اخر الاخبار

بمناسبة الذكرى الثانية والتسعين لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي، نستحضر واحدة من أبرز التجارب السياسية والاجتماعية في تاريخ العراق الحديث، تجربة ارتبطت منذ نشأتها الأولى بقضايا العمال والكادحين، ووضعت نفسها في صلب النضال من أجل العدالة الاجتماعية والحرية والكرامة الإنسانية.

تأسس الحزب الشيوعي العراقي عام 1934 في ظل ظروف بالغة التعقيد، حيث كان العراق يرزح تحت وطأة الهيمنة الاستعمارية والتفاوت الاجتماعي الحاد، وانعدام الحقوق الأساسية للطبقة العاملة. ومنذ ذلك الحين، تبنّى الحزب قضية العمال بوصفها قضية مركزية، ليس فقط من خلال الشعارات، بل عبر الممارسة اليومية في مواقع العمل والنقابات والتنظيمات الجماهيرية.

وفي هذا السياق، يبرز الدور التاريخي البارز للرفيق يوسف سلمان يوسف، الذي يُعدّ من أبرز القادة المؤسسين للحزب، والذي أسهم في ترسيخ الهوية الطبقية للحزب وربط نضاله بشكل مباشر بقضايا العمال والكادحين. فقد كان للرفيق فهد دور ريادي في توجيه العمل الحزبي نحو أوساط الطبقة العاملة، ليس فقط تنظيماً بل فكراً وممارسة. ويُسجَّل له إصدار أول بيان عمالي في العراق يحمل الشعار الأممي الخالد «يا عمال العالم اتحدوا»، في خطوة جسّدت الارتباط العميق بالحركة العمالية العالمية، ورسّخت مبادئ التضامن الأممي في نضال العمال العراقيين. وقد شكّل هذا البيان محطة مفصلية في تاريخ الوعي العمالي، حيث أسهم في رفع مستوى التنظيم والنضال، وأعطى دفعة قوية لتأسيس حركة نقابية واعية بحقوقها ودورها في التغيير الاجتماعي.

لقد كان للحزب دور ريادي في نشوء وتطور الحركة النقابية العمالية في العراق، حيث ساهم بشكل مباشر في تأسيس أولى التنظيمات النقابية المستقلة، ودافع عن حق العمال في التنظيم والإضراب والتفاوض الجماعي. ولم يكن هذا الدور سهلاً، إذ واجه الحزب وأعضاؤه حملات قمع شرسة، شملت الاعتقال والتعذيب والإعدام، إلا أن ذلك لم يثنِه عن الاستمرار في الدفاع عن حقوق الطبقة العاملة.

على امتداد عقود طويلة، ارتبط اسم الحزب الشيوعي العراقي بالعديد من المحطات النضالية المشرّفة، بدءاً من الإضرابات العمالية في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، مروراً بالمشاركة الفاعلة في انتفاضات الشعب العراقي ضد الاستبداد، وصولاً إلى دوره في الدفاع عن الحريات النقابية بعد عام 2003، في ظل التحولات السياسية التي شهدها البلد.

لقد أسهم الحزب في ترسيخ مفاهيم العدالة الاجتماعية، والضمان الاجتماعي، وحقوق العمل اللائق، والمساواة بين الجنسين في بيئة العمل، كما دعم بقوة قضايا المرأة العاملة والشباب، وسعى إلى بناء حركة نقابية ديمقراطية مستقلة تعبر عن مصالح العمال الحقيقية بعيداً عن الهيمنة والتبعية.

ولا يمكن الحديث عن تاريخ الحزب دون التوقف عند حجم التضحيات التي قدمها مناضلوه، حيث سقط الآلاف من الشهداء في سبيل مبادئهم، وتعرض الكثير منهم للسجون والملاحقات، لكن هذه التضحيات كانت وقوداً لاستمرار النضال وتعزيز الإيمان بعدالة القضية.

وفي السياق الراهن، حيث يواجه العمال في العراق تحديات متزايدة، من بطالة وتراجع في مستوى الأجور، وضعف في أنظمة الحماية الاجتماعية، وانعدم شروط الصحة والسلامة المهنية، وتداعيات الأزمات الاقتصادية والسياسية، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى استلهام تجربة الحزب الشيوعي العراقي في التنظيم والنضال، وتعزيز وحدة الحركة العمالية، وتطوير أدواتها للدفاع عن حقوقها المشروعة.

إن الذكرى الثانية والتسعين لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي ليست مجرد مناسبة للاحتفال، بل هي محطة للتقييم واستذكار الدروس، وتجديد العهد بمواصلة النضال من أجل عراق ديمقراطي عادل، يضمن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لجميع أبنائه، وفي مقدمتهم الطبقة العاملة التي كانت ولا تزال عماد التنمية والتقدم.

وفي هذا اليوم، نحيّي بإجلال كل مناضلي الحزب الشيوعي العراقي، ونستذكر شهداءه الأبرار، ونؤكد أن مسيرة النضال من أجل حقوق العمال ستبقى مستمرة، مستندة إلى تاريخ طويل من الكفاح والتضحيات، ومؤمنة بأن المستقبل يصنعه أولئك الذين يتمسكون بحقوقهم ويناضلون من أجلها بثبات وإصرار.