لم تغادر بريطانيا مستعمرة الا وتركت خلفها نتوءا تتعثر به العلاقات الدولية، سواء أكان ذاك في فلسطين بين العرب وإسرائيل، او في الهند بينها وبين باكستان فيما يخص إقليم جامو وكشمير، او المعبد في حروب تايلند وكمبوديا بسبب الحقبة الاستعمارية الفرنسية، او كما هو حاصل اليوم بين العراق والكويت جراء الانتداب البريطاني على دول المنطقة. وما بين افغانستان وباكستان لا يخرج عن نطاق ما تركه ذاك الزمان.
ولادة دولة باكستان عام 1947
في عام 1947 انفصلت الأرض الطاهرة باللغة الفارسية والأردية (الباكستان) عن الهند بشقيها الغربي باكستان الحالية وشقها الشرقي بنغلادش أرض البنغال ، لتشكل دولة باكستان الحديثة وهي تضم خمسة أقاليم البنجاب، البنغال ، كشمير، سند، بلوتشستان، بعد ذلك انفصل البنغاليون بمساعدة حرب الهند على باكستان عام 1971، ليشكلوا ما يعرف اليوم بدولة بنغلادش. تبلغ مساحة باكستان 882 ألف كيلو متر مربع ويبلغ عدد سكانها اليوم 250 مليون نسمة، وتعد ثاني أكبر دولة اسلامية من حيث السكان بعد اندونيسيا. عاصمة البلاد إسلام آباد ويبلغ عدد سكانها 2،6 مليون نسمة، أغلب سكانها من المسلمين. ويشكل البشتون 20 في المائة من سكان باكستان وهو سببا في النزاعات المستمرة مع الأفغان.
أفغانستان والاستقلال عام 1919
تأسست أفغانستان الحديثة عاو 1747 على يد القائد احمد شاه الدوراني، الذي وحد القبائل البشتونية المتفرقة ليكون منها كيانا أفغانيا جديدا سمي، الامبراطورية الدورانية عام 1747-1823، لتضم أجزاء من الهند وباكستان وايران، وقد خضعت بلاد الأفغان لغزوات بريطانية متعددة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، نتيجة للصراع الروسي البريطاني على تلك البلاد وقد نالت الاستقلال الناجز عام 1919 لتمر بفترات سياسية صعبة وانقلابات عسكرية كان آخرها انقلاب اليسار الافغاني على الرئيس محمد داود خان بقيادة نور محمد تراقي زعيم الحزب الديمقراطي الشعبي الافغاني (الحزب الشيوعي) عام 1978وأعلن قيام جمهورية أفغانستان الديمقراطية (ماركسية) وبعد ذلك تم تنظيم انقلاب حفيظ الله امين عام 1979 أدى ذلك إلى التدخل السوفيتي الذي نصب بابراك كارمل، والذي أثار حفيظة المخابرات المركزية الأمريكية لتناصب العداء للنظام الاشتراكي الذي كان سينقذ الافغان من فقرهم المدقع. وكانت تلك العملية الامريكية أول من وضع الأساس الصلب للإرهاب الدولي بقيادة القاعدة وتفرعاتها داعش والنصرة وهيئة تحرير الشام. ونتيجة للصراع الطويل قام الاتحاد السوفيتي بسحب قواته بعد ان صرفت الولايات المتحدة المليارات ضد الوجود السوفيتي في أفغانستان ، والمعروف ان لأفغانستان وروسيا القيصرية تاريخ مشترك طويل. تبلغ مساحة افغانستان 653 ألف كيلو متر مربع يقطنها حوالي 45 مليون نسمة، وهي بلاد جبلية أراضيها زراعية ولها ثروة معدنية ونفطية، حاولت الولايات المتحدة الاستحواذ عليها بالاحتلال عام 2001، لكنها خرجت من العاصمة كابل مهزومة بعد عشرين عاما من القتال مع حركة طالبان أفغانستان. بأمر مستعجل من الرئيس بايدن عام 2021. وتولت الحركة قيادة أفغانستان حتى يومنا هذا.
الصراع الباكستاني الأفغاني الدوافع والاسباب
أولا: اتفاقية ترسيم الحدود.
جاءت افغانستان إلى الوجود بموجب اتفاقية بريطانية روسية لتكون خطا عازلا بين المستعمرات البريطانية ومناطق النفوذ الروسي، وان حكومة الهند البريطانية وقعت اتفاقية حدود، وسمي في إثرها الخط الفاصل باسم ديورند، وقد وقعت الاتفاقية في نوفمبر عام 1893، وقعها عن الجانب الافغاني عبد الرحمن خان، ويبلغ طول الخط هذا اكثر من 2460 كم، والبعض يرى أنه 3000 كم، ومشكلة هذا الخط الذي تقصدته الحكومة البريطانية في الهند كي يفصل فصلا سياسيا قبائل البشتون بين الجارين الهند وافغانستان (قبل ولادة دولة باكستان) ، ويسير هذا الخط مخترقا منطقة بيتشتونستان تاركا قبائل البشتون المقاتلة مقسمة بين كيانين سياسيين ( هما افغانستان 50 في المائة من سكانها من البشتون و20 في المائة من سكان باكستان من البشتون)، لذلك يعد هذا الخط من الناحية الجيوسياسية و الجيوستراتيجية من أخطر مناطق العالم، وأكثرها سخونة في التاريخ، وقد ورثت باكستان الخط وتبعاته مع الأفغان بعد استقلالها عن الهند عام 1947. وان قبائل البشتون هي موحدة برغم الحد الفاصل، وأنها تنازع أفغانستان سلطتها السياسية وتقوم كما سنرى بأعمال عدائية داخل الباكستان.
ثانيا: المدارس الدينية الباكستانية.
كان لنمو مدارس الدين الباكستانية منذ الثمانينات تأثيرا مباشرا على نمو أجيال سلفية كثيرة جدا تعد بالملايين، وهذه المدارس تعد بمثابة معاهد تعلم الشريعة وسبل الدفاع عنها، والتعليم فيها مجانا مع السكن والاطعام ومستلزمات الحياة الاخرى، ويبلغ عددها حسب المختصين حوالي 40 الف مدرسة، وتلاميذها هم الطالبان، طلبة الشريعة والدين، طلبة استمرأها الدين وتطالب بنشره في كافة انحاء العالم، ونشأت حركة طالبان عام 1994وقوامها طلاب تلك المدارس الدينية في مقاطعة قندهار، ويعد الملا محمد عمر هو مؤسسها وواضع أهدافها في نشر الإسلام وإقامة حكم الشريعة أولا في الدول الإسلامية ، وقد انتشرت بسرعة هائلة جدا في أفغانستان بمساعدة باكستان، وهي حركة مسلحة امتدادا لمقاومة الوجود السوفيتي في افغانستان، وكانت عمليات تسليحها ونموها تتم بواسطة ال CIA وأذرعها في باكستان.
ثالثا: التدخلات المتبادلة للبلدين كل في شؤون الاخر. إن جوهر الخلافات ناتجة عن ترسم الحدود ويعد ذاك تقسيما جائرا للقبائل، وكثيرا ما تتشابك المصالح القبلية مع نوايا الحكومات في إثارة الفتن على الحدود وكان لدخول طالبان المعترك السياسي واحتلالها لأفغانستان عام 1996 بقيادة الملا محمد عمر عاملا إضافيا مهما جدا في التوتر المزمن للعلاقات بين الجارين المسلمين، وأن الحرب الدائرة الآن هي نتيجة لاعتداءات طالبان افغانستان على الجيش الباكستاني وقتل عدد من جنوده.
رابعا: حركة طالبان باكستان.
تشكلت الحركة عام 2007 تحت قيادة الزعيم القوي بيت الله محسود من الأغلبية البشتونية وهي تضم 13 تنظيما عسكريا، قامت بآلاف العمليات الإرهابية ضد الجيش الباكستاني وقوى باكستان الأمنية، وفي عام 2024 لوحده قامت بأكثر من 600 عملية إرهابية في باكستان وهي تتلقى دعما عقائديا وارشاديا من تنظيم القاعدة، وترى باكستان أن طالبان الأفغانية تقف إلى جانب طالبان الباكستانية ضد دولة باكستان واستقرارها، وهنا مكمن الصراع بين الدولتين. إن للصراع التنظيمي تفرعات أخرى، تدخل على الخط فيه تنظيمات الدولة الإسلامية (داعش خراسان) التي ترى نفسها أنها تنظيم عالمي له فروع في الصين واندونيسيا وبنغلادش وماينمار والهند وباكستان وإيران وافغانستان، وأنها تأخذ جانبا مهما من الصراع مع حكومة افغانستان، وتتهم افغانستان باكستان بوجود جزء من تنظيم داعش خراسان في الاراضي الباكستانية.
خامسا: الولاءات الدولية والحرب الأفغانية الباكستانية. يمكن القول إن لباكستان علاقات استراتيجية وعسكرية عميقة مع الولايات المتحدة، وأن الولايات المتحدة تساعد باكستان بمليارات الدولارات سنويا، وانها وافقت على امتلاك الباكستان القنبلة النووية لغرض خلق التوازن الاستراتيجي مع الهند، برغم أن لباكستان علاقات متينة مع الصين، لكن من حيث القوة فان ال CIA تمتلك أقوى المراكز او الأنشطة الاستخبارية في باكستان، وأن باكستان تقيم بقدر المستطاع علاقات مع جميع الدول لتضمن المساعدة في حربها مع الهند، حول جامو وكشمير، اما أفغانستان فأنها اليوم منفتحة على روسيا بعلاقات استراتيجية وعسكرية، كذلك لها علاقات مع الصين، لكنها في عداء دائم مع الولايات المتحدة، لذا فإن الولايات المتحدة تقف اليوم إلى جانب باكستان في صراعها مع الافغان، غير ان رئيس الأركان الأمريكي نصح بتقديم المشورة العسكرية والاستخباراتية لأفغانستان لغرض تمكينها من القتال مع التنظيم العالمي لداعش.
إن الصراع الأفغاني الباكستاني ، صراع عميق أساسه ما خلفته الحقبة الاستعمارية البريطانية الا وهو خط ديورند لتقسيم الحدود والذي رسمه السير هنري مارتمور ديورند وهو خط وهمي بطول 2460 كم دون الالتفات إلى الوجود الفعلي المهم لقبائل البشتون المقاتلة التي تمد اليوم طالبان باكستان بكل وسائل محاربة الحكومات الباكستانية، التي يقف خلفها جيش يعد من أعرق وأقوى جيوش العالم، كما وان لاختلاف المصالح الدولية وتصارعها جعل من الدولتين عرضة للاقتتال المستديم.