اخر الاخبار

لست هنا بصدد الكتابة عن (الشيوعية) بوصفها (أيديولوجيا) تأسست عليها أحزاب سياسية شغلت ـ وما تزال ـ فضاء الفكر السياسي والثقافي والاجتماعي الإنساني في أزمنته الحديثة والراهنة.

كما لا أذهب بالحديث عن (الحزب الشيوعي العراقي) ومكانته الراسخة التي لا تُجارى ـ شخوصًا وتاريخًا نضاليًا ـ ضمن الحراك السياسي العراقي منذ تأسيسه وحتى راهنه الوطني الخاص.

ما تنقطع إليه كتابتي هذه هو (الشيوعيون العراقيون) ذاتهم، هؤلاء الذين تبتلوا بكل مشاعرهم ووعيهم انشدادًا لتراب العراق وإنسانه، فكانوا ملحًا لأرضه، ونسغًا مجالدة متواترة من الوعي والثقافة والانتماء الحميم إلى هذا الوطن وفئاته الاجتماعية المتعددة في نسيجها البشري وتلوناتها الطبقية والدينية والمناطقية، حتى نبتت وتعالت على الأرض التي طالما تدفق مسيل دمائهم فوقها ـ في كل أزمنة العراق وأنظمته السياسية التي ناصبتهم العداوة ـ أشجارًا بشرية عالية القيم في كل مناحي الحياة العراقية ومجالاتها.

نعم.. الشيوعيون العراقيون هم ملح الأرض العراقية التي لا يعرف مذاقها المقدس من لم يغمس خبزته بمحبة هذا الوطن، ويشم فيها ذلك العبق الوطني (الشيوعي) الذي ما قايض حنينه لعراقيته بكل شاسع الدنيا وبأي طمأنينة انتماء دعته إليها، حتى حقّ لهم أكثر من سواهم أن ينشدوا:

وَطني لو شغلت بالخلد عنه    نازعتني إليه في الخلد نفسي

لقد انتموا إلى ناسهم من دون أي التفات لما يفرق بينهم، فما توقفوا ـ كما مناوئيهم ـ عند أن يكون مؤسس حزبهم عراقيًا (مسيحيًا)، ولا أن يتولى قيادته في مراحل لاحقة زعيم (كردي) أو آخر (عربي)، أو من أيما طائفة كان، ولعلها حالة لم تكن بهذه النصاعة في بلدان أخرى غير العراق.

لم يمايز الشيوعيون العراقيون في عقيدتهم بين عربي وأعجمي إلا (بالتقوى) النقية المرتهنة إلى محبة العراق واللواذ بتاريخه ومسماه، والنضح القيمي المجبول بشيم أهله وطيبتهم ووضاح سرائرهم، فكان قدرهم مجتمعين أن تعتلي أجساد الكثير منهم المشانق شهداء أبرارًا، وأن تصعد أرواحهم إلى عليينها، متماهية الصوت والكلمة واليقين الوطني الذي لا يجادل في انتمائه، من أجل غاية ما حادوا عنها، تدعو إلى (وطن حر وشعب سعيد).

في واحدة من أنبل القيم التي تنادت إليها الإنسانية، تلك التي تضمنها حديث للرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أن (الدين المعاملة). ومن يرصد كثيرًا من الفيض القيمي لشيوعيي العراق سيكاشفه أن تلك عندهم ممارسة سلوكية غير مدّعاة، كانوا هم فيها الأنقى والأرقى والأكثر تثبتًا، وإلا فجد لي شيوعيًا عراقيًا اغتنى من شيوعيته، أو امتلك من متاع الدنيا ما فاض عن حاجته. لقد كانت حصتهم من الثراء ـ الذي يتقاتل عليه سواهم ـ مختلفة، ومثيرة للغرابة والعجب، فهي أرصدة من التقتيل والتشريد والانقطاع عن الوطن والأهل والعيال، والموت في غيابات جبّ الأنظمة، أو في زمهرير الاغتراب، واشتجار الحنين الذي تراكم مدده عند مبدعيهم أشعارًا وأغنيات، وبوحًا عراقيًا لا يُجارى في لوعته وتدلهه باشتياقه الوطني الذي ما انطفأت جمرته.

يقول الإمام علي (عليه السلام): (غاية الأدب أن يستحي الإنسان من نفسه). ومن ـ كالشيوعيين العراقيين ـ استكانت نفسه إلى ملاذات حياء باذخ، فما خاتلها بقناعات سوى تلك التي وطّنها عليها، لتستقيم مطمئنة غير أمارة بالسوء. نفس ما راودتها دوافع أنانية الهوى، ولا انتهكها رغبة في مطمع دنيوي، ولا رهبة من آخرة يدعي امتلاك مفاتيحها سواهم، فكان أن غادر أكثرهم الدنيا محتسبًا، بثوب أبيض ونفس من دون دنس دنيوي يتعلق بأهدابها، نفس راضية مرضية.

أقلني مرة أحد الزملاء من الشيوعين في سيارته من داخل فناء جامعة بغداد. وحين وصلنا عند بوابتها الخارجية تذكر أنه لم يدفع الألفي دينار ـ وهي أجرة (الكراج) الذي كانت سيارته فيه ـ فامتعض وراح يلوم نفسه بانفعال لافت. قلت له: لا عليك ادفع المبلغ غدًا. رد علي وهو يستدير عائدًا إلى داخل الجامعة: ومن يضمن وجودي لغد؟ وهكذا عدنا لنعلق في زحام الجامعة أكثر من ساعة ونصف! راح خلالها يكرر اعتذاره لي، وما كان يدري أنني كنت أردد مع نفسي عنه ـ وبلهجة شعبية ازدحمت مفرداتها على شغاف القلب: "تروحلك فدوة على مصداقيتك هذه ألف عمامة مزورة الدواخل والقيم".

لا يصدق القول أن (حب الوطن من الإيمان) كما يصدق في مواقف الشيوعيين العراقيين، هذا الحب الذي استحال إنتاجًا معرفيًا وثقافيًا هم صفوة منتجيه والأسماء المشرقة في فضاءاته الشاسعة، ومن أيما مناحيه جئتها.

لك أن تذكر أسماء شعراء العراق وقصاصيه وروائييه، وتتأمل كم حصة للشيوعيين فيهم؟

لك أن تذكر المربين والتربويين العراقيين في كل مراحل التعليم، واسأل من ظل منهم في ذاكرة الأجيال كما هم المربون الشيوعيون؟

لك أن تستعرض أسماء فناني العراق، من مسرحيين وتشكيليين وملحنين ومطربين، وتنسبهم إلى الفكر الذي أرسوا مواهبهم ووعيهم عند تجلياته، واصدق القول مع نفسك: كم حصة لغير الشيوعيين منهم؟

لك أن تذكر وقائع بيئتنا العراقية الشعبية ـ ريفًا ومدينة ـ وفي مختلف مكتنزات تشكلها، وتتساءل صادقًا: أي مثقف شيوعي لم يقف عندها ويحني وعيه وذاكرته لتلقيها ومعايشة منتجيها في بيئاتهم، ليبذل لاحقًا جهده في جمعها وتدوينها والاشتغال الرصين عليها؟

ولك أن تفرش بين يديك خارطة الوطن باتساعه، وتمعن النظر في تضاريسه، وتسائلها: مدنًا وقرى، جبالًا وأودية، صحارى وأهوارًا: أي مساحة فيها لم تطأها أقدام الشيوعيين العراقيين، وتصدح في ثناياها عزائمهم وتطلعاتهم وأناشيدهم... ودمائهم؟!

لك هذا المرتهن من التساؤلات وسواها، وعليك أن تكون منصفًا وصادقًا مع نفسك ووعيك في استحضار إجابة أمينة وحصيفة الرصد، لتشاركني القول: أن أولئك هم الشيوعيون العراقيون، ملح الوطنية العراقية وشجر معارفها الأوفر، الوارف الظلال والثمر. وتلك بعض أرصدة وجودهم الوطني المتدافع القيم والعطاء عبر ما تجاوز التسعين سنة من عمر حزبهم العتيد.

وسترى بعد ذلك كله أن عنوان هذه المقالة: **(من ذا الذي عرف الشيوعيين العراقيين يقينًا وما أحبهم)** لبس سؤالًا بل جوابًا متيقنًا من مقاصده.