اخر الاخبار

يوماً سيأتي ويجني شعبنا ثمرة تضحيات بناته وأبنائه النجباء، فهذه الفوضى لن تدوم، وهذه العقليات الحاكمة زائلة لا محال، إن زماننا ليس إلا كبوة الحصان، ويقيني بأننا سنكون شهودا على فجر العراق الجديد.

هؤلاء الشهداء لم يرحلوا، بل انتقلوا من ضيق الجسد إلى سعة الخلود، ومن صمت القبور إلى نطق التاريخ.

ولدت الشهيدة سحر في (حي المعرفي) بمدينة البصرة عام ١٩٥٧، بعد انقلاب ٨ شباط ١٩٦٣ الدموي تم اعتقال والدها الذي كان معلما ونائب رئيس نقابة المعلمين، وبعد إطلاق سراحه تم نقله إداريا مع زوجته (المعلمة أيضا) إلى قضاء الدغارة في الديوانية، ثم انتقلت العائلة إلى بغداد عام ١٩٦٧. درست سحر قسما من الابتدائية في الديوانية، لكنها أكملت في  (مدرسة النبوغ) بمنطقة المشتل ببغداد، ولكون والدتها كانت معلمة فيها، كان مستواها الدراسي جيدا وكانت تجيد الرسم حالها حال والدتها. بعد الثانوية قبلت في معهد النفط ببغداد . تفتحت عيون الشهيدة سحر في عائلة يسارية الهوى والفكر والمعتقد والنشاط! كانت ثلاث من عماتها ناشطات شيوعيات، وشاركت اثنتان منهن في مؤتمر السلام بموسكو عام ١٩٥٧، وتم اعتقالهما بعد عودتهما للعراق بشكل سري عن طريق الكويت. واحدة من العمات مازلت على قيد الحياة (ناطقة المبارك) وهي تعيش في أقصى نقطة بعيدة عن العراق، نيوزيلندا. أما أعمام سحر فكانوا يساريين أيضا، العم الأوسط توفي مبكرا بحادث حرق، والأصغر عدنان المبارك درس النقد السينمائي وعاش في بولونيا وتوفي في الدانمارك ودفن فيها، أما خاله فكان كاظم البكري، الذي درس الفيزياء الذرية في الاتحاد السوفيتي توفي ودفن في كييف.

أمام هذه الأجواء اليسارية المحيطة بالأسرة، جاء التأثير الأكبر من أخيها الأصغر الذي كان له شرف ربطها بالتنظيم عام ١٩٧٧، ولسوء الحظ، فإن تلك الأجواء سرعان ما انقلبت وتلبدت سماء العراق بالإرهاب البعثي من جديد مع نهاية العام ١٩٧٨، لكن اسم سحر ووضعها لم يكن معروفاً مما جنبها الملاحقة المباشرة. تمضي الأيام والليالي ثقيلة على الموجودين في السجون أو خارجها، وبالنسبة إلى سحر استمر نشاطها الحزبي ولو بوتيرة أبطأ، لكن يوم ٩ آذار ١٩٨١ كان يوما مشهوداً، فقد جرت محاولة اعتقالها من الشارع عندما كانت مرتبطة بموعد حزبي في موقف عام للباصات، إذ داهمها أربعة من رجال الأمن بالزي المدني، لكنها تمكنت من الإفلات منهم بعد أن استنجدت بالناس، وتصدف أن تمر سيارة (جيب) عسكرية كان فيها ضابط ومجموعة جنود، فحالوا دون اعتقالها، فيما ادعى رجال الأمن بأنها ابنة عمهم، وهي هاربة من البيت، فأخرجت سحر هويتها وقالت إن لقبي هو (المبارك) وأنا لا أعرف هؤلاء الناس، فمضت تلك اللحظات بسلام بعد ان استقلت باص المصلحة للذهاب لبيتها. حال وصولها المنطقة قصدت بيت والدها الذي لم يكن يبعد كثيرا عن بيتها، وأخبرت أخيها (منقذ) بما جرى، فاصطحبها وذهبا سويةً لبيتها، وما ان حانت الساعة التاسعة مساءاً حتى داهمت قوة من ثلاثين عنصراً دار والدها وحاولوا أخذ والدتها وأخيها الأصغر (ذو العشر سنوات) رهائن، فيما انقسمت القوة إلى مجموعتين، ذهبت الأخرى إلى دار سحر حيث تم اعتقالها مع أخيها منقذ.

بعد هذه الحادثة أصبح وضع العائلة كالآتي :

١) سحر معتقلة (شهيدة لاحقاً) ، مهندسة نفط.

٢) شقيقها منقذ، طالب ثانوية (شهيد لاحقا) معتقل.

٣) الوالد عبد المجيد كان معلما متقاعدا، ساءت صحته لاحقاً بعدما عرف بمصير ابنته سحر وابنه منقذ فتوفي كمداً .

٤) الوالدة ماجدة كانت معلمة، تمكن ابنها (ثائر) من إخراجها من العراق عام ١٩٩٢، وعاشت في براغ حتى رحلت عام ٢٠٠٥.

٥) حارث،  شقيق أصغر بعمر عشر سنوات، طالب ابتدائية،  بقي في البيت، تمكن ثائر من إخراجه من العراق عام ١٩٩٤ مع زوجته وابنته، وأقاموا معه في براغ لمدة عام ثم استقر بهم المقام في العاصمة البريطانية لندن.

٦) فارس،  شقيق آخر، خريج زراعة، مجند، تمكن شقيقه من إخراجه من العراق بصحبة والدته ووصلا إلى براغ وهو متزوج من امرأة جيكية ولديه طفلان ، يونس وسميرة .

٧)  ثائر، مواليد العام ١٩٥٩، طالب في الجامعة المستنصرية، ترك الجامعة واضطر للاختفاء حتى تمكنه من مغادرة العراق نهاية العام ١٩٧٩.

لم تسلم هذه العائلة من استفزازات المنظمة الحزبية ولا أجهزة الامن، وكانت تكرر اسئلتها بحثا عن ( ثائر ) .

حاولت الوالدة معرفة مصير ابنتها وابنها لكن دون جدوى، حتى جرى استدعاء الوالد إلى مقر الأمن نهاية العام ٩٨٣ وتم تبليغه بإعدامهما، مع رفض تسليم الجثامين لهم.

الأمر الأصعب هو موقف أولئك الجلادين والقتلة الذي أشرفوا على التعذيب والإهانة والتهديد،  ورب سائل يسأل : هل هم من جنس البشر أصلا؟ وهل يمكن ان تكون لهم أصلا ضمائر وإخلاق وقيم ودين ومذهب ؟ ها قد مرت أكثر من ٤٣ سنة على جريمة قتلهم ودفنهم في المقابر الجماعية ، هل من ضمير سيصحو، وهل من عراقي نزيه سيتقدم للأمام ويقول الحقيقة ؟

** هذه المعلومات والصور تكرم بتقديمها لي شقيق الشهيدة الأستاذ ( ثائر) : مواليد العام ١٩٥٩، ترك الجامعة المستنصرية وهو في الصف الثالث عام ١٩٧٩، وصل بعدها إلى العاصمة الجيكية براغ ، درس وحصل على درجة الماجستير في العلاقات الاقتصادية الدولية، متزوج من زميلته في الدراسة الجزائرية الجنسية، ولديهم ابنتان غاليتان، عالية وياسمين ، أما عالية فهي الأخرى متزوجة ولديها ابنة اسمها (إيلا) ذات الأربع سنوات.

يختم ثائر حديثه بالقول : لسنا نادمين على أي شيء، العراق عراقنا وحكام الأمس واليوم طارئون، العراق عراقنا نحن، نحن من معدن آخر لا علاقة له بمعدن حكام اليوم الذين ينظرون للعراق كغنيمة حرب، المرة الوحيدة التي قال فيها العراقيون رأيهم بصدق منذ سقوط النظام الدكتاتوري، هي في انتفاضة تشرين المجيدة ٢٠١٩، والتي أرعبت السلطة البرجوازية الطفيلية تماما، المستقبل لنا لأنه لا خيار للعراق غير ذلك .

*** الشهيدة سحر عبد المجيد المبارك، مواليد البصرة عام ١٩٥٧، اعتقلت في بغداد يوم ٩ آذار ١٩٨١، أعدمت يوم ٩ آيار ١٩٨٣.

في العام ١٩٨٢ تم مواجهتها بحضور المجرم برزان التكريتي وفاضل البراك وطلبا منها الاعتراف والتوقيع على وثيقة معينة وتنصرف حالا إلى دارها، إلا أنها رفضت الاعتراف والتوقيع ووقعت مشادة كلامية بينها وبين برزان كادت أن تقتل على إثرها، فاتجهت صوب والدها وقبلت جبينه وقالت له : بابا والله العظيم آني بنتك وتربيتك وداعتك وأرفع راسك. طالب والدها بتسليم جثمانها فأجابوه : انسهَ الموضوع ، فالحكومة قامت بالواجب . كانت خريجة معهد النفط ومتزوجة .

*** المجد والخلود للشهيدة سحر عبد المجيد المبارك

*** الخزي والعار لنظام البعث ، والجلاد صدام حسين وكل من يدافع عنهم