اخر الاخبار

تُعدّ مسألة الحرب والسلم من أكثر القضايا تعقيداً في الفكر السياسي، وقد احتلت موقعاً مركزياً في الأدب الماركسي التي سعى إلى فهمها ضمن سياقها الطبقي والسياسي والدولي. فالحرب ليست مجرد فعل عسكري عابر، بل هي نتاج لتوازنات القوة وصراعات المصالح، وغالباً ما تكون الشعوب هي الضحية الأولى لها. ومن هذا المنطلق، يتحدد موقف الشيوعيين من الحرب على أساس التمييز بين ما هو مبدئي وما تفرضه ضرورات الدفاع عن السيادة الوطنية. وفي هذا السياق، تبرز أهمية المواقف المبدئية التي تُدين الحروب العدوانية، ومنها العدوان الإسرائيلي–الأمريكي على إيران في 28 شباط، باعتباره نموذجاً صارخاً لانتهاك سيادة الدول وتصعيداً يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة.

ينطلق الفكر الشيوعي من التمييز بين نوعين أساسيين من الحروب: الحروب العادلة والحروب غير العادلة. فالحروب العادلة هي تلك التي تخوضها الشعوب دفاعاً عن وجودها، أو تحرراً من الاحتلال، أو مقاومةً للعدوان الخارجي، وهي حروب مشروعة أخلاقياً وسياسياً. أما الحروب غير العادلة، فهي الحروب العدوانية التي تُشن لتحقيق مصالح توسعية أو لفرض الهيمنة، وغالباً ما تكون على حساب سيادة الدول وحقوق الشعوب. وبذلك، لا يتبنى الشيوعيون موقفاً مطلقاً مناهضاً لكل الحروب، بل يميزون بين طبيعتها وأهدافها، فيدعمون الحروب الدفاعية ويرفضون الحروب العدوانية.

ويتقاطع هذا الفهم مع قواعد القانون الدولي التي تحظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، باستثناء حالات محددة، أبرزها حق الدول في الدفاع عن نفسها عند التعرض لعدوان مسلح. وبخلاف ذلك، تُعدّ الحروب انتهاكاً لسيادة الدول وتهديداً للسلم والأمن الدوليين، الأمر الذي يعزز الرؤية الرافضة للحروب التوسعية، والمقرّة في الوقت ذاته بشرعية الدفاع عن النفس بوصفه حقاً سيادياً.

وفي هذا السياق، يمكن الاستدلال على ذلك من خلال ما جرى في 28 شباط، حين تعرّضت إيران لعدوان إسرائيلي–أمريكي شكّل انتهاكاً واضحاً لسيادتها، وأدى إلى مقتل مرشد الثورة وعدد من القيادات البارزة. إن مثل هذا الفعل يندرج ضمن الحروب العدوانية التي تستوجب الإدانة، ويمنح الدولة المعتدى عليها حق الرد في إطار الدفاع المشروع عن النفس. غير أن هذا الحق، على مشروعيته، ينبغي أن يُمارس ضمن حدود حماية السيادة ومنع الانزلاق إلى توسيع دائرة الصراع، بما يفاقم من معاناة الشعوب ويهدد استقرار المنطقة.

وعندما تتعرض دولة ما لتهديد وجودي، فإن ذلك يستدعي موقفاً وطنياً جامعاً تتوحد فيه مختلف القوى السياسية، مواليةً ومعارضةً، للدفاع عن الوطن. ففي مثل هذه اللحظات، تتقدم أولوية السيادة على الخلافات السياسية، ويغدو الحفاظ على الدولة هدفاً مشتركاً. وفي هذا الإطار، يظل قرار الحرب والسلم من الاختصاص الحصري للدولة ومؤسساتها الدستورية، بوصفها الجهة المخولة بتمثيل الإرادة الوطنية، ولا يمكن القبول بأي دور موازٍ أو بديل يفرض خياراته خارج هذا الإطار.

إن وجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة يشكل مساساً مباشراً بالسيادة الوطنية، ويفتح الباب أمام إدخال البلاد في صراعات لا تخدم مصالحها، إذ قد تتحرك هذه القوى وفق ارتباطات عقائدية أو إقليمية، بما يؤدي إلى تقويض القرار الوطني المستقل. ومن هنا، فإن حصر السلاح بيد الدولة يمثل شرطاً أساسياً لحماية السيادة ومنع الانزلاق إلى نزاعات خارجية.

وفي هذا السياق، تبرز إشكالية خطيرة تتمثل في لجوء بعض الأطراف إلى استهداف السفارات والبعثات الدبلوماسية أو المواقع الأمنية والمطارات، بذريعة الرد على العدوان الإسرائيلي–الأمريكي أو التصدي له. إن مثل هذه الأفعال، بصرف النظر عن دوافعها المعلنة، تُعدّ خرقاً لالتزامات العراق الدولية وانتهاكاً لسيادة الدولة وهيبتها، كما تضعها في مواقف سياسية وقانونية محرجة أمام المجتمع الدولي. والأخطر من ذلك أنها تستدعي ردود فعل مقابلة تستهدف هذه الأطراف أو مواقعها، ما يؤدي إلى إدخال البلاد في دائرة من التصعيد المتبادل، ويحوّل أراضيها إلى ساحة لتبادل الرسائل العسكرية. وهو ما يعمّق حالة الانفلات الأمني، ويقوّض مبدأ احتكار الدولة لاستخدام القوة، ويضعف قدرتها على إدارة علاقاتها الخارجية وفق مصالحها الوطنية العليا.

ولا يمكن القبول بأن تتحول الأراضي العراقية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو الدولية، أو أن تُستخدم لتوجيه رسائل متبادلة بين أطراف الصراع. كما أن احترام سيادة الدول الأخرى يقتضي عدم استهدافها أو الزج بها في النزاع ما لم تكن طرفاً فيه، لأن التوسع في الصراع لا يؤدي إلا إلى مزيد من عدم الاستقرار وتعميق الأزمات.

وفي ظل هذه التحديات، يصبح من الضروري بناء اصطفاف وطني جديد، يرفض الانجرار إلى محاور الصراع، ويركز على حماية السيادة العراقية. فالصراع الدائر هو في جوهره صراع نفوذ وإعادة تشكيل للمنطقة، ووفق العديد من السيناريوهات المطروحة، فإن الدول الهشة أو المنخرطة في هذا الصراع تكون الأكثر عرضة للتفكك وإعادة التقسيم. ومن هنا، فإن انجرار العراق إلى أحد أطراف هذا الصراع لا يعني فقط فقدان قراره الوطني المستقل، بل يفتح الباب أمام مخاطر حقيقية تهدد وحدته الجغرافية والسياسية، وتضعه ضمن خرائط إعادة رسم المنطقة التي يجري التداول بها في مراكز القرار الدولي.

إن الأولوية في هذه المرحلة يجب أن تكون للحفاظ على وحدة العراق واستقلاله، ومنع أي مسارات قد تدفع باتجاه إضعافه أو تقسيمه، وهو ما يتطلب اصطفافاً وطنياً عابراً للخلافات، يجمع كل القوى التي تؤمن بالدولة وترفض زجّها في صراعات المحاور. فالدخول في مثل هذه الصراعات لا يخدم سوى مشاريع الهيمنة، بينما يدفع العراق وشعبه كلفة باهظة قد تمتد آثارها لأجيال.

إن الموقف الشيوعي من الحرب يقوم على معادلة دقيقة: رفض العدوان من جهة، والدفاع عن سيادة الدول وحق الشعوب في الحماية من جهة أخرى. وفي هذا الإطار، فإن إدانة العدوان الإسرائيلي–الأمريكي على إيران، وما خلّفه من خسائر كبيرة، تنسجم مع هذا المبدأ، دون أن تعني الانجرار إلى صراعات المحاور أو الانحياز لأي منها. إن التحدي الحقيقي يكمن في الحفاظ على موقف وطني مستقل، يحمي العراق من التحول إلى ساحة صراع، ويعزز وحدته واستقراره، ويقطع الطريق أمام كل المشاريع التي تستهدف إعادة رسم خريطته. فبقاء العراق موحداً مستقلاً ليس خياراً سياسياً فحسب، بل هو شرط وجودي لا بد من الدفاع عنه في مواجهة مخاطر المرحلة.