حين نستعرض مسيرة اثنين وتسعين عاماً من عمر الحزب الشيوعي العراقي، فنحن لا نتحدث عن تاريخ تنظيم سياسي عابر، بل نؤرخ لصيرورة الدولة العراقية الحديثة في أبهى تجلياتها النضالية والاجتماعية. هذا الحزب الذي لُقب وبجدارة استحقها "عميد الحركة الوطنية العراقية"، لم يكن مجرد رقم في المعادلة السياسية، بل كان وما يزال المحرك الفاعل والبوصلة التي وجهت مسارات الوعي في كل مفاصل الحياة العراقية، وقدم التضحيات الجسام في سبيل "وطن حر وشعب سعيد".
في الحادي والثلاثين من آذار عام 1934، التقت مجموعة من الشباب التقدمي، المسلحين بالوعي والمطلعين على أحدث النظريات السياسية والاجتماعية في العالم، ليضعوا اللبنة الأولى لما عُرف آنذاك بـ "لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار". لم يمضِ سوى عام واحد حتى تحول الاسم إلى "الحزب الشيوعي العراقي"، لينطلق هؤلاء الرواد مبشرين بمبادئ العدالة والحرية والمساواة.
استقبلت الجماهير العراقية هذا الوليد الجديد بإيمان راسخ وترحاب منقطع النظير. لم تكن المبادئ الشيوعية غريبة على تطلعات الفقراء، بل كانت الصدى الحقيقي لآلامهم وتطلعاتهم نحو الانعتاق. وفي سنوات قليلة، تغلغلت هذه الأفكار في أزقة المدن، وقصبات الأهوار البعيدة، وصولاً إلى القرى المتكئة على سفوح جبال كوردستان. لقد نجح الحزب في تحويل النظرية إلى طاقة نضالية تقود الجماهير في سوح الكفاح المطلبي والوطني، مغيرًا خارطة الوعي الطبقي في بلد كان يرزح تحت وطأة الإقطاع والاستعمار.
"عرقنة الماركسية": سر الخلود والانتشار
إن الانتشار الواسع لأفكار الحزب ونشاطه، الذي أقلق مضاجع السلطات المتعاقبة وهز كراسيها، لم يكن ليتحقق لولا العبقرية الفذة لقادته الأوائل، وعلى رأسهم الرفيق الخالد "فهد". هؤلاء القادة استطاعوا بذكاء لافت إضفاء بُعد وطني على النظرية الماركسية، ومنحها نكهة عراقية خالصة، في عملية سوسيولوجية فكرية يمكن تسميتها بـ "عرقنة الماركسية".
لقد جعلوا من الفلسفة المادية الجدلية لغة مفهومة لدى الأستاذ الجامعي والفلاح البسيط، ولدى الأديب المبدع والعامل الكادح. طرحوا المبادئ والافكار الماركسية بروح عراقية جعلتها تلامس شغاف القلوب وتمس واقع الحياة اليومية، مما جعل المواطن العراقي يشعر بأن خلاصه من الجهل والفقر والاضطهاد يكمن في تطبيق هذه الرؤى التقدمية. لقد كشف الحزب زيف الاستغلال الإقطاعي وخداع كبار التجار، وزرع في عقول المهمشين حقهم الأصيل في حياة حرة كريمة تليق بآدميتهم وتضمن توزيعاً عادلاً للثروات بلهجة عراقية يتنفسها العراقي بطعم الوجع وبروح الطين المعجون بأصالة عمقها التاريخي يمتد لآلاف السنين لتصبح صيرورة شعب كلما كبر يوم تقدمت معه هذه البوصلة المتلازمة لتكون علامة فارقة لا يمكن فصل العراقي عن افكاره النضالية والثورية عبر تاريخه الطويل لتنتهي ببصمة ماركسية حتى وان لم يعلن عنها.
الحزب كمنارة تربوية وثقافية واجتماعية
لم يقتصر دور الحزب على النضال السياسي المباشر، بل تحول إلى مدرسة شاملة؛ سياسية وثقافية وفنية. في كل قرية ومصنع ومدرسة، كان رفاق الحزب يتركون بصمة نوعية. الفلاح في حقله بات يدرك قيمة الأرض وحقوقه المسلوبة، والعامل في مصنعه صار يعي قوة تنظيمه النقابي وقدرته على الإضراب والمطالبة، والمعلم في مدرسته أضحى رسولاً للتنوير ومحاربة الأمية والجهل.
بفضل هذه المدرسة، تخرجت أجيال تلو الأجيال لتغذي الحياة العراقية بكل ما هو مبدع ومتميز، بعيداً عن الرتابة والجمود. وبإسناد مباشر من الحزب، ولدت لأول مرة في تاريخ العراق اتحادات ونقابات مهنية رصينة، ضمت في صفوفها أبطالاً دافعوا عن حقوق زملائهم بكل شجاعة. كما تعلمت الأحزاب السياسية الأخرى من الحزب الشيوعي فنون التنظيم الحديث، وأساليب الإعلام السياسي، بدءاً من "المنشور السري" وصولاً إلى الصحيفة والمجلة الملتزمة.
لقد كانت كلمة "رفيق" التي أشاعها الشيوعيون، رمزاً للمساواة والرفقة في درب الآلام والآمال، حتى انتقلت هذه المفردة لتصبح جزءاً من القاموس السياسي والاجتماعي العراقي عامة. وهنا نستذكر شعار الرفيق فهد الخالد: "قووا تنظيم حزبكم، قووا تنظيم الحركة الوطنية"، كدليل على نكران الذات وتغليب المصلحة الوطنية العليا في مواجهة التحديات المصيرية.
الثورة الأدبية والجمالية: الريادة في الكلمة والموقف
لعل أعظم تجليات تأثير الحزب تكمن في "الانقلاب الثوري" الذي أحدثه في الساحة الأدبية والجمالية. فبفضل التثقيف التقدمي، واحتضان الحزب للطاقات الادبية الشابة وتشجيعه لها ولدت حركة أدبية جديدة كسرت قيود المدرسة التقليدية والشعر العمودي. ومن رحم هذا الوعي، انطلقت حركة "الشعر الحر" التي قادها رواد شيوعيون وأصدقاء للحزب، لتغير وجه الشعر العربي إلى الأبد، وتجعل من الكلمة سلاحاً في وجه الظلم.
ولم يتوقف الإبداع عند الشعر الفصيح، بل امتد ليعيد صياغة القصيدة الشعبية. فكانت قصيدة "الريل وحمد" للشاعر الشيوعي الكبير مظفر النواب بمثابة "القدحة الأولى" التي فجرت الطاقات الكامنة في الروح العراقية، محولة الشعر الشعبي من مجرد نظم تقليدي إلى أداة تعبيرية حداثوية هزت وجدان الشعب. وتبع النواب شعراء عظام مثل عريان السيد خلف وأبو سرحان وزهير الدجيلي وزامل سعيد فتاح واخرون، الذين رفدوا الساحة الأدبية بنصوص ستظل خالدة، تجمع بين شجن الريف ووعي المدينة، بين العشق الوطني وعشق الحبيبة الذي تحول بأبداع ملحنين الى فن غنائي متميز يغنيه راكب الزورق في الهور ويطرب له متذوقي الموسيقى السمفونية الحديثة.
وفي المسرح، وضع الشيوعيون حجر الأساس للمسرح الواقعي والملتزم والمسرح الجامعي. فأسسوا مدرسة مسرحية عراقية متميزة، تخرج منها فنانون وفنانات كبار مثل يوسف العاني، زينب، وناهدة الرماح، الذين قدموا فنًا يحاكي هموم الناس، ويعيد صياغة ذاكرة العراقيين من خلال خشبة المسرح التي أصبحت منبراً للتغيير الاجتماعي من خلال تأسيسهم لفرق مسرحية متميزة ومبدعة .. فرقة مسرح الفن الحديث وفرقة مسرح اليوم ومسرح الستين كرسي وغيرها الكثير في المحافظات.
جسر الثقافة العالمية واغتيال الرتابة
كان للشيوعيين الفضل الأكبر في انفتاح القارئ العراقي على الثقافة العالمية والمنجز الإنساني. فمن خلال الترجمة، نقلوا روائع الأدب والفلسفة والسياسة من اللغات العالمية إلى العربية والكوردية. كان السجناء الشيوعيون، رغم قسوة الزنازين وظلام المعتقلات، يحولون السجون إلى ورش للترجمة والكتابة، لينقلوا نتاجات ماركس ولينين وغرامشي، وروائع الرواية العالمية لهمنغواي وتولستوي ومكسيم غوركي وغيرهم، إلى أيدي القراء في أقصى مدن وقصبات العراق. وقد ولجوا في دهاليز التاريخ والتراث العراقي دراسة وتحليل وفق أحدث النظريات ليقدموا هذا التاريخ بشكل مغاير بعد خلصوه من الافكار الغير واقعية والظلامية ليقدموه عبر تحليل علمي تقدمي غير نظرة العالم على تاريخنا المشرق.
أما في مجال الموسيقى، فقد كان للشيوعيين الريادة في نشر "الأغنية السياسية" الحديثة بألحان مبتكرة لم يعتدها العراقيون. من منا لا يذكر نشيد "سنمضي سنمضي إلى ما نريد.. وطن حر وشعب سعيد"؟ تلك الأغنية التي ولدت خلف القضبان لتصبح نشيداً وطنياً يتردد في التظاهرات والبيوت.. لم تكن أغانيهم مجرد شعارات جافة، بل كانت مزيجاً عبقرياً بين العاطفة والسياسة، تلامس شغاف القلوب وتستنهض الهمم، وتؤكد على حب الحياة والجمال. ولهم الاسبقية في انبثاق الاغنية الوطنية المطعمة بالعاطفة الانسانية والتي أبدع فيها فنانون شيوعيون كبار مثل فؤاد سالم وجعفر حسن وانوار عبد الوهاب علما ان اغلب المطربين العراقيين الذين غنوا في عقد السبعينات، إذا لم يكونوا شيوعين فقد خرجوا من معطف الحزب واليوم عندما يتحدث المثقفون عن الشعر العراقي، يستحيل تجاوز السياب وسعدي يوسف؛ وبلند الحيدري وكاظم السماوي وفي الرواية، يتصدر المشهد غائب طعمة فرمان؛ وفي الفن التشكيلي والسينما والمسرح، نجد بصمات الشيوعيين في كل زاوية. إنها شمولية التأثير التي جعلت من الحزب "مؤسسة وطنية شاملة" تتجاوز حدود العمل الحزبي، لتصبح هوية ثقافية عراقية بامتياز.
الحزب في مواجهة العواصف: صمود لا ينكسر
لا يمكن تخيل تاريخ العراق الحديث بلا الحزب الشيوعي. ولهذا السبب، احتضن العراقيون هذا الحزب وحموه في حدقات عيونهم رغم كل حملات الإبادة والمطاردات والسجون والإعدامات. لقد تعرض الشيوعيون لأبشع أساليب القمع من كافة السلطات التي تعاقبت على حكم العراق، لأنهم رفضوا المساومة على مصالح الشعب أو المهادنة في القضايا الوطنية.
حتى في عهد الزعيم عبد الكريم قاسم، الذي يُحسب تاريخياً كفترة مد يساري كاسح، لم يسلم الشيوعيون من الملاحقات والاعتقال. أما في عهد الدكتاتورية، فقد بلغت الهجمة ذروتها بمحاولات اجتثاث الحزب، مما أجبر الآلاف من الشيوعين على الهجرة أو الالتحاق بحركة "الأنصار" في جبال كوردستان، ليواصلوا نضالهم المسلح ضد الطغيان. ورغم كل ذلك القمع الممنهج، لم يندثر الحزب، بل كان يعاود الظهور كالعنقاء، لأن حاجة الناس إليه نابعة من كونه المدافع الأمين عن حقوقهم المسلوبة.
ميزان النضال وبوصلة العمل الوطني في المرحلة الراهنة
وفي ظل المتغيرات السياسية الكبيرة التي يشهدها العراق المعاصر، قد يتوقف البعض عند نتائج الانتخابات الأخيرة، ولكن الحقيقة الماثلة للعيان تتجاوز لغة الأرقام الانتخابية الضيقة. فرغم خسارة الحزب في الانتخابات الأخيرة، إلا أنه يبقى بوصلة العمل الوطني وميزان النضال الجماهيري الذي لا يمكن الاستغناء عنه.
إن الحزب الشيوعي العراقي يمثل الضمير الحي للقوى التقدمية، ولعموم الحركة السياسية العراقية، وهو الصخرة التي تتكسر عليها محاولات تغييب الوعي الطبقي. إن دوره في توجيه نضال الكادحين، والمطالبة بالعدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد والمحاصصة، يجعله رقماً صعباً في الساحة السياسية لا يقاس فقط بالمقاعد البرلمانية، بل بمدى تأثيره في الشارع العراقي وقدرته على تنظيم الاحتجاجات ورفع سقف المطالب الوطنية. فالجماهير، حتى تلك التي لم تصوت له، تعرف تماماً أنه المدافع الأشرس عن لقمة عيشها وكرامتها.
الرموز الخالدة والبصمة التي لا تُمحى اثنان وتسعون عاماً من العطاء المتجدد
يحتفل الشيوعيون العراقيون هذا العام بالذكرى الثانية والتسعين للتأسيس، وهو عمر يقارب عمر الدولة العراقية الحديثة. لقد استطاع هذا الحزب أن يثبت، طوال تسعة عقود ونيف، أن الأفكار الحية لا تموت بالرصاص، وأن العزيمة لا تفلها السجون. اليوم، يقف الحزب شامخاً، مستذكراً شهداءه وقادته ومبدعيه، ومؤكداً أن المسيرة مستمرة من أجل التغيير الشامل والعدالة الحقيقية.
إن العراق بلا حزب شيوعي هو لوحة ناقصة الألوان، وقصيدة تفتقد القافية، وحركة وطنية تفتقد البوصلة. سيظل هذا الحزب، بمرونته وقدرته على النقد الذاتي والتجدد، الضمانة الحقيقية للدولة المدنية الديمقراطية، والمنار الذي يهتدي به كل كادح ومثقف وباحث عن غدٍ أفضل في بلاد الرافدين. شاء من شاء وأبى من أبى، يظل الحزب الشيوعي العراقي هو "العميد" الذي لا تشيخ مبادئه.