من بين السمات الرائعة، التي اتسمت بها الحركة الشيوعية في العراق، أنها احتضنت قادة تاريخيين، ولدوا من رحمها، وامتلكوا القدرة والكفاءة العالية في قيادة سفينة الحزب وسط أجواء عاصفة، وأمواج عاتية، ميزت بلدنا المنكوب بحكامه وصانعي قراره السياسي، بدءاً من الرفيق الخالد "فهد"، باني حزبنا الشيوعي، والقائد الأسطوري سلام عادل، وقادة الحزب الأماجد "جمال الحيدري" و"العبلي" و"أبو العيس" والعشرات، بل المئات من الرفاق والقادة الاستثنائيين.
ومن الرعيل ما قبل الأخير، برز اسم الرفيق (حميد مجيد موسى - أبو داود) صاحب القدرات والكفاءات المتميزة، والمبادرات الخلاقة في جميع الميادين الحزبية، السياسية والفكرية والتنظيمية والجماهيرية، ليكون حقاً القدوة والنموذج الذي يُحتذى أسوة بقادة الحزب الأفذاذ.
كان محبوباً، وذا هيبة وكاريزما لافتة، ليس بين رفاقه فحسب، وإنما في الأوساط الجماهيرية أيضاً، حيث كانت تشيد بأخلاقه وهدوئه، وطرحه العقلاني، وخطابه السياسي الموضوعي والمقنع في آن.
وفي كل فترات نضاله، السرية والعلنية، وبصرف النظر عن موقعه، سواء في قيادة الحزب، أو في المواقع الأخرى، كان مثالاً ساطعاً في التصدي لمن يريد النيل من الحزب، وفي صياغة أسلوب يوازن بين الجرأة والمرونة في التعبير عن رأيه داخل منظمات الحزب، التي حمل فيها تراكم خبرات كثيرة، وخاض تجارب غنية، أفضت إلى صقل مواهبه ومؤهلاته، لتنتج زعيماً، وقائداً ملهماً يُشار له بالبنان.
كان يعالج المشاكل والصعوبات في العمل الحزبي بروية وبروح رفاقية، مفسحاً المجال أمام الرفاق الآخرين، لكي يدلو بدلوهم، ويفكروا بصوت عالٍ، وله نفس طويل، وقدرة على الأصغاء تدعو إلى الإعجاب.
كان شخصية جامعة، ويعمل بروحية الفريق الواحد، ولم يتخذ يوماً قراراً فردياً، بل يتشاور مع رفاقه في الصغيرة والكبيرة، ويتعامل مع الرفاق سواء كانوا في الهيئة القيادية، أو في بقية التنظيمات الحزبية بروحية المحبة والاحتضان وتشجيع المبادرات، فالكل سواسية لا يفرق بين رفيق وآخر، كما كان يمتلك قدرة استثنائية على الإقناع ساعده في ذلك كاريزميته وثقافته الموسوعية، والتزامه العالي بقيم وتقاليد الحزب، التي تربى عليها منذ يفاعته وانتمائه إلى الحزب في وقت مبكر من حياته الزاخرة بالعطاء.
لم أره في يوم من الأيام طيلة أربعين عاماً من علاقتنا الرفاقية، يرفع صوته، أو يستخف برأي أحد من الرفاق، ويسعى دائماً لتوفير أجواء تسهل على الآخرين الانغمار بالعمل الحزبي في جوانبه المختلفة وفي التراجع عن خطأ ارتكبه رفيق دون قصد.
وثمة صفة أخرى تحلى بها الرفيق "أبو داود"، وهي من أهم صفات الواجب توفرها في القائد الناجح، هي عدم الاكتفاء بالقيادة الآنية، وما يتطلبه الحاضر من شروط ومستلزمات تضمن للحزب النجاح والتطور، بل يرافقها بالضرورة السعي الجدي لاستشراف المستقبل، والتخطيط السليم للاستعداد في معافاة الحزب، وبما يواكب روح العصر، ولذلك اهتم بالجميع، وأظهر اهتماماً كبيراً بالشباب والنساء مع باقي الفئات الاجتماعية في مجتمعنا العراقي، معتبراً أن قوة الحزب، ورصانة تنظيماته ونجاح سياسته، تعتمدان إلى حد غير قليل على هاتين الفئتين، ويؤمن مستقبلاً مضموناً له، فلعب دوراً محورياً في إقرار صيغة "الكوتا"، التي وفرت الفرصة لفوز ممثليهما في الهيئات القيادية.
وكان لا يكتفي ببلورة مجريات النقاش والحوار الجمعي، والخروج باستنتاجات وقرارات تناسب الأوضاع الجديدة في المجتمع العراقي، وتغني سياسة الحزب ومسيرته النضالية، بل كان يتابع التنفيذ أولاً بأول، واضعاً نصب عينيه تنظيمه بأن أفضل البرامج الحزبية، وأكثرها دقة وتماسكاً لغوياً لا تساوي شيئاً إذا لم يجرِ تنفيذها على أرض الواقع بشكل مبدع وحماس يليق بالشيوعيين، فزرع في قلوب الرفاق وتفكيرهم روح المبادرة والابتكار، التي تستلهم سياسة الحزب ومنهجيته، وتعزز هيبته ونفوذه الجماهيري.
وكثيراً ما كان يستشهد بمواقف «لينين» وآرائه في موضوعة النقد والنقد الذاتي باعتباره أحد أهم قوانين بناء الحزب من طراز جديد، وأن القرارات تصبح صحيحة فقط إذا ما نوقشت بروح انتقادية. كما أن ممارسة النقد الموضوعي، وإهمال النقد الذاتي يشكل خللاً كبيراً، وليس أكثر ضرراً من التفاؤل المفعم بالرضا عن النفس، فالانتقاد الذاتي ضروري بلا قيد أو شرط لكل حزب حي ومؤهل للحياة، وقد جرى تجديد الحزب ودمقرطته تحت قيادته، ومشاركة قيادة الحزب وكوادره.
لعب دوراً ريادياً وطليعياً في مجلس الحكم عقب سقوط النظام الدكتاتوري، وكانت آراؤه ومقترحاته موضع تقدير واحترام، حتى من قبل الإسلاميين، واستطاع أن يساهم بشكل جدي في إنضاج بعض القرارات لمصلحة الشعب العراقي، فعلى سبيل المثال لا الحصر، حين طلب (بول بريمر) في أن يكون المرجعية إذا حصلت اختلافات بين أعضاء المجلس، قال له: كلا يجب أن يحل العراقيون خلافاتهم فيما بينهم فأيده الباقون الذين كانوا لا يجرؤون على معارضة بريمر، ومع ذلك كان الأخير أي (بريمر) موضوعياً إلى حد ما، أكثر من أعضاء مجلس الحكم، فالوحيد الذي امتدحه كان الرفيق (أبو داود) في كتابه "قضيت سنة في العراق".
كان يؤكد دائماً وفي كل اجتماع ومناسبة على العلاقة مع الجماهير الشعبية في أماكن تواجدها، وليس انتظارها أن تأتي هي إلينا، فالحزب تأسس من أجل الجماهير ومصالحها الجذرية، وحقوقها المشروعة، ونضاله البطولي من أجل تحقيقها، ويرى أن الابتعاد عن الجماهير الغفيرة سيؤدي إلى اهتزاز ثقتها به، ويجعل منه حزباً نخبويًا كبقية الأحزاب، وبالتالي عدم قدرته على تنفيذ أهدافه النبيلة.
وفي حركة الأنصار الباسلة، التي شارك فيها بجدارة ومن موقع قيادي، كان التفاؤل ديدنه بانتصار قضيتنا العادلة، وعمل على التخفيف قدر الإمكان من صعوبات العمل الأنصاري والتصدي الشجاع للمواقف والحالات الصعبة والخطيرة، وقد ألهم سلوكه هذا وقدرته الفائقة في التحمل والصبر على المكاره، أجيالاً من الشيوعيين، الذين انخرطوا ببطولة في عمل ونشاط الحزب بصورة عامة، وفي الحركة الأنصارية والعمل السري بصورة خاصة.
وحتى عندما انسحب من العمل القيادي ليفسح المجال أمام شباب الحزب وتجديد قيادته، ظل مستمراً على الحضور إلى مقر الحزب، مقدماً نصائحه ومقترحاته للرفاق، دون أن يبخل على الحزب بأي شيء.
إن الرفيق العزيز حميد مجيد موسى «أبو داود» مفخرة من مفاخر الحزب، وشجرة وارفة الظلال وأصيلة من أشجاره الباسقات لكل من سار ويسير في المستقبل على طريق الهدف الأسمى في الوطن الحر والشعب السعيد، بل هو مفخرة ومدعاة للاعتزاز والتقدير لكل الحركة الوطنية والديمقراطية، وللشعب العراقي بأكمله، وخسارته كبيرة لأنه قائد فذ كرس كل مواهبه ومؤهلاته لخدمة الحزب والشعب العراقي.