماوية يوم 5 حزيران 1987، واستشهد على أثرها رفيقان من رفاقنا، هما الشهيد أبو رزكار والشهيد أبو فؤاد. وكان عدد الرفاق المصابين كبيرًا جدًا مع قلة مواد الإسعافات الأولية وتلوث معظم المواد الغذائية، وكان عدد قليل من الرفاق قادرين على تقديم المساعدة لعشرات الرفيقات والرفاق والأطفال الذين أصيبوا بالعمى المؤقت، والالتهابات، والجروح، وسوء التنفس، وسوء الهضم.
لقد كانت ظروفًا صعبة ومعقدة، وولّدت أوضاعًا نفسية مؤلمة، لكنني شاهدت الرفيق (حميد مجيد موسى / أبو داود)، وهو أيضًا مصاب ويعاني من الآلام وآثار الغاز الكيماوي، لكنه والرفاق القياديين الآخرين كانوا جميعًا في حالة من الصلابة والتفاؤل. وكان الرفيق يسألني عن وضع الرفيقات والرفاق، وكيف تسير إجراءات علاجهم، لم أره يفكر بنفسه، بل برفاقه، ويتابع الصغيرة والكبيرة مع الرفيق توما توماس/ أبو جميل، فكان لذلك أثره في رفع معنويات الرفاق، وعكس قدرته على التحمل والصبر.
- الموقف الآخر، والأكثر تعقيدًا، كان خلال عمليات الأنفال السيئة الصيت التي قام بها النظام الفاشي، حيث أحرق المدن والقرى الكردستانية، واستخدم الأسلحة الكيماوية على نطاق واسع سنة 1988، خصوصًا عند وقف إطلاق النار بين العراق وإيران، فتوجه الجيش إلى كردستان في خطة معدّة مسبقًا، متبعًا سياسة الأرض المحروقة. وكنت في الإعلام المركزي في منطقة خواكورك، وكان الرفيق أبو داود أيضًا هناك وعلى رأس القيادة السياسية في حينها.
فكانت المهمة صعبة ومعقدة للغاية، تتطلب حلولًا وقرارات سريعة ودقيقة. وكانت المهام كثيرة، منها كيفية الحفاظ على الرفاق والقيادة والعوائل والمرضى، وكيفية نقل وإخفاء الأجهزة والوثائق، وترك المقرات والرحيل إلى أماكن أكثر أمانًا. فكانت القرارات سريعة وحكيمة من قبل الرفيق أبو داود، فتم دفن الإذاعة والطابعات والوثائق، وتم ترك المقرات وإرسال وجبات من العوائل والمرضى إلى أماكن أخرى لحمايتهم، ومن ثم التفكير بالكادر وبالرفاق الآخرين.
كانت لحظات عصيبة تتطلب توفير المواد الغذائية ومستلزمات العيش الأخرى خلال التنقل وسط الجبال الوعرة والخطرة، حيث كانت قوات العدو تقصف القرى وأماكن الانسحاب. لقد تجلت هنا القدرات القيادية والفطنة وسرعة ودقة التصرف واتخاذ القرارات مع الرفاق الآخرين، وقد نجح الرفيق في كل ذلك.
- للرفيق موقف لن أنساه معي ومع عائلتي. ففي سنة 1995 مررت بظرف قاهر، حيث تم احتجازي أنا وعائلتي في مطار صوفيا بعد رحلة فاشلة إلى سويسرا لطلب اللجوء، حيث أعادونا إلى مطار صوفيا، وتم احتجازنا لمدة عشرين يومًا داخل السوق الحرة، مع نية تسفيرنا إلى العراق.
فوصل الخبر إلى الرفيق أبو داود، فما كان منه إلا الاتصال بأحد الرفاق من الحزب الشيوعي البلغاري، وهو عضو مكتب سياسي وصديق له عندما كان في بلغاريا، فطلب منه التدخل لإخراجنا من المطار بسلام لأن حياتنا في خطر. وفعلاً قام هذا الرفيق بالذهاب إلى مكتب رئيس الوزراء البلغاري، وطلب منه فورًا اتخاذ قرار إخراجنا من المطار، مؤكدًا أنه لن يغادر المكتب إلا عند تنفيذ ذلك. وفعلاً تم التنفيذ فورًا، حيث جاء شخصان من مكتب رئيس الوزراء إلى المطار، وأشرفا على إخراجنا وتسليمنا وثائقنا، وقالوا لنا: "أنتم الآن أحرار، وعندكم إقامة لا تزال نافذة في بلغاريا، وهل تريدون أن نوصلكم إلى مكان ما؟"
فشكرناهم وقلت لهم: "لا شكرًا، نحن سنتدبر أمرنا". وقد علمنا بهذه التفاصيل لاحقًا.
-قبل عدة أشهر من وفاته، اتصلت به لأخذ معلومات عن رفيق مناضل قديم متوفى. وكنت أعلم بأن الرفيق أبو داود مريض من خلال الرعشة التي في يديه، لكنني لم أكن أعلم أنه في وضع حرج من مرض أكثر خطورة. فاتصل بي في اليوم التالي، وهو يحدثني بفكر صافٍ وذاكرة قوية، ويرشدني إلى السؤال من رفاق آخرين لعلهم يفيدونني في بحثي. لم يشعرني بوضعه الصحي السيئ، بل كان ودودًا فرحًا وهو يتحدث معي.
للرفيق الفقيد حميد مجيد موسى (أبو داود) الذكر العطر دائمًا، ولترقد روحه بسلام. من حقنا أن نفتخر به، ونواصل السير على خطاه من أجل وطن حر وشعب سعيد.